ملخص: يطرح المقال مفهوم الابتكار الحر الذي يقوده المرضى بوصفه استجابة عملية لفشل السوق والتنظيمات في تلبية احتياجات طبية ملحّة، موضحًا كيف أصبح المرضى قادرين—بفضل التقنيات الرقمية والمجتمعات المفتوحة—على تطوير حلول طبية متقدمة بأنفسهم، مثل أنظمة البنكرياس الصناعي المفتوحة لمرضى السكري ومنصة Crohnology لمرضى داء كرون. ويبيّن المقال أن هذه الابتكارات، التي تُنشر غالبًا مجانًا وبصيغة مفتوحة المصدر، تحقق فوائد مباشرة للمرضى، وتشكّل في الوقت ذاته مصدر بحث وتطوير غير مدفوع للشركات. كما يناقش التحديات القانونية والتنظيمية والأخلاقية المرتبطة بسلامة ابتكارات المرضى، مؤكدًا أن مخاطرها يجب أن تُقارن بأضرار غياب الحلول التجارية. ويخلص إلى أن مستقبل الرعاية الصحية سيشهد توسعًا متزايدًا في هذا النمط من الابتكار، داعيًا إلى دعمه عبر تجارب سريرية منخفضة التكلفة، ومنصات انتشار مفتوحة، وتكاملٍ أذكى بين ابتكار المرضى والأنظمة الطبية التجارية، بما يحقق قيمة صحية واجتماعية أوسع.
هارولد دي مونـاكو، وبيدرو أوليفيرا، وأندرو تورانس، وكريستيانا فون هيبل، وإريك فون هيبل
أصبح المرضى قادرين بشكل متزايد على ابتكار وتطوير أجهزة وخدمات طبية متقدمة تلبي احتياجاتهم الخاصة، وغالبًا دون أي مساعدة من الشركات المنتجة أو الموزعة للمنتجات الطبية. إن عملية الابتكار “الحرة” هذه، التي يقودها المرضى أنفسهم، تتيح لهم الاستفادة من تطورات مهمة لا تتوافر تجاريًّا. كما أن ابتكارات المرضى يمكن أن تعود بالفائدة أيضًا على الشركات التي تنتج وتبيع الأجهزة والخدمات الطبية؛ إذ يمكن أن تشكل جهود المرضى الذاتية في هذا المجال بحثًا وتطويرًا مجانيًّا (R&D) يُثري ويعزز جهود التطوير الداخلية لتلك الشركات.
في هذا المقال، سنستعرض مثالين على الابتكار الحر في المجال الطبي؛ أحدهما لإدارة مرض السكري من النوع الأول، والآخر لإدارة داء كرون. وسنضع هذين المثالين ضمن سياق حركة الابتكار الحر الأوسع التي تكتسب زخمًا في العديد من الصناعات¹، وسنطبق الدروس العامة المستخلصة من الابتكار الحر على الظروف الخاصة للابتكار الطبي الذي يقوده المرضى.
المثال الأول: إدارة مرض السكري من النوع الأول
في عام 2013م، تعاونت دانا لويس، وهي متخصّصة في مجال الاتصال الصحي في العشرينيات من عمرها، مع مهندس برمجيات وعدد من الأشخاص المصابين بالسكري من النوع الأول، لتطوير ما وعدت به صناعة الأجهزة الطبية منذ عقود؛ بنكرياس صناعي (Artificial Pancreas). كمرضى، سعوا لحل مشكلة انخفاض مستويات السكر في الدم أثناء الليل، وهي حالة شائعة قد تكون قاتلة. أرادوا تصميم نظام يراقب تلقائيًّا مستويات السكر في الدم كل بضع دقائق ويضبط جرعة الإنسولين بالشكل المناسب للحفاظ على المستويات الصحية.
وخلال أشهر، صممت لويس وزملاؤها بنكرياسًا صناعيًّا يستخدم شيفرة حاسوبية قاموا بكتابتها بأنفسهم، بالإضافة إلى أجهزة جاهزة متوفرة في الأسواق، لربط أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمر (Continuous Glucose Monitors) بمضخات الإنسولين التجارية. وقد حسّن هذا الجهاز بشكل كبير قدرة لويس على إدارة مستويات السكر في دمها. قررت هي وزملاؤها إتاحة التصميم للآخرين عبر الإنترنت، وجعلوا برنامجهم مفتوح المصدر (Open Source). وهكذا نشأت حركة نظام البنكرياس الصناعي المفتوح (Open Artificial Pancreas System – OpenAPS)². واليوم، تشارك عدة مجتمعات في هذه الحركة، ويتم تداول عدة تصاميم غير تجارية لأنظمة البنكرياس الصناعي التي يصنعها المرضى بأنفسهم (DIY)، ويستخدم آلاف المصابين بالسكري هذه الأنظمة يوميًّا لمراقبة صحتهم وإدارتها وتحسينها.
المثال الثاني: إدارة داء كرون
شون أهرينز، خريج علوم الحاسوب والأعمال من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، شعر بالإحباط في أوائل العشرينيات من عمره بسبب عدم توافر معلومات طبية مفصلة حول كيفية تقليل نوبات داء كرون المنهكة. وبرغم وجود عدة علاجات دوائية للمرض، فإنها جميعها تحمل سمّية كبيرة، ولا يوجد علاج فاعل يناسب جميع المرضى. ونتيجة لذلك، حاول كثيرون إدارة أعراضهم والتقليل منها من خلال اختياراتهم الغذائية. ولسد هذه الفجوة، أنشأ أهرينز، الذي تم تشخيص إصابته بداء كرون وهو في الثانية عشرة من عمره، موقعًا إلكترونيًّا في عام 2011م باسم “كرونولوجي” (Crohnology)، حيث دُعي المرضى الآخرون لمشاركة تجاربهم حول التدخلات والنتائج عبر استبيان إلكتروني. وقام الموقع بتجميع البيانات بحيث يستطيع الجميع رؤية العوامل التي وجدها الآخرون مفيدة أو ضارة³. واليوم، يضم الموقع أكثر من عشرة آلاف مستخدم مسجل. وأصبح مرضى كرون حول العالم يعدّون هذه المعلومات لا تقدر بثمن لإدارة مرضهم المزمن.
الممارسة العامة للابتكار الحر من قبل المستهلكين
اللافت في هذين المثالين أن منتجي الأجهزة الطبية التجاريين ونظام الرعاية السريرية لم يقدموا حلًّا كان المرضى في أمسّ الحاجة إليه. لقد تقدم المرضى الدافعون بأنفسهم لتطوير حلول تلبي احتياجاتهم، دون أي دعم تجاري⁴.
الابتكار الحر في المجال الطبي يتبع النمط العام الذي لوحظ في العديد من المجالات الأخرى، مثل الحِرَف، والسلع الرياضية، ومعدات المنزل والحديقة، ومنتجات الحيوانات الأليفة، والملابس. وبفضل التقنية (technology)، ووسائل التواصل الاجتماعي (social media)، والرغبة الشديدة في إيجاد حلول تتوافق مع احتياجاتهم الخاصة، يقوم المستهلكون من شتى الأنواع بتصميم منتجات جديدة لأنفسهم (انظر “حول البحث”). يبتكر المستهلكون وينشرون ابتكاراتهم بطرق تختلف كثيرًا عن المنتجين، ومن المهم فهم هذه الفروقات (انظر “ابتكار المستهلك مقابل ابتكار المنتج”). بخلاف المنتجين التقليديين الذين يبدؤون بأبحاث السوق والتطوير والبحث (R&D)، يبدأ الابتكار الحر عندما يحدد المستهلكون شيئًا يحتاجونه أو يرغبون فيه ولا يتوفر في السوق. ولمعالجة ذلك، يستثمرون أموالهم وخبراتهم وأوقات فراغهم لإيجاد حل. وبدلًا من السعي لحماية تصاميمهم من المقلدين كما يفعل المبتكرون التجاريون، وجدنا أن أكثر من 90% من المبتكرين من المستهلكين يتيحون تصاميمهم للجميع مجانًا. علاوة على ذلك، يسمحون للآخرين باختبار التصميم الأولي وتحسينه، ثم يطرحون النسخة الجديدة مجانًا أيضًا. وعندما يكتمل تطوير التصميم، ينتشر بشكل أوسع، ما يسمح للمستهلكين بصنع نسخ غير تجارية لأنفسهم، ويسمح للمنتجين بتسويق هذه التصاميم دون الحاجة إلى ترخيصها من المبتكرين المستهلكين.
قد يتساءل بعضهم: لماذا يبذل الأفراد الوقت والمال في ابتكارات دون توقع الحصول على مقابل مالي لقاء عملهم أو تصاميمهم؟ الجواب بسيط: يجذب الابتكار المستهلكين بسبب الفوائد الشخصية، مثل فرصة استخدام ابتكاراتهم، والمتعة والتعلم الذي يكتسبونه من عملية تطويرها. كما يشعرون بالرضا عند مشاركة ابتكاراتهم مع أشخاص لديهم احتياجات مشابهة. وبعبارة أخرى، يكافئون أنفسهم بأنفسهم.
وعلى الرغم من اختلاف النموذجين الاستهلاكي والتجاري عن بعضهما، فإنهما متكاملان وليسا متعارضين. في الواقع، تظهر الأبحاث أن المستهلكين والمنتجين والمجتمع بشكل عام يستفيدون أكثر عندما يتم استخدام النموذجين معًا في آن واحد. يمكن للمنتجين الاستفادة من ابتكار المستهلكين من خلال تبني تصاميم المنتجات التي طورها واختبرها المستهلكون مجانًا، كما يستفيد المستهلكون من الوحدات التي يطورها المنتجون لمشاريع “افعلها بنفسك” (DIY) مثل الحواسيب الصغيرة Raspberry Pi (Raspberry Pi microcomputers)، وأيضًا من الابتكارات التي يطورها المنتجون لتلبية الاحتياجات العامة. وبالتأكيد، يستفيد المجتمع ككل عندما يركز المبتكرون من المستهلكين والمنتجين على ما يجيدونه بأعلى كفاءة.
تطبيق أفكار ابتكار المستهلك في مجال الرعاية الصحية
تُظهر الاستطلاعات أن تطوير الأجهزة الطبية من قبل المرضى يحدث على نطاق واسع؛ ففي استطلاعات وطنية تم إجراؤها بين عامي 2010م و2015م في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، واليابان، وفنلندا، وكندا، وكوريا الجنوبية، أفاد نحو مليون شخص بأنهم طوروا ابتكارات طبية لتلبية احتياجاتهم الخاصة خلال السنوات الثلاث التي سبقت الاستطلاعات. وعلى الرغم من أن الممارسات الأساسية التي يقوم عليها الابتكار الحر لدى المستهلكين تنطبق على مختلف القطاعات، فإن المبتكرين يجب أن يكيفوا ابتكاراتهم وفقًا لبيئاتهم الشخصية والسوقية. وفي حالة ابتكار المرضى، فإن أهم التعديلات تتعلق بضمان السلامة ودعم الانتشار المجاني. عندما يتوفر منتج طبي يلبي احتياجات المرضى في السوق، غالبًا ما يفضل المرضى شراء ذلك المنتج بدلًا من تطوير منتجهم الخاص أو نسخ تصميم مجاني من مريض آخر. لكن إذا لم يتوفر حل تجاري، وكانت الحاجة ملحة، يحاول كثيرون تصميم وبناء منتج خاص بهم. وما يحتاجه المرضى قد لا يكون مربحًا لإنتاجه لأسباب منها:
آلاف الأمراض النادرة تتسم بطابعها المزمن وصعوبتها على المرضى في إدارتها على المدى الطويل، ففي كثير من الحالات، تصيب هذه الأمراض عددًا قليلًا نسبيًّا من المرضى، وتمثل أسواقًا صغيرة للغاية بحيث لا تحقق للمُنتجين أرباحًا مجزية تبرر خدمتهم لها.
وغالبًا، حتى عندما يكون هناك عدد كبير من المرضى لديهم الحاجة ذاتها، لا يجد المُنتجون حافزًا كافيًا للابتكار؛ إذ لا تتوفر لهم وسيلة مناسبة لتحقيق أرباح من نوع الحل المطلوب. ويُعدُّ مرض كرون مثالًا على ذلك؛ فعلى الرغم من أهمية إدارة مرضى كرون لأعراضهم والتقليل منها عبر النظام الغذائي، فإن إقناع الشركات بالاستثمار في التجارب السريرية أمر بالغ الصعوبة، إذ يرغبون في استرداد التكاليف عبر منتجات غذائية محمية ببراءات اختراع أو وسائل أخرى مماثلة.
حتى وإن كان الابتكار قابلًا للحماية ومربحًا من الناحية المحتملة، فإن اللوائح المنظمة للتجارب السريرية غالبًا ما تجعل الحصول على الموافقات أمرًا مكلفًا وبطيئًا بالنسبة للمُنتجين. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة، يتطلب الحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء (Food and Drug Administration – FDA) لجهاز منخفض أو متوسط الخطورة مدةً متوسطة تبلغ عشرة أشهر. أما الموافقات على الأجهزة عالية الخطورة -مثل البنكرياس الصناعي (artificial pancreas)- فقد تستغرق ما بين أربع إلى خمس سنوات وتكلف خمسة وسبعين مليون دولار. وكما أوضح تاريخ تطوير البنكرياس الصناعي من قبل المرضى أنفسهم، فإن المبتكرين من المرضى (الذين تُعفى أنشطتهم غير التجارية من تنظيم إدارة الغذاء والدواء) قد يكون بمقدورهم تطوير وإنتاج شيء ما خلال أسابيع أو شهور، وبتكلفة زهيدة جدًّا.
إن واحدًا أو أكثر من هذه القيود قد يعيق توفير العديد من الأمور التي يحتاجها المرضى عبر القنوات التجارية. وهذا ما يجعل نظام الابتكار الحر من قبل المرضى موردًا حيويًّا يجب الاعتراف به ودعمه.
دعم ابتكار المرضى
يواجه المبتكرون المحتملون من المرضى أسئلة مهمة تتعلق بالشرعية والسلامة، ومستقبل ابتكار المرضى، وكيفية دعم نظام “افعلها بنفسك” (DIY) وتحسينه. نناقش هذه الأسئلة هنا.
هل يحق للمرضى قانونيًّا تطوير ونشر ابتكارات طبية من نوع “افعلها بنفسك”؟ تختلف القوانين المتعلقة بابتكارات المرضى من بلد لآخر، إلا أن العديد من الدول الغربية تتبع إرشادات متشابهة؛ ففي الولايات المتحدة، تُرسّخ حرية المرضى في الابتكار ضمن التقاليد القانونية للبلاد، فبموجب التعديل الرابع لدستور الولايات المتحدة، الذي يكفل الحق في الخصوصية، يجوز للمواطنين ابتكار حلول طبية في منازلهم واستخدامها على أنفسهم. وهذا الحق محفوظ سواء عدّ الآخرون الابتكار فاعلًا أم غير فاعل، أو عدّوا استخدامه حكيمًا أم غير حكيم. علاوة على ذلك، يحمي التعديل الأول حق حرية التعبير، وبذلك يحق للأفراد أن يعلنوا عن ابتكاراتهم للعالم وأن يشاركوا تفاصيل التصاميم واستخدامها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن بند التجارة (Commerce Clause) في الدستور الأمريكي، والقوانين الناظمة للوكالات الفيدرالية مثل إدارة الغذاء والدواء (FDA)، تقيد هذه الوكالات عن تنظيم الأنشطة غير التجارية.
هل ابتكار المرضى آمن؟ من المهم الإقرار بأن السلامة ليست مضمونة، فعلى سبيل المثال، قد يؤدي خطأ برمجي في تصميم بنكرياس صناعي إلى حسابات خاطئة وخطيرة في جرعة الإنسولين للمريض. ومع ذلك، فإن ما يخفف من هذا النوع من المخاطر هو أن ابتكارات المرضى الطبية نادرًا ما تقع في الفئة الأعلى من حيث الخطورة وفق تصنيف إدارة الغذاء والدواء.
حتى في الحالات التي توجد فيها مخاطر كبيرة على السلامة، نرى أنه سيكون من الخطأ أن تحد الحكومات من ابتكار المرضى، فهناك سببان وجيهان يدعوان إلى تشجيع ذلك:
أولًا، إن الطريقة المثلى لتقييم مخاطر ابتكار المرضى هي مقارنتها بالأضرار التي يتعرض لها المرضى حين لا تتوافر مثل هذه الابتكارات. لننظر مجددًا إلى البنكرياس الصناعي: ما إن أصبح من الممكن تقنيًّا تصنيعه، بات من الصعب تجاهل حقيقة أن غياب منتج تجاري معتمد من إدارة الغذاء والدواء أسهم في وفاة آلاف المصابين بالسكري من جراء نقص السكر في الدم، وتدهور جودة حياة آلاف آخرين من المصابين بالمرض.
بعبارة أخرى، عندما يبتكر المرضى حلولًا لمشكلات طبية لا توفر لها السوق التجارية حلولًا، قد نكتشف أن ابتكاراتهم تحقق مكاسب صافية في السلامة وجودة الحياة لمجمل المرضى المتأثرين. ونتوقع أن تتحسن السلامة أكثر مع تطوير طرق تجارب سريرية منخفضة التكلفة تتيح لمجتمعات المرضى اختبار ابتكاراتهم بأنفسهم، مع الالتزام بمعايير أخلاقية مماثلة لتلك التي تعتمدها المستشفيات والجامعات في الأبحاث السريرية على البشر (انظر: “تجارب سريرية منخفضة التكلفة من قِبل المرضى ولأجلهم”).
ثانيًا، وكما أشرنا سابقًا، يتمتع الأفراد من المرضى بحق قانوني واسع في اتخاذ قراراتهم بأنفسهم. فبالمقارنة، تُعدّ الرياضات الخطرة على نطاق واسع محفوفة بالمخاطر، ويواجه المشاركون فيها احتمال الإصابة أو حتى الوفاة، ومع ذلك، لا تمنع المجتمعات الأفراد من ممارسة هذه الرياضات باسم الحرية الشخصية. وبالمثل، قد يطور بعض المبتكرين من المرضى أجهزة يمكن عدّها محفوفة بالمخاطر بشكل مفرط، غير أن المجتمع لا ينبغي أن يتخذ ذلك ذريعة لحظر ابتكار المرضى.
كيف يبدو مستقبل الابتكار الذي يقوده المرضى؟ إن قدرة المرضى على تطوير منتجات طبية جديدة تلبي احتياجاتهم الخاصة تزداد نموًّا، ونتوقع أن يصبح هذا النظام أكثر قوة مع مرور الوقت لأسباب مهمة عدة، هي: أولًا، إن أدوات التصميم الذاتي (DIY design tools) التي يحتاجها المبتكرون من المرضى أصبحت أقل تكلفة وأكثر تطورًا. فالأشخاص الذين يمتلكون مهارات هندسية أولية يمكنهم الحصول على برامج تصميم قوية تعمل على الحواسيب الشخصية العادية، إما مجانًا أو مقابل مبلغ زهيد. ثانيًا، المواد والأدوات المستخدمة في بناء المنتجات انطلاقًا من التصاميم الذاتية (DIY designs) باتت أيضًا أقل تكلفة وأكثر تطورًا. فعلى سبيل المثال، كان التصميم الأصلي لنظام البنكرياس الصناعي الذاتي (DIY artificial pancreas system) يستخدم حاسوبًا صغيرًا يباع اليوم بنحو ثلاثين دولارًا. أما الحلول الذاتية الأحدث فلا تتطلب حاسوبًا خاصًّا على الإطلاق، بل تستخدم الهواتف الذكية وتطبيقات مصممة خصيصًا لهذا الغرض (apps). ثالثًا، تتيح وظائف البحث والتواصل عبر الإنترنت اليوم للمرضى، حتى أولئك المصابين بأمراض نادرة جدًّا، أن يجدوا آخرين يواجهون مشكلات مماثلة حول العالم. يمكن للمرضى ومقدمي الرعاية التعاون عبر الإنترنت لبناء مشاريع ذاتية الصنع (DIY projects). وفي الواقع، وجد آلاف المرضى طريقهم إلى مواقع مثل OpenAPS وCrohnology، وأسهم العديد منهم بمهاراتهم التقنية.
كيف يمكن دعم وتحسين نظام الابتكار الحر الذي يقوده المرضى من القاعدة الشعبية؟ نعتقد أن على المرضى ومنتجي المنتجات والخدمات الطبية والجهات التنظيمية الحكومية جميعًا دعم نظام الابتكار الذي يقوده المرضى ومساعدته على التطور في اتجاهات ذات قيمة طبية واجتماعية. كيف يمكن تحقيق ذلك؟
حاليًّا، يبدو أنّ المراحل الأولى من عملية الابتكار التي يقودها المرضى تسير بشكل جيد؛ فهي تستفيد من الأدوات والأنظمة ذاتها المستخدمة في ابتكار المنتجات الاستهلاكية في مجالات أخرى، بدءًا من تطوير البرمجيات مفتوحة المصدر (open-source software) وصولًا إلى تعديل الأجهزة في ورش الابتكار (maker spaces). ومع ذلك، فإن الاختبار السريري وبعض جوانب الانتشار الحر (free diffusion) فريدة في الابتكار الطبي، وتتطلب هذه العناصر اهتمامًا خاصًّا وتحسينًا، وهنا يمكن للمرضى المبتكرين والمنتجين التجاريين والحكومات أن يلعبوا دورًا مهمًّا.
تحسين الاختبار السريري: فيما يتعلق بالتجارب السريرية، لا يستطيع المبتكرون من المرضى ببساطة اعتماد تصاميم التجارب القياسية التي تعتمدها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA gold-standard trial designs)، مثل التجارب العشوائية مزدوجة التعمية والمراقبة بالدواء الوهمي (randomized double-blind placebo-controlled trials)، إذ إن هذه التصاميم غالبًا ما تكون باهظة التكلفة على المجتمعات المرضية الصغيرة. ومع ذلك، يمكن لتصاميم أقل تعقيدًا أن تحقق نتائج عالية الجودة بتكلفة أقل ووقت أسرع. ويتطلب دعم التحسينات في هذا المجال إنشاء مواقع إلكترونية وحزم أدوات تقدم الإرشاد للمرضى الذين يفتقرون للمعرفة بتصميم التجارب، وتوفر معايير الخصوصية والسلامة الملائمة للمشاركين، وتحليل البيانات الإحصائية، تمامًا كما تساعد المواقع الأخرى المبتدئين في تطوير البرمجيات على إطلاق مشاريع مفتوحة المصدر باستخدام أدوات وإجراءات مجربة مسبقًا. وتعمل المجتمعات الذاتية للمرضى على تطوير مثل هذه الحزم، وتعرضها مواقع تجارية مثل ProofPilot لدعم التجارب التجارية والمجتمعية على حد سواء.
تحسين الانتشار: بما أن ابتكارات المرضى تُعفى من تنظيم إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA regulation) فقط إذا تم نشرها بشكل غير تجاري، يجب على المرضى أن يصنعوا نسخهم غير التجارية بأنفسهم اعتمادًا على التصاميم المجانية. وفي ظل هذا القيد، كيف يمكن تبسيط الانتشار غير التجاري لجعل الابتكارات أكثر إتاحة للأفراد الذين يفتقرون للمهارات التقنية؟
نرى فرصًا واعدة في الاستفادة من الانفتاح المتزايد للأجهزة الطبية المعتمدة حكوميًّا على الإضافات الذاتية (DIY attachments)، وفي توفر المكونات التجارية الجاهزة ذات المصدر المفتوح (open-source components) الملائمة للمشاريع الذاتية. خذ مشروع البنكرياس الصناعي كمثال؛ في عام 2013م، كانت الأجهزة الطبية التجارية مثل أجهزة مراقبة الغلوكوز المستمر (continuous glucose monitors) ومضخات الإنسولين مصممة لحماية البيانات التي تجمعها عن المرضى باستخدام التشفير، ولم يكن المرضى قادرين على الوصول إلى بياناتهم لأن الافتراض كان أن الأطباء وحدهم سيفهمونها ويستفيدون منها. ونتيجة لذلك، اضطر المبتكرون إلى إيجاد طرق لاختراق الأجهزة للحصول على بياناتهم، متجاوزين بذلك نية المنتجين. أما اليوم، فلدى صانعي الأجهزة دوافع لجعل واجهاتهم مفتوحة كي يكونوا جزءًا مهمًّا في أنظمة التصنيع الذاتي (DIY systems).
ومع تزايد وضوح فوائد الابتكارات التي يطورها المرضى، من المرجح أن تظهر أنواع جديدة من المنصات والخدمات المتخصصة لدعم الانتشار الحر. فعلى سبيل المثال، منصة Patient Innovation غير الربحية، وهي منصة إلكترونية تهدف إلى تسهيل تقييم ومشاركة الحلول المبتكرة التي يطورها المرضى لأي مرض، متاحة مجانًا. وهي تكمل منصات متخصصة مثل OpenAPS وCrohnology. ومع توسع وتقوية نظام الابتكار الحر الذي يقوده المرضى مع مرور الوقت، نتوقع أن نشهد مزيدًا من التكامل بينه وبين أنظمة الابتكار الطبي التجارية. للمرضى ومنتجي المنتجات والخدمات الطبية والجهات التنظيمية الحكومية جميعًا أدوار حيوية في دعم نظام الابتكار الحر ومساعدته على التطور في اتجاهات ذات قيمة طبية واجتماعية. والواقع الاقتصادي يشير إلى أن المنتجين التجاريين ومقدمي الخدمات الطبية لن يتمكنوا أبدًا من تلبية جميع احتياجات المرضى. ويمكن للمرضى المبتكرين سد العديد من الثغرات إذا تم دعمهم بشكل مناسب. إن توفُّر مجموعة أغنى من خيارات الابتكار الطبي سيعود بالنفع على المرضى، ومقدمي الرعاية الطبية التجاريين، والمنتجين، والمجتمع ككل.
المراجع
1. E. von Hippel, Free Innovation (Cambridge, Massachusetts: MIT Press, 2016).
2. OpenAPS, https://openaps.org.
3. Crohnology, https://crohnology.com.
4. D.M. Lewis, “Opening Up to Patient Innovation,” NEJM Catalyst, July 12, 2018.
5. von Hippel, Free Innovation, Table 2.2.
6. A small number of consumer innovators take steps to protect their innovations from free copying, using patents and other means, and then try to sell them. Surveys show that these innovators (making up less than 10% in our research sample) follow the “producer paradigm” path and become entrepreneurs. Both the entrepreneurs and producers look for unmet needs and then invest in R&D to develop products and services that are likely to become profitable.
7. J.P.J. de Jong, E. von Hippel, F. Gault, J. Kuusisto, and C. Raasch, “Market Failure in the Diffusion of Consumer-Developed Innovations: Patterns in Finland,” Research Policy 44, no.10 (December 2015): 1,856-1,865.
8. A. Gambardella, C. Raasch, and E. von Hippel, “The User Innovation Paradigm: Impacts on Markets and Welfare,” Management Science 63, no. 5 (May 2017): 1,450-1,468.
9. von Hippel, Free Innovation, 53. Consumers, being self-rewarded, tend to pioneer new products and applications. Since they give away their designs for free, they are not concerned with how much demand they generate from others. In contrast, producers prefer to enter markets after consumers have pioneered products. They can then evaluate the reactions of free adopters to consumer-developed innovations and better understand the likely extent of market demand.
10. The country surveys used a standard definition for medical innovations. Each had to be a new or modified product for personal or family use, developed by patients or their nonprofessional caregivers, and provide improvements over products already available on the market. Innovations that individuals developed at home for their jobs or for sale, or were paid to develop, were not included. See C. von Hippel, “A Next Generation Assets-Based Public Health Intervention Development Model: The Public as Innovators,” Frontiers in Public Health, Sept. 4, 2018.
11. J. Makower, A. Meer, and L. Denend, “Food and Drug Administration’s Impact on U.S. Medical Technology Innovation: A Survey of Over 200 Medical Technology Companies” (Washington, D.C.: Advanced Medical Technology Association, Nov. 15, 2010).
12. Sharing information about medical innovations for free is not a commercial activity. However, it is not legal for medical patient innovators to sell copies of their innovations to others without first receiving FDA clearance. See A.W. Torrance and E.A. von Hippel, “The Right to Innovate,” Michigan State Law Review, no. 2 (2015): 793-829.
13. According to the U.S. Food and Drug Administration, the devices (called Class III devices) “usually sustain or support life, are implanted, or present potential unreasonable risk of illness or injury.”
14. E.R. Seaquist, J. Anderson, B. Childs, P. Cryer, et al., “Hypoglycemia and Diabetes: A Report of a Workgroup of the American Diabetes Association and The Endocrine Society,” Diabetes Care 36, no. 5 (May 2013): 1,384-1,395.
15. An example is the RileyLink, “the communication highway between your insulin pump, CGM, and iPhone”; see RileyLink.
16. For example, n-of-1 clinical trial designs are applicable to many patient innovations; see “Low-Cost Clinical Trials by and for Patients.”
17. ProofPilot, https://proofpilot.com.
18. South Korean insulin pump producer SOOIL Development has done this, and Dexcom, a producer of continuous glucose monitors based in California, has made a similar move. See M. Hoskins, “News: New Dana RS Insulin Pump Embraces #WeAreNotWaiting Open Design!” Diabetes Mine (blog), Sept. 12, 2017; and A. Tenderich, “News: Dexcom Opens API to Embrace Collaborative Diabetes Innovation!” Diabetes Mine (blog), Sept. 20, 2017.
19. The Patient Innovation platform was recognized in 2016 by United Nations Secretary-General Ban Ki-moon for supporting the UN Sustainable Development Goals of promoting good health and well-being (SDG3) and fostering innovation and building resilient infrastructure (SDG9); the U.N. goal itself, however, is to “ensure healthy lives and well-being at all ages.”
i. P. Oliveira, L. Zejnilovic, H. Canhão, and E. von Hippel, “Innovation by Patients With Rare Diseases and Chronic Needs,” Orphanet Journal of Rare Diseases 10 (2015): 41.
ii. A. Brown, “Low Carb Versus High Carb: My Surprising 24-Day Diabetes Diet Battle,” diaTribe, Nov. 2, 2015.
iii. L.M. Friedman, C.D. Furberg, D. DeMets, D.M. Reboussin, and C.B. Granger, Fundamentals of Clinical Trials, 5th ed. (New York: Springer International Publishing, 2015).
