ملخص: المقال يسلط الضوء على ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي في مجال الموارد البشرية، موضحًا كيف يمكن للنماذج اللغوية الكبيرة مثل “تشات جي بي تي” أن تُحوّل المعلومات المخزنة في أنظمة الشركة إلى مصدر سريع وفعال للمعرفة، ما يسهّل على الموظفين والمديرين الوصول إلى البيانات واتخاذ القرارات بسرعة أكبر. يشرح المقال تطور العصور الاقتصادية وصولًا إلى عصر الذكاء، حيث تصبح القدرة على استغلال المعلومات مهارة مركزية للعمال، ويشير إلى أن جائحة كورونا وعالم العمل عن بُعد زادت من الحاجة إلى مرونة ومهارات جديدة. كما يناقش التحديات التي تواجه الموارد البشرية، مثل توجيه الموظفين لاستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل صحيح، التعامل مع نتائج غير دقيقة أو متحيزة، وإعادة تصميم الوظائف والمجموعات لتعظيم قيمة الذكاء الاصطناعي في التعلم والتطوير والتوظيف والترقيات. ويخلص المقال إلى أن على الموارد البشرية أن تصبح أكثر استراتيجية وانفتاحًا للتجربة والتعلم، مستفيدة من الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأداء التنظيمي وتمكين الموظفين، وضمان جاهزية المؤسسات للمنافسة في عصر المعرفة الذكي.
ترجمة: شهد الراجحي
تغيير جديد في مجال الموارد البشرية: عصر الذكاء وموجة الذكاء الاصطناعي. إن الذكاء الاصطناعي -كما نعرف جميعًا- ظاهرة “تشات جي بي تي” فهي تُظهر قدرة النماذج اللغوية الكبرى على جمع وربط المعلومات المغلقة أو المحجوبة من آلاف المصادر داخل مؤسسة. فما أن تبدأ شركة ما في إنشاء نموذج لغوي كبير (LLM) وتزويده ببيانات من أنظمة الموارد البشرية، والأنظمة المالية، وأنظمة التوظيف وغيرها، حتى يتحول هذا النموذج إلى ما يشبه “مكنسة تنظيف رقمية” ؛ فكل وثيقة إجراءات، وبرنامج تدريبي، ولائحة تنظيمية، وأي سياسة أُدخلت إلى نمذجة اللغة ستصبح متاحة لكل موظف يسأل النظام عن أي سؤال بسيط، وتقدم هذه التقنية حرية وقوة جديدة تُمكّنها من الوصول إلى المعلومات المفيدة بيُسر وسرعة فائقة.
تخيل أن ممثل مبيعات أو مدير تسويق أو مديرًا ماليًّا يبحث عن معلومات عبر العملاء أو المنتجات أو نتائج الأعمال لمساعدته في أداء عمله، بدلًا من البحث عن مساعدة من عدة أشخاص أو الطلب من قسم التكنولوجيا لتزويده بالمعلومات المطلوبة، يمكنه ببساطة العثور على ما يحتاجه من خلال طرح سؤال على روبوت المحادثة للشركة، ما يسهل من ترابطهم وسرعة إنتاجيتهم،
وأيضًا سيساعد شركاء الأعمال في الموارد البشرية في وصولهم إلى البيانات المتعلقة بمستويات الرواتب في الشركة، والاحتفاظ بموظفيها، وتفاعل الموظفين مع مجموعاتهم.
يطرح التطور الملحوظ في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي سؤالًا مهمًّا وهو: هل فريق وأعضاء الموارد البشرية مستعدون لمساعدة الموظفين لاستغلال إمكانيات الذكاء الاصطناعي؟ هل هم مستعدون لمشاهدة تطورات هذا العالم الذكي؟
تطور العصر الذكي
لنعُد قليلًا إلى الوراء ونتأمل كيف وصلنا إلى هذه المرحلة: تطور الاقتصاد الأمريكي عبر أربع مراحل؛ أولًا، عصر الرواد، حين استكشفنا البلاد، ثم العصر الصناعي، حين أنشأنا شركات التصنيع والنقل والطاقة، ثم عصر المعلومات، حينما أوجدت تقنية المعلومات والحوسبة نماذج وأدوات عمل جديدة، وأخيرًا، عصر الذكاء، حين تُدمج كل هذه المعلومات وتصبح في متناول أيدينا.
أثناء هذه الفترات، تغير دور العمال؛ ففي الماضي، عملنا مع عائلتنا وعدة مجموعات صغيرة في المزارع، وقد ضخ العصر الصناعي أفكارًا جديدة للإدارة والعمل، وقدم لنا “الوصف الوظيفي”، والذي يجعل من العمال أجزاء قابلة للاستبدال، وأحدث عصر المعلومات دورًا جديدًا للمحترفين، ومكن العديد من أن يكونوا مديرين وتقنيين وقادة. سيتطور عصر الذكاء وسيمكّننا جميعًا من أن نكون عمالًا بارعين في الوصول للمعلومات كلها.
لا بد أن نأخذ في الحسبان التغيرات المفاجئة التي أحدثتها جائحة كورونا في حياة الموظفين؛ هذه المرونة في العمل عن بُعد أفسحت المجال للموظفين لتغيير وظائفهم بتكاليف أقل، ما أدى إلى نقص هائل في المواهب. حاليًّا، يبلغ معدل البطالة في الولايات المتحدة ٣.٦٪ فقط، واستجابةً لذلك، اعتمدت منظمات الموارد البشرية عددًا من الأفكار والابتكارات والحلول الإبداعية، مثل تحديد وتصنيف المهارات، والتركيز على تساوي الرواتب بين الموظفين ووضوح سلم الرواتب، بالإضافة إلى تعزيز الرفاهية وتجربة الموظف؛ هذه التغييرات أجبرت متخصصي الموارد البشرية ليصبحوا أكثر استراتيجية، وظهرت هذه البرامج نتيجةً للحاجة الملحة.
ستختبر التحسينات الكبيرة التي سيحققها الذكاء الاصطناعي قدرتنا على التفكير الاستراتيجي في بناء المهارات والتكنولوجيا، وقريبًا، سيضيف كل موظف قيمة بوسائل فريدة ومميزة. ويعزز عصر الذكاء الاصطناعي خبرتنا في مجالات عديدة، إذ يتيح لنا الوصول إلى معلومات ومصادر واسعة عبر الشركة، ما يوسع آفاقنا وأدوارنا في آن واحد.
في الأشهر الماضية، كنت مندهشًا من مدى سماح التقنيات الجديدة للموظفين في عمل ما كان مستحيلًا قبل عام فقط؛ فلقد رأيت أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي تنشئ دورات تدريبية واختبارات وتساعد الأفراد على التعلم أثناء عملهم من خلال توفير المعلومات اللازمة، كما رأيت أشخاصًا يطورون منصات ترسل تنبيهات محددة، مثل تذكيرات بعدم تجديد العملاء لعقودهم. والآن، يستطيع المتخصصون في الرعاية الصحية فهرسة ملاحظات تشخيص المرضى بطريقة تنبئ بالمخاطر، وتساعد في الكشف عن أمراض جديدة، وإن مثل هذه الابتكارات هي التي ستقودنا نحو النجاح في المستقبل.
من خلال حواري المستمر مع الشركات، تعلمت أن هذه الأنظمة الجديدة ستحدث تغييرًا جذريًّا، إذ سيضطر مسؤولو التعليم والتطوير إلى التعامل مع أسئلة معقدة، مثل: “إذا كان لدى الموظف نظام ذكي يقترح حلولًا، ويجيب عن أي سؤال يخطر بباله، فما فائدة التدريب التقليدي؟” لذا، يجب على مسؤولي الموارد البشرية أن يتساءلوا عن: “كيف تظل الأنظمة القديمة فاعلة؟” كما سيتعين على الجميع التفكير في مدى صحة إجابات الذكاء الاصطناعي.
متى علينا التشكيك في هذه الأدوات؟ التحدي الحقيقي في مجال الذكاء الاصطناعي يكمن في تعليم الموظفين (ومختصي الموارد البشرية) كيفية طرح الأسئلة المناسبة للعثور على الإجابات التي يبحثون عنها. نعلم جميعًا أن التقنية ناقصة، وكثير من المستخدمين أشاروا إلى أن أداة “تشات جي بي تي” التي طورتها منظمة “أوبين آي”، على الرغم من كونها من أفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، تعاني أحيانًا من الهلوسة (وهي طريقة مهذبة لقول إنها تخترع المعلومات والمصادر والحقائق) قد تكمن المشكلة في التقنية نفسها، إذ وجدت دراسة حديثة أن نمذجة اللغة لنظام “جي بي تي” أصبحت “أقل ذكاءً” والباحثون غير متأكدين من الأسباب. لذا، يجب على موظفينا أن يتعلموا متى يشككون بنتائج هذه الأدوات؛ لأنها قد لا تكون موثوقة المصدر مثل التقارير المالية التقليدية.
وهذا يفتح دورًا جديدًا لمجال الموارد البشرية؛ فالشركات ليست مجموعة من الأفراد ذوي الأداء العالي وحسب، بل يمكن أيضًا للموظفين أن تزداد مهاراتهم بمساعدة الذكاء الاصطناعي. لذلك، يجب على مختصي الموارد البشرية التفكير في كيفية استغلال المعرفة من هذه الأنظمة، وتحديد المسؤوليات المتعلقة بالقرارات، وتأسيس الحوكمة المناسبة، بالإضافة إلى الملاحظات الفاعلة والتعلم من الذكاء الاصطناعي التوليدي.
استمر فريقي على تواصل مع قادة الموارد البشرية حول مشاريعهم المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وقد وصفوا العديد من التحديات الجديدة، وهي كيف يمكننا أن نوجه هذه الأدوات لحل المشكلات المطلوبة، وإيقاف تحولها إلى أنظمة استعلام عامة وضعيفة؟ كيف نجعل الموظفين الأساسيين حذرين لاستعمال أنظمة ضعيفة وليست دقيقة دائمًا، أو تقدم إجابات متحيزة وناقصة؟ كيف نرفع مستوى المهارات أو نعيد تدريب الموظفين الذين يرون أن جزءًا كبيرًا من عملهم قد تمت أتمتته؟
درست ممارسات الموارد البشرية لأكثر من ٢٠ عامًا، وأود التوضيح أن تقدم الأفكار مثل تمكين الموظفين، والهياكل التنظيمية المسطحة، وبنية الوظائف المبسطة، والتطوير المستمر، ومسارات التقدم المهني بدأت الآن تتجذر في الوقت المناسب تمامًا لمواجهة تحديات وفرص الذكاء الاصطناعي التوليدي.
يجب على الموارد البشرية أن ترفع كفاءتها.
في هذا العالم الجديد، سننافس جميعًا لجذب الموظفين المهرة، وسنُسرع في طريقة نظرنا إلى تصميم الوظائف وتنظيم المجموعات. أظهر بحث مؤسستي الأخير، والذي يبحث عن الشركات ذات الأداء العالي حسب القطاع (بيانات الشركات)، أن الشركات عالية الأداء ليست ممتلئة بالموظفين الماهرين فقط، بل أيضًا بارعة في التغيير والازدهار. وعلى سبيل المثال، تحتوي الشركات عالية الأداء على أكبر عدد من الأشخاص الذين يركزون على التدريب، وإدارة التغيير، وتصميم الفرق، بزيادة تصل إلى ٣٠٪ و٤٠٪ مقارنة بالشركات ذات الأداء الأدنى.
تدل هذه الملاحظة على المرحلة القادمة في تطور ممارسات الموارد البشرية، إذ سيساعد الذكاء الاصطناعي في تقديم البيانات بالإضافة إلى الأدوات المتطورة التي تستند كثيرًا إلى العلم، ما يسهم في تحسين تصميم المجموعات، وتوفير وظائف أقوى، وقد تصبح المؤسسة أكثر قوة ونماء ومرونة على المدى البعيد. ويوفر الذكاء الاصطناعي للموظفين الرؤى حول التعلم والتجارب والنصائح التي يحتاجونها للازدهار، ويساعدهم أيضًا في تعليم المديرين في التوظيف والترقيات.
لدى محترفي الموارد البشرية الفرصة الكبرى لتولي القيادة في هذا العصر الجديد، لكن ذلك يعتمد على استعدادهم لمواجهة التحديات. ويجب على قادة الموارد البشرية الوعي في إمكانيات أدوات الذكاء الاصطناعي والاستعداد لإضافتها لخبراتهم في تصميم المؤسسات، والتدريب، والمكافآت، والقيادة، وسيتعين عليهم أن يكونوا منفتحين للتجربة، وإنشاء مجموعة أوسع من المهارات.
أيبدو أنه عبء ثقيل؟ أعتقد أنه ضروري في مجال الموارد البشرية، فقد داهمنا عصر الذكاء الاصطناعي. لذا، إذا عملنا معًا وتعلمنا، يمكننا أن ننجح في هذا العصر الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
