في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا الرقمية جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، لم يعد تأثيرها مقتصرًا على العمل أو التعليم أو التواصل الاجتماعي، بل امتد ليشمل أكثر مناطق التجربة الإنسانية هشاشة: الصحة النفسية، والانتحار على وجه الخصوص. ويستعرض كونراد ميشيل كيف بات الذكاء الاصطناعي لاعبًا مؤثرًا في هذا المجال، بما يحمله من فرص واعدة ومخاطر مقلقة في آنٍ واحد.
عندما لا يطرق المعرضون للخطر أبواب العيادات
رغم أن آلاف الأشخاص المعرّضين لخطر الانتحار لا يلجؤون إلى طلب مساعدة مهنية، فإنهم نادرًا ما يواجهون معاناتهم في صمت كامل. فالإنترنت أصبح الملاذ الأول للبحث عن الفهم والنصيحة، لما يتيحه من خصوصية وتخفٍّ عن الأعين، وتجنّب للوصم الاجتماعي أو الخوف من أحكام الآخرين أو من تجارب سلبية سابقة مع أنظمة الرعاية الصحية.
وتشير دراسات أمريكية إلى أن الغالبية العظمى من الأشخاص الذين نُقلوا إلى المستشفيات بسبب أفكار أو سلوكيات انتحارية كانوا قد بحثوا عبر الإنترنت عن المساعدة قبل ذلك، سواء لمعرفة طرق الوصول إلى خدمات علاجية، أو—وهنا تكمن الخطورة—للاطلاع على وسائل الانتحار نفسها. هذه الازدواجية تجعل الفضاء الرقمي ساحة شديدة الحساسية، يمكن أن تكون باب نجاة أو منحدرًا نحو الخطر.
ChatGPT كمساحة اعتراف جديدة
في السنوات الأخيرة، بدأ عدد متزايد من الشباب الذين يعانون من ضغوط نفسية حادة في الحديث مع روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها ChatGPT. ويوفّر هذا النوع من التفاعل مساحة يشعر فيها المستخدم بالأمان، حيث يمكنه التعبير عن مشاعر اليأس والألم دون خوف من عواقب اجتماعية أو تدخلات قسرية.
وتفيد تقارير OpenAI بأن أكثر من مليون شخص أسبوعيًا يناقشون موضوع الانتحار مع ChatGPT. هذا الرقم وحده يكشف حجم التحوّل: الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة تقنية محايدة، بل أصبح طرفًا حاضرًا في لحظات إنسانية شديدة الخطورة.
غير أن هذه المساحة الآمنة ليست خالية من الإشكاليات. فقد كشفت تقارير صحفية، من بينها تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز، عن حالات استطاع فيها مستخدمون—منهم مراهقون—التحايل على آليات الأمان في ChatGPT، عبر تغيير سياق الأسئلة أو الادعاء بأنها لأغراض قصصية أو خيالية، ما أدى في بعض الأحيان إلى تلقي ردود غير مناسبة وخطيرة.
هشاشة أنظمة الأمان في الذكاء الاصطناعي
رغم أن معظم روبوتات الدردشة الحديثة مُصمَّمة لرصد نوايا إيذاء النفس أو الآخرين وتفعيل استجابات وقائية، فإن الأبحاث تُظهر أن هذه الضمانات ليست محكمة. فبمجرد تعديل المستخدم لسياق السؤال، قد تتعطّل آليات الحماية، ويُقدَّم محتوى كان يفترض منعه.
وتؤكد OpenAI أنها عملت مع مئات الخبراء في الصحة النفسية لتحسين استجابات ChatGPT، وأن الإصدارات الأحدث باتت أكثر قدرة على تشجيع المستخدمين على طلب المساعدة وتوجيههم إلى موارد حقيقية في بلدانهم. لكن هذا لا يلغي الحاجة إلى مساءلة أوسع حول حدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مواقف تتعلق بالحياة والموت.
ويقترح باحثون مختصون عدة خطوات أساسية لتحسين الوضع، من بينها: تعميق الشراكات البحثية مع خبراء الوقاية من الانتحار، وإشراك مختصي الصحة النفسية في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي، ووضع أطر تنظيمية واضحة لاستخدام هذه التقنيات، إضافة إلى تتبّع آثارها الفعلية لمعرفة من تستفيد منها ومن قد تتضرر بسببها.
وسائل التواصل الاجتماعي: الخطر الأكبر
إذا كان دور ChatGPT ملتبسًا، فإن الوضع في منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك يبدو أكثر إشكالية. فآليات التوصية الخوارزمية قد تُغرق المستخدم—خصوصًا المراهقين—في دوامات متكررة من المحتوى المرتبط بالاكتئاب وإيذاء النفس والانتحار، في نمط تعزيزي يوصف أحيانًا بأنه «إدماني».
وقد أظهرت تحقيقات لمنظمات حقوقية أن حسابات تحاكي مراهقين صغار السن تتعرض خلال وقت قصير لمحتوى يروّج أو يطبع أو حتى يُجمّل فكرة الانتحار. ورغم تعهدات الشركات بحماية المستخدمين الشباب، تشير هذه التقارير إلى فجوة واسعة بين الخطاب المعلن والواقع الفعلي.
وليس من قبيل المصادفة أن تتحرك دول أوروبية حاليًا لفرض التزامات قانونية أكثر صرامة على منصات التواصل الاجتماعي، في إطار قوانين مثل «قانون الخدمات الرقمية» للاتحاد الأوروبي، الذي يحمّل الشركات مسؤولية تقليل المخاطر المنهجية التي تهدد حقوق الأطفال وصحتهم النفسية.
أفق مختلف: التدخلات الرقمية الموجَّهة ذاتيًا
ورغم هذه التحديات، لا يخلو المشهد من مسارات واعدة. فإقبال الشباب على استخدام التكنولوجيا في طلب الدعم النفسي يفتح المجال أمام تدخلات رقمية مصممة بعناية، تقوم على أسس علاجية راسخة، وتُدار تحت إشراف متخصصين.
وتشمل هذه التدخلات تطبيقات ومواقع وبرامج دعم تتيح تواصلًا إنسانيًا حقيقيًا—عبر الرسائل أو الهاتف أو البريد الإلكتروني—مع الحفاظ على الخصوصية والاستقلالية. وغالبًا ما تستند هذه النماذج إلى العلاج السلوكي المعرفي، وتقدّم تثقيفًا نفسيًا واستراتيجيات للتكيّف، مع تشجيع المستخدمين على التواصل مع خدمات مختصة عند الحاجة.
وتُظهر تحليلات علمية واسعة أن هذه التدخلات الرقمية قادرة على تقليل الأفكار الانتحارية بفاعلية تقارب فاعلية العلاج التقليدي وجهًا لوجه. غير أن التحدي الأكبر يظل في جذب الأشخاص المعرضين للخطر وسط الضجيج الهائل للمحتوى الرقمي، والحفاظ على استمرارية تواصلهم.
بين الوعد والمسؤولية
الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية ليسا شرًا في حد ذاتهما، ولا حلًا سحريًا أيضًا. إنهما أدوات قوية، يمكن أن تُنقذ أرواحًا إذا أُحسن تصميمها وتنظيمها، أو تُفاقم المعاناة إذا تُركت دون مساءلة. وفي قضايا بحساسية الانتحار، لا يكفي أن تكون النية حسنة أو التقنية متقدمة؛ بل لا بد من حكمة أخلاقية، ورقابة علمية، وإدراك عميق لتعقيد التجربة الإنسانية.
