ملخص: يتناول المقال التطور الحديث في مجال العلاج النفسي مع ظهور روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، التي تقدم دعمًا نفسيًا عبر خوارزميات متقدمة، خاصة في ظل نقص المعالجين البشريين وزيادة الطلب على الرعاية النفسية. ويشرح توماس بلانتي أن هذه التطبيقات قد تكون مفيدة للأشخاص ذوي الضغوط الخفيفة أو القلق المعتدل، لكنها قد تكون خطرة في الحالات النفسية الحادة مثل الاكتئاب الشديد أو الفصام، لأنها تفتقر للعلاقة الإنسانية والدعم العاطفي الحاسم الذي يوفره المعالج البشري، وقد تؤدي إلى شعور زائف بالأمان أو نصائح ضارة. كما يحذر من الاعتماد المفرط على هذه الأنظمة قبل خضوعها لتجارب سريرية صارمة، مشددًا على أن العلاج النفسي الفعّال يعتمد على الدمج بين الأدوات الرقمية، التقييم العلمي، والدعم البشري، مع ضرورة مراعاة أن كل شخص يحتاج إلى أسلوب مختلف وفق حالته النفسية وظروفه الفردية.
لقد شهد مجال العلاج النفسي تطورات كبيرة منذ أيام سيغموند فرويد، بدءًا من ظهور أساليب العلاج السلوكي المعرفي وصولًا إلى الاعتماد على الأدوية النفسية. وما يواجه هذا المجال اليوم هو تحوّل جذري في طبيعة التفاعل مع المرضى، حيث لم يعد المعالج البشري وحده من يتعامل مع الناس، بل بات هناك برامج ذكية تتولى جزءًا من هذا الدور. خلال العقد الأخير، بدأت شركات التكنولوجيا في تطوير وإطلاق روبوتات الدردشة التفاعلية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، والتي تستخدم خوارزميات متقدمة لتقديم المشورة حول الصحة النفسية. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 22 بالمئة من الأمريكيين قد جربوا بالفعل التعامل مع أحد هذه الروبوتات العلاجية في عام 2021.
توماس بلانتي، أستاذ علم النفس في جامعة سانتا كلارا وأستاذ مساعد في الطب النفسي وعلوم السلوك بكلية الطب في جامعة ستانفورد، تابع ظهور هذه الروبوتات باهتمام كبير ممزوج بالقلق. يعمل بلانتي في مركز ماركولا للأخلاقيات التطبيقية، حيث يدرس القضايا الأخلاقية المرتبطة بالعلاج النفسي، ويثير لديه التساؤل حول التداعيات الأخلاقية للعلاج الذي يتم دون وجود معالج بشري. إضافة إلى ذلك، يدير بلانتي ممارسة سريرية خاصة، ما يمنحه فرصة لملاحظة تأثير العلاجات المختلفة بشكل مباشر على مرضاه، ومعرفة ما هو فعال وما ليس كذلك. في هذا الحوار مع كوري س. باول، المؤسس المشارك لمنصة OpenMind، يناقش بلانتي مزايا وعيوب العلاج النفسي بالذكاء الاصطناعي، وتم تعديل الحوار لتوضيح الفكرة وجعل النص أكثر سلاسة.
تشير الإحصاءات إلى أن عددًا غير مسبوق من الأمريكيين يعتمدون على العلاج النفسي وأشكال أخرى من الرعاية النفسية. في الوقت نفسه، هناك نقص مزمن في عدد المعالجين، ما يجعل العديد من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم النفسي لا يحصلون عليه. وعندما سُئل بلانتي عن وجود أزمة حقيقية في الرعاية النفسية في الولايات المتحدة، أكد أن الجراح العام قد أصدر نهاية عام 2021 تحذيرًا غير مسبوق بشأن هذه الأزمة. وتظهر الأدلة أن العديد من الناس يعانون من مخاوف كبيرة تتعلق بالصحة النفسية، خاصة بين الشباب، بما في ذلك القلق والاكتئاب وتعاطي المخدرات وأفكار الانتحار، وهي مشكلات تجاوزت الحدود المعتادة، ويصفها بلانتي بأنها "تسونامي الصحة النفسية". وأوضح أن عدد المتخصصين في الصحة النفسية غير كافٍ لتلبية الاحتياجات، وأن الحصول على العلاج يعتبر أمرًا مرهقًا ومكلفًا، حيث لا تغطي التأمينات الصحية الكثير من هذه الخدمات، مما يدفع الناس إلى اللجوء إلى الحلول الرقمية لمواجهة مشكلاتهم النفسية.
عندما سُئل عن دور محتمل للمعالجين الافتراضيين، أوضح بلانتي أن هذا المجال جديد تمامًا، وأن أي علاج قبل عرضه على الجمهور يجب أن يخضع لتجارب سريرية عشوائية لإثبات فعاليته. التحرك العشوائي لتقديم حلول قد يكون غير فعّال أو حتى ضارًا يمثل خطرًا كبيرًا. وأضاف بلانتي أن أسلوب "التحرك بسرعة وتحطيم الأشياء" الذي يشتهر به وادي السيليكون غير مناسب لعلاج الصحة النفسية، إذ يجب إجراء الدراسات العلمية أولًا لضمان تقديم أفضل الممارسات المعتمدة على الأدلة، بينما بعض الشركات تسرع في إطلاق تطبيقاتها دون إجراء هذه الدراسات، مما يشكل مشكلة كبيرة.
وعن تجربة مرضاه مع تطبيقات العلاج النفسي على الإنترنت، أوضح بلانتي أن بعض مرضاه يستخدمون تطبيقات شهيرة مثل Calm، وهي تطبيقات للتأمل موجودة منذ فترة، وأن استخدامها مناسب للأشخاص الذين يعانون من ضغوط بسيطة أو قلق خفيف إلى متوسط. لكن في حالات الأمراض النفسية الحادة مثل الفصام أو الاكتئاب الشديد الذي يشمل أفكارًا انتحارية، فإن الاعتماد على هذه التطبيقات قد يكون خطيرًا، لأنها قد تعطي شعورًا زائفًا بالأمان وتمنع المرضى من الوصول إلى العلاج الفعال مع معالج مرخص.
وأشار بلانتي إلى ميل الإنسان الطبيعي لإسقاط وعيه ونواياه على هذه الأنظمة الذكية، ما يجعلها تبدو أكثر واقعية ومصداقية، وهو ما قد يعزز تأثيرها placebo effect، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى توقعات غير واقعية بالكمال من هذه التطبيقات، على عكس المعالج البشري الذي يمكن ملاحظة عيوبه وسلوكياته الطبيعية مثل التأخر عن الجلسات أو الملاحظات العفوية، وهو جانب لا توفره الروبوتات.
وأكد بلانتي أن جزءًا كبيرًا من فعالية العلاج النفسي لا يعتمد على التقنية فقط، بل على العلاقة الإنسانية بين المعالج والمريض، فوجود شخص يرافقك ويدعمك ويستمع إليك بتعاطف وبدون حكم له أثر كبير على الشفاء النفسي، وهو أمر لا تستطيع روبوتات الذكاء الاصطناعي تقديمه.
وعن المخاطر المحتملة لاستخدام هذه التطبيقات بدون تقييم سريري، أشار بلانتي إلى أن بعض الناس يعتقدون أن هذه التطبيقات لا يمكن أن تضر المستخدمين لأنها مجرد نصائح غير مثالية وليست جراحة دماغية، لكن الواقع يثبت أن الناس قد يتضررون حتى من المتخصصين المرخصين، ناهيك عن التطبيقات. وأعطى مثالًا على ذلك في حالات الأنوركسيا العصبية التي لها معدل وفاة مرتفع، حيث قد يؤدي تقديم نصائح خاطئة للمراهقات المصابات إلى نتائج خطيرة، كما حدث مع روبوت "تيسا" الذي أنشأته الجمعية الوطنية لاضطرابات الأكل. وأوضح أن هذه التحديات ناتجة عن غياب عمليات الموافقة الصارمة التي تُطبق على الأدوية، وأنه ما زال هناك الكثير لنعرفه عن مدى فعالية هذه التطبيقات، لأن البحوث الطويلة المدى تحتاج وقتًا.
وعن المستقبل، أكد بلانتي أن ملايين الأشخاص يستخدمون روبوتات العلاج النفسي بالفعل، وأن هذا الرقم من المتوقع أن يرتفع. في ثقافتنا الحالية، يميل الناس إلى البحث عن حلول رقمية لمشاكلهم، فشراء كتاب لم يعد يتطلب الذهاب إلى المكتبة بل يمكن طلبه عبر أمازون، والكثيرون يفضلون الحصول على الخدمات عبر الحاسوب لما توفره من راحة وتكلفة منخفضة. وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من مشكلات بسيطة إلى متوسطة، من الممكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي الخيار الأساسي، مع التأكيد أنه مجرد أداة واحدة ضمن مجموعة متنوعة من الأدوات التي يمكن استخدامها لتحقيق الدعم النفسي.
وحذر بلانتي من المبالغة في تقدير هذه التطبيقات، مؤكدًا أن الاعتماد المفرط عليها قد يحرم الناس من العلاج الفعّال مع معالج مرخص عند الحاجة، وأن أفضل طريقة للاستفادة من حياتك هي استخدام كل الأدوات المتاحة وعدم انتظار حل واحد يناسب الجميع، فليس هناك نهج شامل يصلح لكل شخص في كل الحالات.
