ملخص: يُبرز المقال، عبر مجاز قصة ويليام تِلّ، أن الذكاء الاصطناعي ليس أكثر من أداة يشبه القوس، بينما يظل الإنسان هو الرامي الذي يحدد الهدف ويتحمل المسؤولية. ويعرض المقال محدوديات النماذج اللغوية مثل إنتاج معلومات غير دقيقة، وثبات “معتقداتها”، وتدهور أدائها مع التفاعل، وافتقارها للفهم الحقيقي أو الخبرة بالعالم. ومع ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفّف عبء العمل إذا استُخدم بذكاء في نقد الأفكار، ودعم التفكير، والمهام الروتينية منخفضة المخاطر. وينبّه المقال إلى ضرورة الحذر من الاعتماد المفرط عليه، خاصة في السياقات ذات المسؤولية القانونية أو التي تتطلب إبداعًا وفهمًا عميقًا، إذ إن الاستخدام غير المدروس قد يضر أكثر مما ينفع، فالأصالة الإنسانية تبقى عنصرًا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاته بالكامل.
تقول الأسطورة إن وليام تِلّ أطلق سهمًا أصاب تفاحة موضوعة على رأس ابنه الصغير. وللقصة تفسيرات عديدة، لكن من منظور نظرية التكنولوجيا، هناك عدة نقاط لافتة بشكل خاص.
أولًا، كان تِلّ رامياً خبيراً. ثانيًا، كان يعلم أن قوسه موثوق، لكنه كان يدرك أنه مجرد أداة بلا قدرة على الفعل المستقل. ثالثًا، كان تِلّ هو من اختار الهدف.
ما علاقة كل هذا بالذكاء الاصطناعي؟ على سبيل المجاز، يمكن التفكير في الذكاء الاصطناعي (مثل النماذج اللغوية الكبيرة أو LLMs، ومنها ChatGPT) على أنه القوس، بينما المستخدم هو الرامي، والتفاحة تمثّل هدف المستخدم. ومن هذا المنظور، يصبح من الأسهل فهم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بفاعلية في بيئة العمل.
وللوصول إلى ذلك، من المفيد النظر في ما هو معروف عن محدوديات الذكاء الاصطناعي قبل تحديد الأماكن التي يمكن والتي لا يمكن أن يساعد فيها في الكفاءة والإنتاجية.
أولًا، تميل النماذج اللغوية الكبيرة إلى إنتاج مخرجات غير مرتبطة بالواقع. فقد أظهرت دراسة حديثة أن ما يصل إلى 60% من إجاباتها يمكن أن تكون غير صحيحة. حتى الإصدارات المدفوعة تجيب أحيانًا بشكل غير صحيح، ولكن بثقة أكبر من الإصدارات المجانية.
ثانيًا، بعض هذه النماذج عبارة عن أنظمة مغلقة أي أنها لا تحدّث “معتقداتها”. وفي عالم متغير باستمرار، يمكن لطبيعتها الثابتة أن تكون مضللة. بهذا المعنى، فهي تنفصل تدريجيًا عن الواقع وقد لا تكون موثوقة.
بل إن هناك أدلة على أن تفاعل النماذج مع المستخدمين يؤدي إلى تدهور أدائها. فمثلًا، وجد باحثون أن هذه النماذج تصبح أكثر ميلاً للعنصرية المتخفّية مع مرور الوقت. وبالتالي، تصبح مخرجاتها غير قابلة للتنبؤ.
ثالثًا، لا تمتلك النماذج أهدافًا ولا تستطيع اكتشاف العالم بشكل مستقل. فهي، في أفضل الأحوال، مجرد أدوات يمكن للمستخدم أن يوكّل إليها بعض جوانب استكشافه للعالم.
أخيرًا، لا “تغروك” أي لا تفهم العالم الذي تعمل فيه، استعارةً من رواية الخيال العلمي غريب في أرض غريبة (1960). فهي أقرب إلى ببغاوات ثرثرة تعطي انطباعًا بالذكاء.
فكر في قدرة النماذج على استخراج البيانات والنظر في الارتباطات الإحصائية بين الكلمات لتقليد الكلام البشري. الذكاء الاصطناعي لا يعرف معنى هذه الارتباطات. فهو لا يعرف، مثلًا، أن صياح الديك لا يؤدي إلى شروق الشمس.
بالطبع، القدرة على تقليد الكلام مثيرة للإعجاب. لكن القدرة على التقليد لا تعني امتلاك السمات الأصلية.
تخفيف عبء العمل
كيف يمكنك إذن استخدام الذكاء الاصطناعي بفاعلية أكبر؟
أولًا، يمكن استخدامه في نقد الأفكار. فكثيرًا ما يتجنب الناس سماع النقد، ويشعرون بالإحراج حين تُنتقد أفكارهم خاصةً عندما يحدث ذلك أمام الآخرين.
لكن النقد الناتج عن النماذج اللغوية يكون مسألة خاصة، ويمكن أن يكون مفيدًا. فقد استخدمتُه مؤخرًا لمراجعة مقال، ووجدت النقد معقولًا. كما أن اختبار الأفكار مسبقًا يمكن أن يساعد في تجنب النقاط العمياء والأخطاء الواضحة.
ثانيًا، يمكنك استخدام الذكاء الاصطناعي لتكثيف فهمك للعالم. ماذا يعني هذا؟ لأن الذكاء الاصطناعي لا يفهم أسباب الأحداث، فإن طرح الأسئلة عليه يدفعك أنت إلى عملية الفهم. فعلى سبيل المثال، سألتُ نموذجًا لغويًا عما إذا كان ينبغي لجامعتي (باث) اعتماد استخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
ورغم أن النموذج أشار إلى مزايا الكفاءة، فإنه لم يفهم بوضوح كيفية تخصيص الموارد. فمثلًا، لا يمكن إعادة توجيه الموظفين الإداريين الذين توفّر وقتهم بفضل الذكاء الاصطناعي إلى اتخاذ قرارات استراتيجية عليا أو تدريس مقررات. ليس لدى الذكاء الاصطناعي خبرة في العالم ليدرك ذلك.
ثالثًا، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في المهام الروتينية مثل التحرير وكتابة رسائل البريد الإلكتروني. لكن هنا تكمن خطورة فقد يعتمد المستخدمون على النماذج لكتابة الرسائل من جهة، وتلخيص الرسائل من الجهة الأخرى.
عليك التفكير في الحالات التي قد تكون فيها رسالة شخصية مصاغة بشكل غير مثالي خيارًا أفضل (خاصة إذا كنت بحاجة لإقناع شخص ما). فالأصالة ستصبح أكثر أهمية مع انتشار استخدام النماذج اللغوية. فالرسالة الشخصية التي تستخدم لغة مناسبة وتستحضر القيم المشتركة قد تكون أكثر تأثيرًا.
رابعًا، يُفضل استخدام الذكاء الاصطناعي في المهام منخفضة المخاطر حيث لا توجد مسؤولية قانونية. فمثلًا، يمكن استخدامه لتلخيص مراجعات العملاء الطويلة، أو للإجابة عن الأسئلة غير المتعلقة بالسياسات أو الأمور المالية، أو لإنشاء منشورات لوسائل التواصل الاجتماعي، أو للمساعدة في تعريف الموظفين الجدد.
فكر الآن في الحالة المعاكسة. في عام 2022، أعطى نموذج لغوي مستخدم من قبل شركة Air Canada معلومة خاطئة لأحد الركاب بشأن رسوم معيّنة فقام الراكب بمقاضاة الشركة. وحمّل القاضي شركة الطيران مسؤولية النصيحة الخاطئة. لذلك عليك دائمًا التفكير في مسائل المسؤولية القانونية.
غالبًا ما يدعو المتحمسون للذكاء الاصطناعي إلى استخدامه في كل شيء. ومع ذلك، يظهر في كثير من الأحيان وكأنه حل يبحث عن مشكلة. السرّ هو التفكير بعناية شديدة فيما إذا كانت هناك حاجة فعلية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وما هي التكاليف المصاحبة.
من المرجّح أنه كلما كانت مهمتك أكثر إبداعًا أو أكثر تفردًا، وكلما تطلّبت فهمًا أكبر لكيف يعمل العالم، قلّت فائدة الذكاء الاصطناعي فيها. في الواقع، قد يؤدي تفويض الأعمال الإبداعية للذكاء الاصطناعي إلى فقدان شيء من “اللمسة السحرية”. فالذكاء الاصطناعي قادر على تقليد البشر لكن البشر وحدهم هم من “يغروكون” معنى أن تكون إنسانًا.
