ملخص: هذا المقال يناقش كيف يمكن للبيانات أن تُحدث ثورة في خدمات الصرف الصحي بإفريقيا جنوب الصحراء، حيث يفتقر أكثر من 700 مليون شخص إلى مرافق آمنة. يوضح المقال أن الحل لا يقتصر على بناء مراحيض أو أنابيب جديدة، بل على اعتبار أنظمة البيانات العامة بنية تحتية أساسية، تماماً كالطرق والكهرباء، لأنها تمكّن من التخطيط الفعّال، ورقابة الخدمات، وتوجيه الاستثمارات بدقة. ومن خلال أمثلة من تنزانيا وأوغندا وزامبيا، يكشف المقال كيف تساعد المنصات الرقمية والتطبيقات الذكية على تحسين الخدمات، مراقبة الأداء، وتحفيز الشركات الخاصة على خدمة المناطق الأكثر هشاشة. ويدعو أخيراً الحكومات والجهات التنظيمية إلى الاستثمار في أنظمة بيانات موحدة واعتبارها منفعة عامة، تمهيداً لمدن أنظف، أكثر صحة وكرامة.
تحسين البيانات يمكن أن يساعد إفريقيا في مواجهة نقص خدمات الصرف الصحي الآمنة
بدأت المدن الإفريقية في الاستثمار في بنية تحتية للبيانات تسهّل مراقبة خدمات الصرف الصحي غير المتصلة بشبكات الصرف. لكن هناك حاجة إلى مزيد من التغييرات في الحوكمة، وإصلاح المرافق، والتمويل للبناء على هذه التطورات.
ما الذي يجمع بين 700 مليون شخص في إفريقيا؟ غياب خدمات الصرف الصحي الآمنة. فمع التوسع السريع للمدن في إفريقيا جنوب الصحراء، فشلت البنية التحتية والخدمات الأساسية في مواكبة هذا النمو. والنتيجة: أزمة يومية غير مطروحة للنقاش تتمثل في امتلاء المراحيض وخدمات تفريغ غير منظمة. ورغم أن الاستثمار المطلوب يبدو بعيد المنال، إلا أن هناك محفزاً أساسياً وصامتاً وقوياً يمكن أن يساعد في حل هذه الأزمة: البيانات الأفضل.
بعيداً عن مجرد إنشاء أنابيب أو مراحيض جديدة، يجب على الحكومات اعتبار أنظمة البيانات العامة جزءاً أساسياً من البنية التحتية. كما يشير مبادرة البنية التحتية الرقمية العامة (DPI) للمنتدى الاقتصادي العالمي، فإن أنظمة البيانات قد تكون حيوية مثل الطرق وشبكات الكهرباء عندما تكون شاملة وقابلة للتشغيل المتبادل وآمنة. يمكن للبنية التحتية للبيانات أن تحسن كيفية تخطيط وتقديم وتنظيم وتمويل استثمارات وخدمات الصرف الصحي.
العمود الفقري غير المرئي للصرف الصحي
الصرف الصحي غير المتصل بالشبكات (NSS) – مثل المراحيض الحفرية، والخزانات الأرضية (septic tanks) والتعامل مع الحمأة الناتجة – هو الشكل السائد في المدن الإفريقية. لكن هذه المرافق تظل الأقل تنظيماً: فقد أظهر تقييم أجراه Dev-Afrique في عام 2024 في 10 دول أن معظم البلديات والمرافق لا تتعقب خدمات الصرف غير المتصل بالشبكات. أقل من 15% كان لديها خرائط للمرافق؛ وأعداد أقل استخدمت البيانات للتخطيط أو المراقبة.
يمثل ذلك فجوة في البيانات والإدارة والحوكمة. فبدون أنظمة إدارة خدمية مدعومة بالبيانات، يصبح من الصعب معرفة أين تفشل خدمات الصرف وكيفية إصلاحها. ومن شبه المستحيل إدارة التكاليف وضمان وصول الاستثمارات العامة المحدودة بكفاءة إلى من هم في أمس الحاجة إليها. والنتيجة: أنظمة خدمات مجزأة، مكلفة، منخفضة الجودة، واستثمارات ضعيفة في احتواء النفايات ومعالجتها. كما يظهر تقرير المخاطر العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي أن فجوات الصرف الصحي تغذي الأزمات الصحية، وتزيد من الهشاشة المناخية، وتعمّق التهميش الاقتصادي.
بناء سلسلة قيمة للبيانات في الصرف الصحي
لمعالجة ذلك، طورت Dev-Afrique نموذجاً عملياً أطلقت عليه اسم سلسلة قيمة بيانات الصرف الصحي، ويتكون من:
إنتاج البيانات: تجاوز الاستطلاعات التقليدية إلى بيانات رقمية تُجمع في الوقت الحقيقي تشمل جوانب الصرف والتمويل، بعيداً عن المشاريع المؤقتة.
تحليل البيانات: تزويد السلطات المحلية بأدوات مثل نظم المعلومات الجغرافية (GIS) وأنظمة تخطيط الموارد المؤسسية (ERP) والذكاء الاصطناعي لدعم إعداد الميزانيات، ومتابعة الأداء، والكشف عن فجوات الخدمة.
تشغيل البيانات: دمج البيانات الرقمية في عمليات اتخاذ القرار اليومية، والتخطيط، والصيانة، وأنظمة الاستثمار.
لكن معظم المرافق الإفريقية تفتقر إلى وحدات للمتابعة والتقييم والتعلم، أو موظفين متخصصين بالبيانات، أو أنظمة إدارة متكاملة. وغالباً ما تترك عمليات جمع البيانات التي يقودها المانحون فجوات بمجرد انتهاء المشاريع. وبعضها يجمع البيانات دون استخدامها – وهو ما يسمى مفارقة "البيانات الغزيرة والقرارات الفقيرة".
المدن الذكية تستثمر في صرف صحي ذكي
أنظمة بيانات الصرف الصحي ضرورية لتعزيز مرونة المدن، والتكيف مع المناخ، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والاستجابة الطارئة بشكل مستهدف. وفي أنحاء إفريقيا، تستثمر المدن الذكية في بنية تحتية للبيانات لدعم خدمات الصرف الصحي. يحدث التغيير بفضل التنسيق القوي من جهات مثل رابطة منظمي المياه والصرف الصحي لشرق وجنوب إفريقيا (ESAWAS)، وهي هيئة قارية تقدم الإرشاد والأدوات والمنح لأعضائها لتعزيز أنظمة البيانات العامة وتصحيح إخفاقات السوق في تقديم الخدمات.
تنزانيا قادت المنطقة في إظهار كيف يمكن توسيع نطاق أفضل ممارسات الصرف الصحي بكفاءة من خلال استثمارات وطنية في البنية التحتية الرقمية العامة. حيث يضمن المنظم الوطني هيئة تنظيم خدمات الطاقة والمياه (EWURA) أن تستخدم جميع المرافق أنظمة (ERP) لدمج تقارير الأداء مع نظام موحد وطني.
في أوغندا، يتيح تطبيق Weyonje للسكان طلب خدمات تفريغ مرخصة، ما يحفز المشغلين على الامتثال للمعايير. يجمع التطبيق بيانات حول الصرف الصحي، مما يمكّن مدينة كمبالا من توجيه الإعانات والرقابة لحماية الصحة العامة وتحسين جودة الخدمة. وتعمل ESAWAS الآن على توسيع هذا النموذج الرقمي إلى دول إفريقية أخرى عبر نظام جديد يسمى Sanitracker.
في زامبيا، طورت شركة مياه وصرف صحي لوساكا نظام لوساكا للصرف الصحي، وهو منصة لحظية تتعقب عملية الجمع والتفريغ والمعالجة والفوترة. تستخدم لوساكا بطاقات عمل للصرف الصحي ونظام GPS لتتبع كل حفرة يتم تفريغها وكل قطرة نفايات تصل إلى محطة المعالجة. وهكذا تحوّل لوساكا أنظمة البيانات إلى أداة تحفيز للشركات الخاصة لتوسيع خدمات الصرف الصحي إلى المناطق المهمشة والمعرضة للكوليرا.
نماذج قوية تظهر أيضاً في جنوب آسيا، مثل بنغلاديش والفلبين وماليزيا. ففي بنغلاديش، يدعم نظام المعلومات البلدية المتكامل السلطات المحلية في متابعة الخدمات ويجمع بيانات الصرف الصحي على المستوى الوطني، ما يساعد البلديات على تنسيق عمل المشغلين الخاصين، واستهداف المناطق المحرومة، وتمكين معالجة الحمأة. هذه الأنظمة تدعم إنفاذ معايير الخدمة والمساءلة، وتسمح بأن تكون القرارات الاستثمارية العامة في الصرف الصحي مبنية على بيانات من أنظمة الخدمة المحلية.
البيانات كمنفعة عامة
لكي تتمكن إفريقيا من بناء مراكز حضرية صحية وحديثة كقاطرة للنمو الوطني والتقدم، يجب على قادتها الاستثمار في الهدف السادس للتنمية المستدامة (6.2)، وهو الوصول الشامل إلى خدمات الصرف الصحي، واعتبار أنظمة البيانات العامة جزءاً أساسياً من البنية التحتية. تساعد جمعيات مثل ESAWAS و AfWASA في تحريك هذا الاتجاه، لكن المطلوب أكثر:
القيادة السياسية: يجب على الحكومات فرض مؤشرات أداء رئيسية موحدة، وتمويل فرق بيانات محلية، ودمج المياه والصرف في الاستراتيجيات الرقمية الوطنية.
إصلاح المرافق: يجب أن تخدم البيانات العمليات، لا فقط المانحين. تحتاج المرافق إلى لوحات متابعة تشغيلية للأداء، لا تقارير مهملة.
تعزيز التنظيم: على المنظمين توسيع أهداف المرافق لتشمل NSS، وفرض أنظمة إدارة رقمية، والاستثمار في منصات متكاملة.
تحول التمويل: يجب ربط قروض البنية التحتية بأنظمة الأداء في المرافق، لضمان أن تحقق الاستثمارات العامة خدمات وعوائد.
علينا أن نتوقف عن التفكير في المراحيض كنهاية السلسلة. ففي عصر التحول الرقمي، هي مجرد بداية لمدن أنظف، ومؤسسات أقوى، ومستقبل حضري أكثر كرامة.
