ملخص: يستعرض المقال التحديات التي تواجه عادة القراءة اليوم، مؤكّدًا أن ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي يأتي في وقت يتراجع فيه اهتمام الأطفال والبالغين بالقراءة للمتعة، حيث انخفضت نسبة القراء في الولايات المتحدة وأوروبا بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة. ويشير المقال إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تلخيص وتحليل الكتب والمقالات نيابة عن القارئ، ما يسهل الوصول إلى المعلومات بسرعة، لكنه يقلل من الجهد الشخصي في القراءة، ويحدّ من النمو الفكري والتجربة العاطفية التي توفرها متابعة الشخصيات والسرد الروائي. كما يحذّر من أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات قد يضعف مهارات التحليل النقدي والتفكير المستقل، ويقلل من متعة القراءة نفسها، رغم الإغراء الذي تقدمه الكفاءة والملاءمة التي توفرها التكنولوجيا.
تشهد القراءة اليوم عاصفة مثالية من التحديات. فقد ظهر الذكاء الاصطناعي في وقت كان فيه كل من الأطفال والبالغين يقضون بالفعل وقتًا أقل في قراءة الكتب مقارنة بما كان عليه الحال قبل سنوات قليلة. وأظهرت دراسة جديدة أن الأمريكيين يقللون من القراءة للمتعة بنسبة 40٪ منذ أوائل القرن الحادي والعشرين.
كباحث في علم اللغة، أدرس كيف تؤثر التكنولوجيا على طرق قراءة الناس وكتابتها وتفكيرهم. ويشمل ذلك تأثير الذكاء الاصطناعي، الذي يغير جذريًا طريقة تفاعل الناس مع الكتب والنصوص الأخرى، سواء كانت مقررة دراسيًا، أو مستخدمة في البحث العلمي، أو مجرد قراءة للمتعة. وأنا أشعر بالقلق من أن الذكاء الاصطناعي يسرع عملية تقليل قيمة القراءة كجهد إنساني وكنشاط شخصي مهم.
القراءة باتت كل شيء عدا الكتاب نفسه
لقد حظيت مهارات الذكاء الاصطناعي في الكتابة بالكثير من الاهتمام، لكن الباحثين والمعلمين بدأوا مؤخرًا فقط في مناقشة قدرة الذكاء الاصطناعي على “قراءة” مجموعات ضخمة من البيانات قبل أن ينتج ملخصات أو تحليلات أو مقارنات للكتب والمقالات.
على سبيل المثال، إذا كنت بحاجة لقراءة رواية للفصل الدراسي، يمكنك اليوم الاكتفاء بملخص تولده أدوات الذكاء الاصطناعي يحتوي على الحبكة والموضوعات الرئيسة. هذا النوع من البدائل يقلل من دافع الطلاب للقراءة بأنفسهم، وهو ما دفعني لكتابة كتاب عن إيجابيات وسلبيات السماح للذكاء الاصطناعي بالقيام بالقراءة نيابة عنا.
ليس تفويض الآخرين بتلخيص أو تحليل النصوص أمرًا جديدًا؛ فخدمة "CliffsNotes" تعود إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي. قبلها بقرون، كانت الجمعية الملكية في لندن تنتج ملخصات للأوراق العلمية المنشورة في مجلداتها الكبيرة "المعاملات الفلسفية". وبحلول منتصف القرن العشرين، أصبحت الملخصات جزءًا لا غنى عنه في المقالات الأكاديمية، حيث يمكن للقراء الاطلاع على الملخص قبل أن يقرروا قراءة النص بالكامل.
مع ظهور الإنترنت، ظهرت طرق جديدة للاختصار في القراءة، مثل تطبيق Blinkist الذي يقدم ملخصات للكتب غير الخيالية في حوالي 15 دقيقة، سواء نصيًا أو صوتيًا.
لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي رفع هذه البدائل إلى مستوى جديد. فالتطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل BooksAI توفر ملخصات وتحليلات كان البشر ينجزونها سابقًا، بينما يتيح لك BookAI.chat "الدردشة" مع الكتب نفسها، دون الحاجة لقراءتها بنفسك.
إذا كنت طالبًا مطلوب منك مقارنة رواية مارك توين "مغامرات هاكلبيري فين" برواية ج. د. سالينجر "الحارس في حقل الشوفان"، فإن ملخصات CliffsNotes لن تكفيك. قد تقرأ الملخصين، لكن المقارنة والتحليل تحتاج لجهدك الشخصي. أما مع نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة أو أدوات متخصصة مثل Google NotebookLM، فيمكن للذكاء الاصطناعي القيام بالقراءة والتحليل والمقارنة نيابة عنك، بل ويقترح أسئلة ذكية للنقاش في الفصل.
لكن الخطر هنا واضح: تفقد تجربة أساسية من قراءة رواية عن مرحلة النضج، وهي النمو الشخصي الذي يأتي من متابعة صراعات الشخصيات واختباراتها الحياتية بشكل غير مباشر.
في البحث الأكاديمي، توفر أدوات مثل SciSpace وElicit وConsensus إمكانات هائلة، حيث تجمع بين قوة محركات البحث والنماذج اللغوية الكبيرة لتحديد المقالات ذات الصلة، ثم تلخصها وتستخلصها، مما يقلل كثيرًا من الوقت المطلوب لإجراء مراجعات الأدبيات. على موقعها، تتباهى خدمة ScienceDirect AI: "وداعًا للوقت الضائع في القراءة، ومرحبًا بالملاءمة." لكن ما يغيب هنا هو القدرة على الحكم الشخصي على أهمية المادة وربط الأفكار بشكل مستقل.
القراءة في تراجع مستمر
حتى قبل انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي، كانت عادة القراءة في تراجع. في الولايات المتحدة، أظهر التقييم الوطني للتقدم التعليمي أن نسبة طلاب الصف الرابع الذين يقرؤون للمتعة يوميًا تقريبًا انخفضت من 53٪ في 1984 إلى 39٪ في 2022، بينما تراجعت نسبة طلاب الصف الثامن من 35٪ في 1984 إلى 14٪ في 2023.
وفي المملكة المتحدة، كشف مسح صندوق القراءة الوطني لعام 2024 أن واحدًا فقط من بين ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و18 عامًا يستمتع بالقراءة في أوقات فراغه، بانخفاض يقارب 9 نقاط مئوية عن العام السابق. وحتى بين الطلاب الأكبر سنًا، يقرأ نحو نصفهم فقط عند الحاجة.
الوضع ليس أفضل لدى البالغين؛ ففي أمريكا قرأ 54٪ فقط من البالغين كتابًا واحدًا على الأقل في 2023، بينما في كوريا الجنوبية انخفض الرقم إلى 43٪، مقارنةً بـ 87٪ في 1994. وفي المملكة المتحدة، حدد 35٪ من البالغين أنفسهم كـ "قراء متوقفين"، و26٪ منهم أرجعوا سبب التوقف إلى قضاء وقت طويل على وسائل التواصل الاجتماعي.
اليوم، قد يشمل مصطلح "القراء المتوقفون" أي شخص يقلل من أولوية القراءة، سواء بسبب فقدان الاهتمام، أو الانشغال بالهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، أو السماح للذكاء الاصطناعي بالقراءة نيابة عنه.
كل ما نفقده عند التوقف عن القراءة
لماذا نقرأ أصلاً؟ الأسباب عديدة: القراءة للمتعة، تخفيف التوتر، التعلم، تطوير الذات، وربط القراءة بنمو الدماغ عند الأطفال، وزيادة السعادة وطول العمر، وإبطاء التدهور العقلي.
هذه الفوائد تصبح أكثر أهمية في عصر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي للقيام بالعمليات الذهنية نيابة عننا، وهي عملية تعرف بـ "التفريغ المعرفي". أظهرت الأبحاث أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى شعور أقل باستخدام قدراتنا العقلية بأنفسنا. وقد أظهرت دراسة قياسات EEG اختلافات في أنماط اتصال الدماغ عند الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لكتابة مقال مقارنة بالكتابة اليدوية.
على الرغم من أن تأثير الذكاء الاصطناعي على قدرتنا طويلة المدى على التفكير المستقل غير واضح بعد، فإن فقدان ممارسة القراءة والتحليل وصياغة التفسيرات الشخصية يهدد ضعف هذه المهارات.
كما أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي يقلل من متعة القراءة نفسها: الاستمتاع بحوار مؤثر، التلذذ بأسلوب الكاتب، أو التواصل مع الشخصيات.
إغراء الكفاءة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي كبير، لكنه قد يقوض الفوائد العميقة للقراءة والوعي المعرفي.
وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن القراءة للمتعة بين الأمريكيين انخفضت بنسبة 40٪ منذ أوائل القرن الحادي والعشرين.
