ملخص: يبيّن المقال أن شركات التأمين الصحي باتت تعتمد بشكل متزايد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات حاسمة حول تغطية العلاج، ما قد يؤدي إلى تأخير الرعاية أو حرمان المرضى منها بهدف خفض التكاليف، خاصة في حالات الأمراض المزمنة والفئات المهمشة. فرغم قدرتها على تحسين الكفاءة، تفتقر هذه الخوارزميات إلى الشفافية والرقابة، ولا تُراجع من جهات مختصة مثل FDA، مما يسمح برفض علاجات ضرورية بناءً على نماذج غير معروفة. ورغم بدء بعض الولايات الأمريكية ووكالة CMS بوضع قواعد لتنظيم استخدامها، تبقى هذه الجهود محدودة وغير كافية لضمان العدالة. ويخلص المقال إلى أن غياب الضوابط يجعل الذكاء الاصطناعي في التأمين الصحي قضية تمس حياة الناس مباشرة، ويتطلب تدخلًا تنظيميًا أوسع لضمان ألا يتحول إلى أداة لحرمان المرضى من الرعاية.
خلال العقد الأخير، اتسع اعتماد شركات التأمين الصحي على خوارزميات الذكاء الاصطناعي بشكل لافت. فبينما تستخدم المستشفيات والأطباء هذه التقنيات لدعم التشخيص والعلاج، تلجأ شركات التأمين إليها لاتخاذ قرار قد يكون الأهم بالنسبة للمريض: هل ستدفع الشركة تكلفة العلاج الذي أوصى به الطبيب أم لا؟
أبرز هذه التطبيقات هو الموافقة المسبقة، حيث يتعين على الطبيب الحصول على إذن من شركة التأمين قبل بدء العلاج. كثير من الشركات تعتمد على خوارزميات تقدّر ما إذا كان العلاج “ضرورياً طبياً” ويستحق التغطية.
هذه الأنظمة أيضاً تُستخدم لتحديد حجم الرعاية المسموح بها للمريض، مثل عدد أيام البقاء في المستشفى بعد الجراحة.
وإذا قررت شركة التأمين عدم تغطية العلاج، يصبح أمام المريض ثلاثة خيارات مرهقة:
الاستئناف، وهو مسار طويل ومكلف ونادراً ما يُستخدم (حيث يتم الطعن في حالة واحدة من بين كل 500 حالة رفض)، أو القبول بعلاج بديل توافق عليه الشركة، أو دفع التكاليف بنفسه، وهو أمر غير ممكن لمعظم الناس.
وبصفتي باحثاً في قانون وسياسات الصحة، فإنني قلق من تأثير هذه الخوارزميات على صحة المرضى. فكما هو الحال مع خوارزميات القطاع الطبي، يمكن لهذه الأدوات أن تُحسّن جودة الخدمة وتقلل الهدر. لكن الأدلة المتزايدة تشير إلى أنها قد تُستخدم أيضاً لتأخير الرعاية أو رفض التغطية بهدف خفض التكاليف.
نمط من حرمان المرضى من الرعاية
من المفترض أن تعتمد الشركات على بيانات المريض ومعايير الطب الحديثة لاتخاذ قرار التغطية. إلا أن معظمها يرفض الكشف عن آلية عمل خوارزمياته، مما يثير شكوكاً حول مدى دقتها وعدالتها.
استخدام الذكاء الاصطناعي يوفر على شركات التأمين الوقت والمال، لأنه يقلل الحاجة لمراجعة بشرية متخصصة. لكن المكسب الحقيقي يظهر عندما ترفض خوارزمية ما تغطية علاج ضروري، ويبدأ المريض بإجراءات الاستئناف… وهي عملية قد تستغرق سنوات. وفي بعض الحالات، يموت المريض قبل انتهاء النزاع، ما يعني توفيراً إضافياً للشركة.
هذه الحقيقة المقلقة تفتح الباب أمام احتمال استخدام الخوارزميات لحرمان مرضى الأمراض المزمنة أو الحالات المكلفة من الرعاية – تماماً كما عبّر أحد الصحفيين:
“كثير من كبار السن الذين قضوا حياتهم يدفعون اشتراكات التأمين يجدون أنفسهم اليوم أمام بتر أو سرطان، وعليهم إما الدفع من جيوبهم أو الامتناع عن العلاج.”
وتشير أبحاث متعددة إلى أن المرضى المصابين بأمراض مزمنة هم الأكثر تعرضاً للرفض، وكذلك المرضى من ذوي البشرة السوداء أو من أصول لاتينية أو غيرهم من الأقليات كما توجد أدلة على أن “الموافقة المسبقة” قد تزيد تكاليف النظام الصحي بدلاً من تقليلها.
حجة شركات التأمين بأن “المريض يمكنه دفع التكاليف بنفسه” تبدو منفصلة تماماً عن الواقع، لأنها تتجاهل حجم المعاناة الصحية عند حرمان الناس من الرعاية.
خطوات نحو تنظيم هذه الأدوات
على خلاف خوارزميات الطب، فإن خوارزميات التأمين شبه غير خاضعة لأي رقابة. فهي لا تمر عبر إدارة الغذاء والدواء (FDA)، وتعتبرها الشركات “أسراراً تجارية”.
وبالتالي لا توجد معلومات عامة حول كيفية اتخاذها للقرارات، ولا توجد دراسات محكمة تثبت فعاليتها أو عدالتها.
رغم ذلك، بدأت بوادر تغيير. فقد أعلنت “مراكز خدمات الرعاية الطبية (CMS)” أن شركات التأمين في برامج ميديكير أدفانتج يجب أن تعتمد في قراراتها على الحالة الفردية للمريض، وليس معايير عامة. لكن هذه القواعد لا تزال تسمح للشركات بوضع معاييرها الخاصة، ولا تفرض مراجعة خارجية.
بعض الولايات مثل كولورادو وفلوريدا ومين وماين وتكساس بدأت بالفعل مناقشة أو إصدار قوانين تضبط استخدام الذكاء الاصطناعي في التأمين. وفي 2024، أصدرت كاليفورنيا قانوناً يلزم بأن يشرف طبيب مرخّص على استخدام خوارزميات التغطية.
لكن هذه القوانين غالباً ما تترك للشركات مساحة واسعة لتحديد معنى “الضرورة الطبية”، ولا تفرض اختبارات مستقلة قبل اعتماد الخوارزميات. كما أن قدرة الولايات على تنظيم شركات التأمين محدودة، خصوصاً تلك المرتبطة بالبرامج الفيدرالية.
هل يمكن للـ FDA لعب دور؟
يرى كثير من خبراء القانون الصحي أن الفجوة بين ما تفعله شركات التأمين وما يحتاجه المرضى اتسعت إلى درجة تستدعي تدخلاً حقيقياً. وتشير بعض الدراسات القانونية إلى أن إدارة الغذاء والدواء هي الجهة الأنسب للقيام بذلك.
فالهيئة تمتلك خبرات طبية وتقنية تؤهلها لتقييم سلامة وفعالية خوارزميات التأمين قبل استخدامها. كما أن إشرافها سيخلق نظاماً وطنياً موحداً بدلاً من مجموعة قوانين متفرقة في كل ولاية.
تبقى العقبة القانونية:
الخوارزميات لا تُعتبر “أجهزة طبية” بالمعنى القانوني، لأنها لا تشخص ولا تعالج المرض. وقد يتطلب منح الـ FDA هذا الدور تعديلاً تشريعياً من الكونغرس.
وحتى يحدث ذلك، يمكن للولايات ولـ CMS أن تفرض اختبارات مستقلة لضمان السلامة والعدالة. وربما يدفع ذلك شركات التأمين نفسها للمطالبة بنظام وطني موحد بدلاً من التعامل مع عشرات القوانين المختلفة.
الخلاصة
بدأت حركة إصلاحية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في قرارات التأمين الصحي، لكنها ما زالت في خطواتها الأولى. ومع أن التقنية قد تساعد على تحسين كفاءة النظام، إلا أن غياب الرقابة يخلق مخاطر حقيقية على صحة الناس.
فالأمر في نهاية المطاف ليس نقاشاً تقنياً أو تنظيمياً فحسب إنه مسألة حياة أو موت.
