ملخص: تتناول هذه المقالة كيف تمزج اليابان بين تقاليدها العريقة في مراقبة الكوارث الطبيعية وأحدث التقنيات المتطورة لتعزيز جاهزيتها للكوارث، من خلال استخدام الحواسيب الفائقة والرادارات ثلاثية الأبعاد، وتطوير أنظمة إنذار مبكر تصل إلى المواطنين فورًا، مما يجعل من تجربتها نموذجًا عالميًا لمجتمعات أكثر مرونة في مواجهة التغير المناخي والمخاطر الطبيعية المتزايدة.
- على مرّ تاريخها، شهدت اليابان أنواعًا عديدة من الكوارث الطبيعية بما في ذلك الزلازل، والانفجارات البركانية، والفيضانات. وقد أدى هذا إلى تقليد طويل من مراقبة وتوثيق الكوارث الطبيعية للمساعدة في الحفاظ على سلامة المجتمعات.
- واليوم، تساهم التكنولوجيا في تحسين توقعات الطقس القاسي وتنبيه المواطنين، كجزء من استراتيجية اليابان للاستعداد للكوارث.
- يصادف هذا العام الذكرى الـ150 لتأسيس وكالة الأرصاد الجوية اليابانية. فمنذ إنشائها في عام 1875، تواصل الوكالة مراقبة الطقس والنشاط الزلزالي والبركاني على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. ويتم جمع وتحليل هذه الملاحظات وتوزيعها في شكل توقعات للطقس وتحذيرات من الكوارث.
وهذا أمر بالغ الأهمية في اليابان، البلد المعرض لمجموعة واسعة من الكوارث الطبيعية، بما في ذلك الأعاصير والزلازل وموجات الحر والتسونامي والانفجارات البركانية. تمتلك اليابان 7.1% من البراكين النشطة في العالم، وتشهد 18.5% من الزلازل العالمية التي تفوق شدتها 6 درجات، وتمثل 17.5% من الخسائر الاقتصادية العالمية الناتجة عن الكوارث الطبيعية.
وفي مراسم إحياء الذكرى التي أقيمت في يونيو لوكالة الأرصاد الجوية اليابانية، ناقش جلالة إمبراطور اليابان أهمية الاستعداد للزلازل والانفجارات البركانية، مضيفًا: "من أجل ذلك، من المهم مراقبة الظواهر الطبيعية باستمرار ونقل المعلومات بدقة إلى المجتمع بما يساهم في الاستجابة للكوارث".
حتى قبل تأسيس الوكالة، كان لدى الشعب الياباني تقليد طويل في مراقبة وتسجيل الكوارث الطبيعية. وتوجد سجلات الطقس التاريخية في وثائق مثل "نيهون شوكي" التي تصف زلزالًا وقع عام 684، و"نيهون سانداي جيتسوروكو" التي جُمعت خلال فترة هييان (794-1185). وبعض أسماء الأماكن في اليابان تشير إلى مخاطر الكوارث، وتعمل كتحذير خفي للسكان والمسافرين.
في حين أن هذه السجلات لا تزال تُثري علم الكوارث الحديث، فإن التقنيات المبتكرة تُحدث تحسينات كبيرة في التنبؤ وتقييم المخاطر، مما يعزز جاهزية اليابان للكوارث.
التكنولوجيا تعزز الدقة
أحد مجالات الابتكار يتعلق بالتنبؤ بالظواهر الجوية الدقيقة. فالرياح الإعصارية المرتبطة بالأعاصير والأمطار الغزيرة المحلية تسبب أضرارًا كبيرة، لكن تعقيدها والحاجة إلى تحليل كميات هائلة من البيانات جعلا من التنبؤ بها أمرًا صعبًا في السابق.
لكن الآن، يستخدم الباحثون الحواسيب الفائقة ومحاكيات الطقس عالية الدقة لجعل هذه التنبؤات ممكنة. فعلى سبيل المثال، أصبحت فرقة من شركة فوجيتسو وجامعة يوكوهاما الوطنية الأولى في العالم التي تتنبأ بهذه الأعاصير الصغيرة الناتجة عن الأعاصير باستخدام الحاسوب الخارق "فوجاكو" ومُحاكي العواصف المبتكر "CReSS".
كما أُطلقت مؤخرًا شراكة بين مؤسسات منها المعهد الوطني لتقنية المعلومات والاتصالات، وجامعة أوساكا، والمعهد الوطني لأبحاث علوم الأرض والمرونة من الكوارث، بهدف التنبؤ بأمطار "الكمائن" المحلية شديدة الكثافة. وتستخدم هذه الفرق الحاسوب الخارق "فوجاكو" ورادارين من الجيل الجديد يتمتعان بدقة زمنية قدرها 30 ثانية، وقدرة على الرصد ثلاثي الأبعاد عالي الدقة.
ومن شأن هذه الأدوات أن تعزز جاهزية اليابان للكوارث من خلال تقديم إنذارات منقذة للحياة في الوقت المناسب.
تحذيرات الاستجابة المبكرة
تصدر الحكومة اليابانية تحذيرات بشأن جميع أنواع الطقس القاسي والزلازل والنشاط البركاني من خلال الهواتف المحمولة، وأنظمة مكبرات الصوت العامة المحلية، والمنصات الرقمية. ويسمح هذا النوع من الاستعداد للكوارث للمقيمين بالتحرك السريع لحماية أنفسهم.
فعلى سبيل المثال، يصدر تحذير من ضربة حر صادر عن وزارة البيئة ووكالة الأرصاد الجوية في مساء اليوم السابق أو صباح اليوم الذي يُتوقع فيه ارتفاع خطر التعرض للحرارة. ويُنشر هذا التحذير على مواقع الحكومة ومنصات مثل تطبيق الطقس من ياهو. ويمكن للمستخدمين المسجلين أيضًا تلقي التحذيرات عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات المراسلة. وفي أبريل 2024، تم تقديم تحذير خاص من ضربة حر لحالات الخطر الشديد.
أما بالنسبة للأحداث المفاجئة وغير المتوقعة مثل الزلازل والتسونامي أو الانفجارات البركانية، فيتم تفعيل نظام التحذير الوطني "Japan-Alert" فورًا عند اكتشاف الكارثة. وتُرسل نغمات تحذير وتعليمات للتصرف مباشرة إلى الهواتف المحمولة وأنظمة البث الطارئة في البلديات، مما يمكّن السكان من التحرك السريع لحماية أنفسهم.
الاستعداد للكوارث كأسلوب حياة
يصنّف تقرير المخاطر العالمية لعام 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الطقس القاسي كأكبر خطر طويل الأمد، وثاني أعلى خطر قصير الأمد في العالم. وتُظهر أبحاث أخرى أن الفيضانات زادت بنحو 2.3 مرة وموجات الحر بنحو 3.3 مرة في العشرين سنة الماضية مقارنة بالعشرين سنة السابقة بدءًا من عام 1980.
ويمثل هذا الارتفاع في الظواهر الجوية القاسية والكوارث الطبيعية تهديدات خطيرة للأرواح والاقتصادات واستقرار المجتمعات حول العالم. ويمكن أن تقلل التوقعات الدقيقة والاستجابات الفعالة المستندة إلى قرارات مدروسة من هذه المخاطر وتحافظ على مجتمع آمن ومرن.
وكما يقول المثل الياباني: "الاستعداد يخفف القلق"، فإن تحسين دقة التنبؤات وسرعة التحذيرات يمكن أن يعزز بشكل كبير من قدرة المجتمع على مواجهة الكوارث والاستجابة للطوارئ، وتقليل الأضرار التي تلحق بالأرواح وسبل العيش والمجتمعات.
ومع استمرار تغيّر المناخ في زيادة تكرار وشدة الكوارث الطبيعية، تمثل النهج المتقدم والاستباقي الذي تتبعه اليابان نموذجًا قويًا لبناء مجتمعات أكثر مرونة عند وقوع الكارثة. وبالاعتماد على خبرتها الطويلة في الاستعداد للكوارث، طورت اليابان استراتيجيات يمكن أن تساهم في تشكيل مجتمعات أكثر مرونة حول العالم.
