ملخص: ينتقد المقال التقليل من خطورة تغيّر المناخ عبر نماذج اقتصادية مؤثرة لكنها معيبة، رغم التحذيرات المبكرة من علماء المناخ مثل جيمس هانسن، ورغم الإجماع العلمي على أن استمرار الانبعاثات سيقود إلى كوارث واسعة. ويركّز على أعمال ويليام نوردهاوس التي اعتبرت أن ارتفاعًا قدره أربع درجات مئوية قد يكون “أمثل” اقتصاديًا، مستندة إلى نماذج تبسيطية تعتمد على ملاءمة المنحنى وتتجاهل مخاطر جوهرية كنقاط التحول المناخية. ويعرض انتقادات باحثين مثل ستيف كين وكاثي أونيل الذين وصفوا هذه النماذج بالمضللة والخطِرة، ويخلص إلى أن تأطير الأزمة بلغة اقتصادية ضيقة يمنح صانعي السياسات مبررًا للتقاعس، داعيًا إلى سياسات تستند إلى الحقائق الفيزيائية وتحمي جودة الحياة بدل الاحتماء بحسابات رياضية مطمئنة زائفًا.
لقد جرى تمحيص أخطار تغيّر المناخ بعمقٍ وعلى مدى طويل بحيث يفترض أن تكون باديةً للعيان للجميع. قبل أربعة وثلاثين عامًا، حذّر عالم «ناسا» جيمس هانسن الكونغرس علنًا من أن تأثير الدفيئة «يُغيّر مناخنا الآن». ومنذ ذلك الحين، تحسّنت النماذج المناخية باطراد، ولم تزد تفاصيلها إلا إثارةً للقلق. فالمسار الحالي لانبعاثات الكربون يضمن بالفعل مزيدًا من الفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة، إلى جانب ارتفاع مخاطر اضطراب الإمدادات الغذائية وظهور أمراض معدية جديدة. وقد بلغ الوضع من الخطورة حدًّا دفع 11,258 عالمًا من 153 دولة إلى توقيع «إعلان حالة طوارئ مناخية».
ومع ذلك، لا يزال القادة العالميون يتعاملون مع تغيّر المناخ بوصفه مجرد مسألة سياسات عامة أخرى، شبيهة بارتفاعٍ طارئ في معدلات التضخم أو جدلٍ حول العجز المالي. ولعل الدوافع السياسية الكامنة وراء هذا الموقف الذي يدفن الرأس في الرمال واضحة. غير أن الأقل وضوحًا هو أن أحد أخطر العوامل المُمكِّنة لهذا الإنكار يأتي من داخل الأوساط الأكاديمية نفسها.
فبينما يطلق علماء المناخ صافرات الإنذار، قدّم اقتصاديون بارزون توقعاتهم الخاصة التي تُظهر الوضع أقل خطورةً بكثير مما هو عليه في الواقع. وتستند هذه التوقعات الاقتصادية إلى نماذج رياضية معيبة ومنهجية مضلِّلة بعمق في تحليل البيانات، لكنها مع ذلك أثبتت تأثيرًا بالغًا. وأمام نوعين من التنبؤات—الفيزياء في مقابل الاقتصاد—اختار صانعو السياسات، على نحوٍ غير مفاجئ، ما يبرّر طريقًا أسهل ينكر الإلحاح. ويتمثل التحدي أمامنا جميعًا—مواطنين وقادة وأكاديميين—في فضح الأخطاء الرياضية والمنطقية والأخلاقية الكامنة في تلك التوقعات الاقتصادية قبل فوات الأوان.
قد يبدو من العسير تصديق أن نماذج بهذا القدر من التبسيط توجّه قرارات قد تحدد مصير العالم. ولرؤية مدى تغلغل المشكلة، يكفي النظر في أعمال الاقتصادي بجامعة ييل ويليام نوردهاوس، الذي تقاسم جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2018 عن تحليلاته للآثار الاقتصادية لتغيّر المناخ. وماذا تُظهر دراسته الحائزة على الجائزة؟ تشير محاضرته إلى أن ارتفاعًا متوسطه أربع درجات مئوية يُعد «أمثل»، بمعنى أن الكلفة المالية لكبح تغيّر المناخ إلى ما دون هذا المستوى ستتجاوز الخسائر الاقتصادية الناجمة عن عالمٍ أكثر حرارة. وقد لخّص ريتشارد تول من جامعة ساسكس هذا «الإجماع» بقوله: «من المرجح أن يكون لتغيّر المناخ تأثير محدود في الاقتصاد ورفاه الإنسان خلال القرن الحادي والعشرين».
غير أن باحثي المناخ يتوقعون أن ارتفاعًا بمقدار درجتين مئويتين فقط ينطوي على خطر جسيم بإطلاق «أرض البيت الزجاجي» ذات المناطق الشاسعة غير الصالحة للسكن وارتفاعات هائلة في مستويات البحار. فهل يبدو ذلك «أمثل»؟
تبدأ مشكلات التوقعات الاقتصادية من موقف المحللين تجاه البيانات التي يستخدمونها. فالبيانات لا تمثل نافذة شفافة على الحقيقة؛ بل هي أقرب إلى لقطة ضبابية سيئة الإضاءة لجزءٍ ضئيل من الواقع. إذ يختار الباحثون ما الذي يقيسونه، ويحددون أدوات التحليل، ويفسّرون دلالة النتائج. ويمكن للرسوم البيانية الأنيقة أن تُخفي قدرًا كبيرًا من عدم اليقين والافتراضات المريبة الكامنة في تلك القرارات.
ولضمان موثوقية نماذجهم، يستخدم علماء المناخ مجموعات بيانات عالمية ضخمة ويطبّقون قوانين فيزيائية راسخة مثل حفظ الكتلة والطاقة، وتستغرق حساباتهم شهورًا على أسرع الحواسيب الفائقة في العالم. أما نوردهاوس وزملاؤه فيعتمدون على بيانات اقتصادية شحيحة ومحل شك، وعلاقات إحصائية مثالية مجرّدة، وينتجون نماذج صغيرة يمكن تشغيلها على جدول بيانات مكتبي.
وهنا تبرز المشكلة الجوهرية الثانية. ففي صميم نماذج نوردهاوس تقنية تُعرف بملاءمة المنحنى (curve fitting)، وهي عمليًا لا تتجاوز رسم خطٍ حسن المظهر يمر عبر البيانات. ومن خلال هذا الوصف الخالي من النظرية، صاغ نوردهاوس معادلة يُفترض أنها تُبيّن كيف يتغير النشاط الاقتصادي استجابةً لتغيرات الحرارة—لكن ما يفعله فعليًا هو «طبخ الدفاتر».
ففي مثال واقعي أعاد الاقتصادي الأسترالي ستيف كين عرضه في ورقة بعنوان «الاقتصاد الكلاسيكي الجديد الرديء على نحوٍ مروّع في تعامله مع تغيّر المناخ»، تم تمثيل النشاط الاقتصادي للفرد في كل ولاية أمريكية مقابل متوسط درجات الحرارة. وقد بدا المنحنى الناتج أنيقًا، لكنه في الحقيقة يلائم البيانات على نحوٍ ضعيف، وإن كان يُنتج معادلة قابلة للاستخدام العددي.
وبحسب أحدث صيغة لنوردهاوس، ينخفض النشاط الاقتصادي بنسبة 0.227% لكل درجة مئوية مربعة من تغير الحرارة. ووفق هذا التحليل المطمئن، فإن ارتفاعًا عالميًا بمقدار أربع درجات مئوية سيؤدي إلى انكماش الاقتصاد العالمي بنسبة 3.6% فحسب. غير أن هذا الاطمئنان ينهار عند تمحيص الافتراضات: إذ يستبعد النموذج نحو 90% من النشاط الاقتصادي بدعوى أنه يجري داخل المباني، وكأن الفيضانات أو انقطاع الكهرباء لا تؤثر في العمل الداخلي. كما يفترض ثبات العوامل الاقتصادية الأخرى حتى عام 2100، ويغفل نقاط التحول المفاجئة التي تشير إليها نماذج المناخ.
وقد انتقدت عالمة الرياضيات كاثي أونيل نماذج ملاءمة المنحنى بوصفها تولّد «توقعات حمقاء على نحوٍ مذهل»، إذ تفترض أن المستقبل سيكون امتدادًا بسيطًا للماضي. ويذهب كين إلى وصف منهج نوردهاوس بأنه «أخطر افتراض تبسيطي غير واقعي في تاريخ الاقتصاد».
في دليل استخدام نموذجه، يعترف نوردهاوس بإغفال تكاليف يصعب نمذجتها، مثل فقدان التنوع الحيوي وارتفاع مستوى البحر والتحولات السياسية، ثم «يعدّل» النتائج بإضافة 25% من الضرر الاقتصادي—رقم يبدو أنه مُنتزع من فراغ. والأسوأ أنه يتجاهل التحولات المفاجئة ونقاط الانقلاب المناخية التي قد تفضي إلى عواقب اقتصادية تقع خارج منحناه بالكامل. ومع ذلك، استُخدمت هذه النماذج لتوجيه سياسات سترهقنا وأجيالنا المقبلة لعقود.
تعود لحظة مفصلية في هذا التفكير الاقتصادي إلى عام 1983 حين أصدرت الأكاديمية الوطنية للعلوم تقريرًا كبيرًا حول تغيّر المناخ. وقد انقسم معدّوه إلى معسكرين: علماء فيزيائيون رأوا في تراكم ثاني أكسيد الكربون مشكلة خطيرة، واقتصاديون—يتقدمهم نوردهاوس—جادلوا بعكس ذلك. ومال الفيزيائي ويليام نيرنبرغ، رئيس اللجنة، إلى جانب الاقتصاديين، وهو ما أثّر في سياسات لاحقة خلال إدارة ريغان. ولاحقًا أسس نيرنبرغ «معهد جورج سي. مارشال» المدعوم من صناعة الوقود الأحفوري، والذي لعب دورًا في إضعاف التشريعات المناخية في الولايات المتحدة.
إن تأطير تغيّر المناخ بلغة الاقتصاد يرسّخ كذلك نظرة مجرّدة من إنسانيتها لقضية إنسانية بامتياز. فأي تحليل يتخذ المال معيارًا وحيدًا للقيمة الاجتماعية سيُقلّل منهجيًا من وزن حقوق الفقراء. ومع أن أفقر نصف سكان العالم مسؤولون عن 10% فقط من الانبعاثات، فإن أغنى 1% يساهمون بنسبة 15%.
إن العالم بحاجة إلى سياسات مناخية تقوم على الواقعية الفيزيائية وتعظيم جودة الحياة، لا على نماذج اقتصادية تُخفي تحيزاتها خلف ستارٍ حسابي. وقد دعا اقتصاديون مثل نيكولاس ستيرن وغيرنوت فاغنر إلى مراجعة جذرية للمنهج الاقتصادي السائد، بل إن بول رومر نفسه أقرّ بأن الاقتصاديين الذين يمسكون بزمام القيادة «يلحقون ضررًا أكثر مما ينفعون».
ولعل أسرع حجة ضد الثقة العمياء بهذه النماذج هو سجلّها الضعيف: فقد عجز معظم الاقتصاديين عن توقّع الأزمة المالية عام 2008، لأن نماذجهم استبعدت عناصر أساسية—منها القطاع المصرفي نفسه. في المقابل، فإن الأسس الفيزيائية لتغيّر المناخ مفهومة بدقة متزايدة منذ أن وصفتها العالمة والمخترعة الأمريكية يونيس فوت عام 1856.
ومن ثمّ، يتضح أيّ الخبراء أولى بثقتنا. فلنعمل على تجاهل تشتيتات ملاءمة المنحنى، ولنسعَ جاهدين إلى تقليل الضرر الذي تُلحقه أنماط حياتنا الكثيفة الكربون بكوكبنا.
