ملخص: يتناول المقال إعلان ديب مايند عن شراكة جديدة مع مؤسسات تابعة للـNHS لتطوير تقنيات تعتمد على التعلّم الآلي للكشف المبكر عن سرطان الثدي عبر تحليل صور الماموغرام، وذلك وسط تدقيق كبير بعد الجدل الذي أثاره خرق بيانات مشروع سابق مع مستشفى رويال فري. ورغم تأكيد الشركة اتخاذها خطوات لتفادي أخطاء الماضي مثل استخدام بيانات منزوعة الهوية، والحصول على موافقات مسبقة، وتطبيق مراجعات مستقلة يبقى التحدي الأكبر هو بناء ثقة المرضى والأطباء في نماذج الذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل مخاطر التحيّز والأخطاء وصعوبة تفسير القرارات الخوارزمية. ويخلص المقال إلى أن نجاح هذه التقنيات الطبية لا يعتمد على التطور التقني فقط، بل على الأخلاقيات والشفافية وقابلية التفسير، وقبل كل شيء: الثقة.
أعلنت شركة ديب مايند مؤخرًا عن شراكة جديدة مع هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS)، تتولى فيها الشركة تطوير تقنيات تعتمد على التعلّم الآلي للمساهمة في أبحاث سرطان الثدي.
ديب مايند، التابعة لغوغل، اشتهرت عالميًا بعدما طوّرت ذكاءً اصطناعيًا تفوّق على البشر في لعبة "غو". لكنّ جهودها الأخيرة في مجال الرعاية الصحية جاءت في ظل ضجة كبيرة أثارها خرق للبيانات المتعلقة بأحد مشروعاتها مع مستشفى رويال فري في لندن.
ففي يوليو الماضي، خلص مكتب مفوض المعلومات البريطاني إلى أن المستشفى خالف قوانين حماية البيانات حين شارك 1.6 مليون سجل طبي مع ديب مايند لتطوير تطبيق Streams الخاص برصد إصابات الكلى. ورغم أن اللوم لم يوجّه مباشرة إلى ديب مايند، إلا أن الواقعة أثارت قلقًا واسعًا، خاصة أن السجلات تضمنت معلومات حساسة مثل حالات الإصابة بفيروس HIV وتفاصيل حول الإجهاض والجرعات الزائدة من الأدوية.
واليوم، ومع إعلان شراكة جديدة مع مؤسسة صحية أخرى تابعة للـNHS، يبدو واضحًا أن كل خطوة لِديب مايند في القطاع الصحي ستكون تحت المجهر.
الشركة تستعد للعمل مع مركز أبحاث السرطان في المملكة المتحدة وكلية إمبريال لندن ومؤسسة رويال سَرّي لتحليل صور الماموغرام باستخدام خوارزميات متقدمة للكشف المبكر عن سرطان الثدي. وهو هدف مهم وحساس، ويتطلب مستوى عالٍ من الثقة والمسؤولية، خصوصًا بالنظر إلى تاريخ الشركة في هذا المجال.
التعلم من الأخطاء
تبدو ديب مايند حريصة على تجنب تكرار أخطاء الماضي. فقد أكدت أن البيانات التي ستحصل عليها من مؤسسة رويال سَرّي ستكون "منزوعة الهوية"، وأن المرضى الذين شاركوا في الدراسة قد وافقوا مسبقًا على استخدام بياناتهم لأغراض البحث.
كما اتخذت الشركة إجراءات إضافية لتعزيز الشفافية من خلال تعيين مراجعين مستقلين وإتاحة عمليات تدقيق يمكن التحقق منها، في محاولة لتعزيز ثقة الجمهور، خاصة مع توسع تعاونها مع الـNHS في مشاريع متزايدة.
ومن المتوقع أن تركز ديب مايند على استخدام الشبكات العصبية العميقة لتحليل صور الثدي واستخراج الأنماط المرتبطة بالأنسجة السرطانية، على غرار مشروعها مع مستشفى مورفيلدز، حيث تطور نماذج قادرة على التنبؤ بأمراض الشبكية التي تقود إلى العمى.
وقد تلجأ أيضًا إلى خوارزميات التعلّم المعزز التي تستوحي طريقة عملها من آليات التعلم في الدماغ البشري القائمة على المكافأة والعقاب وهي التقنية نفسها التي جعلت أنظمة ديب مايند تتفوق على المحترفين في الألعاب المعقدة مثل "غو".
ومع ذلك، لا يقتصر تحسين الرعاية الصحية دائمًا على الذكاء الاصطناعي، فقد أظهرت تجارب سابقة للشركة أن بعض التحسينات التقنية البسيطة قد تُحدث فرقًا كبيرًا في كيفية تقديم الأطباء للرعاية.
التحدي الأكبر: الثقة
حتى لو نجحت ديب مايند في بناء نموذج قادر على اكتشاف سرطان الثدي بدقة عالية، فإن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قبول الأطباء والمرضى بالاعتماد على توصيات تصدرها "آلة".
فالطب قائم على علاقة ثقة بين الطبيب والمريض. الطبيب يستند إلى خبرته ومعرفته بتاريخ المريض، والمريض يطمئن إلى التوصيات بناءً على هذه العلاقة الإنسانية المباشرة. لكن هل سيتقبل المريض أو الطبيب قرارًا أو توصية لا يفهمان آلية إصدارها، خصوصًا إن كانت صادرة من خوارزمية معقدة؟
وفي السياق الطبي، يمثل كل خطأ سواء إيجابي خاطئ أو سلبي خاطئ تداعيات كبيرة قد تمس حياة الإنسان مباشرة.
ونعلم اليوم أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تعكس تحيزات موجودة مسبقًا في البيانات أو المجتمع، كما حدث في مجالات مثل الشرطة والقضاء. وتطبيق نماذج تحمل مثل هذه التحيزات في الطب قد يجعلها أدوات غير مرحّب بها إطلاقًا.
لهذا، يعمل الباحثون على جعل نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر شفافية وقدرة على تفسير قراراتها، إلى جانب تحسينها لتكون أكثر وعيًا بدرجة عدم اليقين في نتائجها.
خلاصة
لا شك أن الذكاء الاصطناعي يحمل وعودًا كبيرة لتحسين تشخيص الأمراض، لكن نجاحه لا يعتمد على التطور التقني فقط. فقبول المجتمع الطبي والمرضى له سيعتمد أيضًا على الأخلاقيات، والشفافية، وقابلية التفسير، وقبل كل شيء: الثقة.
