القائمة الرئيسية

التواصل العلمي المسؤول كرافعة لبناء الثقة في التكنولوجيا

التواصل العلمي المسؤول كرافعة لبناء الثقة في التكنولوجيا
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة أهمية التواصل العلمي المسؤول بوصفه عاملاً حاسماً في بناء الثقة في التقنيات الناشئة مثل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، محذّرة من مخاطر التهويل وسوء الفهم الناتج عن السرديات المضللة والاستعارات المبسّطة. وتوضح كيف أن تصوير البيانات والذكاء الاصطناعي ككيانات محايدة أو شبه بشرية يخفي التحيزات، والقيود، والدور البشري، ويصرف الانتباه عن المخاطر الفعلية والآنية، مثل تعميق عدم المساواة الاجتماعية. كما تقدّم المقالة إطاراً عملياً يدعو المؤسسات إلى اعتماد الشفافية، والوضوح، والحوار، والتعددية التخصصية، والتحسين المستمر، من أجل تواصل علمي أكثر دقة وشمولاً يدعم الابتكار المسؤول والديمقراطي.

باختصار
يُعدّ التواصل العلمي المسؤول أساسياً لنقل المعرفة العلمية بدقة وبناء الثقة في التقنيات الناشئة مثل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.
إن سوء الفهم والمبالغة في الحديث عن التطورات التكنولوجية قد يؤديان إلى التباس وإعاقة التقدم.
ولبناء مستقبل تكنولوجي أكثر شفافية، ينبغي على المؤسسات التواصل بشكل أكبر مع الجمهور حول العلوم، وبطرق تعكس بدقة قدرات التقنيات الناشئة وحدودها.

في عصر يشهد تسارعاً غير مسبوق في التقدم العلمي والاختراقات التكنولوجية، يصبح التواصل العلمي المسؤول أمراً بالغ الأهمية. فهو يساهم في تبسيط المفاهيم العلمية، وتعزيز الثقافة العلمية، وبناء الثقة في الابتكار، ودعم اتخاذ القرارات المستنيرة.

إن الغموض وسوء الصياغة في طريقة حديثنا عن الابتكارات العلمية أو التكنولوجية الجديدة قد يؤديان إلى سوء فهم أو تفسيرات خاطئة، بل وحتى إلى نشر معلومات مضللة. لذلك، يُعدّ التواصل المسؤول حول الابتكار العلمي أمراً حيوياً لضمان أن تكون المعرفة متاحة ومفهومة من قبل المؤسسات والحكومات والجمهور على حد سواء.


الحاجة إلى حوار أكثر مسؤولية حول حدود البيانات

إن البيانات الخام غير المعالجة لا تحمل قيمة أو معنى مباشراً. ولا تكتسب البيانات قيمتها إلا عندما تتم معالجتها وتفسيرها باستخدام أدوات تحليلية وخوارزميات. ومع ذلك، كثيراً ما نواجه في الخطاب السائد حول “البيانات الضخمة” استعارات تشبّه البيانات بالموارد الطبيعية مثل النفط أو الذهب، إلى جانب لغة مستوحاة من الطبيعة مثل “طوفان البيانات” أو “بحيرة البيانات”. تشكّل هذه الأساليب السردية ما يُعرف بالرواية المهيمنة حول البيانات الضخمة، وتسهم في تغذية دائرة إشكالية من المبالغة والتهويل. كما أنها ترسّخ فكرة أن البيانات انعكاس محايد وموضوعي للواقع يتم جمعه، لا بناؤه.

إضافة إلى ذلك، تقلّل هذه الروايات من شأن الجهد البشري اللازم لإنتاج رؤى ذات قيمة تجارية عبر مختلف مراحل دورة حياة البيانات. ويتمثل هذا العمل في مساهمات المهندسين والمطورين، إضافة إلى العاملين في مهام إثراء البيانات مثل وسم البيانات، والنسخ، والإشراف على المحتوى، وغالباً ما يتم ذلك مقابل أجور متدنية.

على سبيل المثال، كُلِّف عمّال بيانات في كينيا بمراجعة عدد هائل من النصوص التي تتضمن مشاهد عنف شديد، وإيذاءً جنسياً، وإيذاءً للنفس، بهدف تدريب مرشحات السلامة في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، مقابل أجر يقل عن دولارين في الساعة.

إن تصوير البيانات على أنها موضوعية، وإقصاء الدور البشري في دورة حياتها، يؤدي إلى تجاهل التحيزات والافتراضات والقيود وهياكل القوة التي تكون بالضرورة متجذرة في البيانات. فكل قرار، مثل تحديد نوع البيانات التي يتم جمعها، أو المتغيرات التي تُقاس، أو كيفية تفسير البيانات وتحليلها، ينطوي على قدر من الذاتية. ويمكن لهذه الخيارات أن تؤثر بشكل كبير على النتائج والاستنتاجات المستخلصة من البيانات في التطبيقات اللاحقة عبر التحليلات والتعلم الآلي. كما يجب الاعتراف بأن مجموعات البيانات ليست شاملة بطبيعتها، ولا يمكنها تمثيل التعقيد الكامل للواقع، بل تظل تجريداً وتبسيطاً له.

ومن خلال الاعتراف بقيود جمع البيانات وتحليلها، يمكننا تعزيز حوار أكثر مسؤولية حول البيانات وقيمتها بوصفها وسيلة للمعرفة. ففهم أن البيانات وحدها لا تضمن الدقة أو الشمول أو الموضوعية أمر بالغ الأهمية، إذ إنها تعكس تحيزات وقيود أساليب جمعها، والخوارزميات المستخدمة لمعالجتها، والتشابك الكثيف بين هياكل السلطة والبنى الاجتماعية التي تقوم عليها منظومة التكنولوجيا.


ينبغي أن تركز السرديات حول الذكاء الاصطناعي أكثر على المخاطر الآنية

قلة من الابتكارات التكنولوجية أسرت خيال البشر كما فعل الذكاء الاصطناعي. ومثل البيانات الضخمة، أصبح الذكاء الاصطناعي ساحة مركزية للتواصل العلمي المسؤول بسبب الفجوة بين التصورات الشائعة والواقع المعقّد. وغالباً ما يُصوَّر الذكاء الاصطناعي في الخطاب العام ووسائل الإعلام على غرار أفلام الخيال العلمي، مثل “المدمّر” و“بليد رانر” و“إكس ماكينا”. ورغم ما تحمله هذه الصور من قيمة إبداعية، فإن استيرادها إلى النقاشات التكنولوجية يثير إشكاليات عدة.

أولاً، تُرسّخ هذه السرديات فكرة أن الخطر الأكبر المرتبط بالذكاء الاصطناعي يتمثل في احتمال انقراض البشرية. ويمكن العثور على أمثلة لهذا الخطاب في البيان الصادر عن “مركز سلامة الذكاء الاصطناعي”، والموقّع من أكاديميين وقادة بارزين في قطاع التكنولوجيا، من بينهم سام ألتمان وبيل غيتس، وكذلك في محاضرة “مركز التكنولوجيا الإنسانية” بعنوان “معضلة الذكاء الاصطناعي”. ومن الأمثلة على ذلك الادعاء الذي شاع العام الماضي بأن نصف باحثي الذكاء الاصطناعي يعتقدون بوجود احتمال بنسبة 10% أو أكثر لانقراض البشر نتيجة فقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي. في الواقع، استند هذا “الإحصاء” إلى استطلاع شمل 162 باحثاً فقط، وهو عدد لا يمثل عينة كافية أو شاملة. وتؤدي هذه التمثيلات المبالغ فيها لمخاطر الذكاء الاصطناعي إلى طمس المخاطر الأكثر إلحاحاً، مثل قدرته على تعميق أوجه عدم المساواة الاجتماعية، مقارنة بسيناريو الانقراض الشامل غير المرجّح.

ولا يقتصر التواصل على النصوص فقط. فإلى جانب السرديات النصية حول الذكاء الاصطناعي، هناك نقص واضح في الصور الدقيقة والشاملة التي تمثّل هذا المجال. وقد أطلقت مبادرة “صور أفضل للذكاء الاصطناعي”، وهي تعاون غير ربحي أسسته تانيا دوارتي بالشراكة مع فنانين ومستشارين، مكتبة صور تقدّم تصورات مسؤولة للذكاء الاصطناعي، بدءاً من عمال وسم البيانات وصولاً إلى مكوّنات السيليكون. والصورة الرئيسية في هذا المقال مثال من هذه المكتبة، صممتها Clarote وAI4Media.

وفي حديثها عن هذا العمل، تقول تانيا:
“إن معظم الصور المتاحة في مكتبات الصور، والتي تُستخدم على نطاق واسع لتوضيح الذكاء الاصطناعي، تحتوي على عدد محدود من الرموز المستوحاة من الخيال العلمي، يتم تكرارها بشكل دائري ولا تمتّ بصلة حقيقية للموضوع. فالأدمغة المتوهجة تساوي بين الآلة والذكاء مباشرة؛ وتُظهر الأبحاث أن هيمنة الخلفيات الزرقاء تجعل الصور بعيدة ومغتربة وحتمية؛ ونرى أيدي رجال بيض يرتدون بدلات رسمية يحملون صوراً ثلاثية الأبعاد، بدلاً من تمثيل العدد الهائل من الأشخاص حول العالم المشاركين في تدريب النماذج المبنية من مواد حقيقية وذات أثر واقعي؛ كما أن الروبوتات الخيالية البيضاء ذات الوجوه القوقازية تكرّس تصورات غربية واستعمارية عن الذكاء، وتوحي بمستويات بشرية من السلوك والأداء، وتخفي الدور البشري الحقيقي وراء التكنولوجيا. لقد كان عملنا في تمكين الثقافة العامة حول الذكاء الاصطناعي تحدياً لا يقتصر على شرح ما هي هذه التكنولوجيا، بل أيضاً ما ليست عليه، فإلى أن يتم فهمها بشكل أفضل، لا يمكن أن يتحقق نقاش شامل وفاعل، وهو أمر أساسي للديمقراطية.”

ثانياً، إن إضفاء سمات بشرية على تقنيات الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى تضخيم قدراتها وإضفاء طابع مثير عليها. فمن الناحية النظرية، يشير الذكاء الاصطناعي العام، أو القوي، إلى مستوى من الذكاء يماثل الذكاء البشري عبر مجالات متعددة، لكنه لا يزال تحدياً بحثياً، إذ لم يصل أي نظام حالي إلى هذا المستوى من التعقيد. وعلى النقيض، صُمم الذكاء الاصطناعي الضيق أو الضعيف لأداء مهام محددة، مثل التعرّف على الوجوه، باستخدام تقنيات كالتعلم الآلي ضمن سياق محدود.

وتطمس النماذج الأساسية، مثل GPT-4، الحدود بين الذكاء الاصطناعي العام والضيق، نظراً لإمكانية استخدامها على نطاق واسع دون تخصيصها لمهمة بعينها، وهو ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي ذي الغرض العام، دون أن يرقى إلى مستوى الذكاء الاصطناعي العام الحقيقي. وكما جاء في ورقة علمية لافتة لبيندر وآخرين عام 2021:
“على عكس ما قد يبدو عند ملاحظة مخرجاته، فإن نموذج اللغة هو نظام يقوم بتركيب متسلسل وعشوائي نسبياً لأشكال لغوية سبق أن شاهدها في بيانات تدريبه الضخمة، استناداً إلى معلومات احتمالية حول كيفية ترابطها، ولكن دون أي إحالة إلى المعنى: إنه ببساطة ببغاء احتمالي.”

وأخيراً، فإن تصوير الذكاء الاصطناعي على أنه كيان واعٍ أو روبوت مستقل يصرف الانتباه عن المساءلة الحقيقية للبشر المشاركين في تطوير هذه التقنيات واتخاذ القرارات المتعلقة بها. ويؤدي هذا التصوير إلى إبعاد التركيز عن الدور الجوهري الذي يلعبه المبرمجون والمصممون والمطوّرون في تشكيل نتائج التكنولوجيا وأبعادها الأخلاقية.


كيف يمكن لقادة الابتكار ممارسة تواصل علمي مسؤول

كيف يمكننا عملياً إعادة توجيه النقاشات لتصبح أكثر دقة وعمقاً ومسؤولية؟ كنقطة انطلاق، حددنا خمس خطوات أساسية للابتكار بنزاهة:

الشفافية: ينبغي على المؤسسات التواصل بصراحة حول الفوائد المحتملة والمخاطر وحالات عدم اليقين المرتبطة بالتقنيات الناشئة، بما يعزز الثقة ويدير تصورات الجمهور. وكما يشير سيتياوان وبيسيلمان (2023)، لا تعني الشفافية الكشف عن الأسرار التجارية، بل قد تشمل الإفصاح عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي أو التطبيقات المقصودة للنماذج.

الوضوح: يجب على المؤسسات تجنب المصطلحات المعقدة وتبسيط اللغة لضمان الشمولية. ويشير بولوك وآخرون (2019) إلى أن هذا النهج يساعد في تقليص فجوة المعرفة، ويعزز فهم الجمهور ودعمه للتكنولوجيا من خلال تقليل المقاومة وإدراك المخاطر.

التأمل والاستجابة: ينبغي على المؤسسات الإصغاء بفاعلية لمخاوف الجمهور وأصحاب المصلحة والتفاعل معها، بما يخلق حواراً حقيقياً. ويعني ذلك تقدير مدخلات الجمهور بما يتجاوز الطابع الشكلي، وضمان معالجة الأسئلة والمخاوف بجدية.

التعددية التخصصية: لتحسين التواصل العلمي، يجب على المؤسسات التعاون مع خبراء من مجالات متعددة، مثل العلوم والتكنولوجيا والأخلاقيات والسياسات العامة. ويعكس هذا النهج إدراك الأثر الواسع للتكنولوجيا، والحاجة إلى رؤى تتجاوز البعد التقني وحده.

التحسين المستمر: يتعيّن على المؤسسات تقييم استراتيجيات التواصل بانتظام، ودمج التغذية الراجعة، وإجراء التعديلات اللازمة لتعزيز فعاليتها.

في عالم التكنولوجيا المتغير باستمرار، يشكّل التواصل العلمي المسؤول محفزاً أساسياً لاتخاذ قرارات واعية وابتكار مسؤول. ومع مواجهة المؤسسات والحكومات والجمهور للفرص والتحديات التي تفرضها التقنيات الناشئة، يصبح التواصل الشفاف حول آثارها أمراً حاسماً. ومن خلال الالتزام بالشفافية والوضوح والتأمل والتعددية التخصصية والتحسين المستمر، يمكن للمؤسسات أن تبتكر بنزاهة وتبني ثقة مستدامة في التكنولوجيا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس آراء المؤلفين ولا تمثل بالضرورة آراء مؤسسة EY العالمية أو الشركات الأعضاء فيها.

المصدر

مقالات ذات صلة