القائمة الرئيسية

الرياض تقود دفة تشكيل النظام الدولي الجديد

الرياض تقود دفة تشكيل النظام الدولي الجديد
ملخص المقال

هذا المقال يناقش استعداد الرياض لاستقبال قادة العالم في لقاء تاريخي يجمع بين الإرث الحضاري السعودي ورؤية استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية، وسط تحولات اقتصادية وجيوسياسية كبرى وتحديات تكنولوجية متسارعة. كما يسلط الضوء على التغيرات الدولية والصراعات بين القوى العظمى، مؤكداً على دور المملكة في تعزيز استقرار النظام الدولي عبر بناء جسور الثقة والحوار الحضاري. ويبرز المقال أهمية تبني سياسات تنموية مبتكرة لمواجهة الانقسامات الاقتصادية والتغيرات الديموغرافية وتداعيات التطورات التكنولوجية التي تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي. في هذا السياق، يُعد اللقاء المرتقب في الرياض فرصة محورية لإعادة ترتيب النظام العالمي وتحقيق رؤية مستقبلية تجمع بين الاستقرار والابتكار والتعاون الدولي.

تستعد الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية لاستقبال الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب و الروسي فلاديمير بوتين في لحظة تاريخية استثنائية تقود السعودية من خلالها بتوثب و شجاعة جهداً عالمياً لتحقيق التفاهم والسلم العالمي و تضع مكانها المرموق في نادي قادة تشكيل النظام العالمي الجديد.

المملكة العربية السعودية قادرة على قيادة دور مسؤول و موثوق في ظل هذه الأوضاع المتأرجحة وغير المسبوقة في قيادة النظام الدولي التي تتطلب دخول قادة بحجم و قدرة القيادة السعودية التي توفر التوازن والمرونة و بناء الثقة بين الأقران المتناحرين على قيادة العالم.

أفرزت الأحداث الحاسمة في المجال الجيوسياسي والاقتصادي وضعاً متأرجحاً للقيادة الجديدة للنظام الدولي الجديد واضحى مقعد القيادة خالياً و دفة القيادة بلا ربان.

الاضطرابات التي تشهدها اوروبا القارة العجوز في بوابتها الشرقية أوكرانيا، واقتصادها المهتز بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الضغط الأمريكي المهدد لسيادتها و مصالحها الحيوية، والدور الأمريكي المضطرب أمام قائمة من الاستحقاقات الوجودية السياسية والاقتصادية و الديموغرافية، تعيش أمريكا مرحلة من الاندفاع للعودة إلى العظمة المتوهمة لمن كان قبل بضع سنوات قائد العالم بأساطيله البحرية وحشودة العسكرية، ولطالما كانت متانته الاقتصادية و مدخراته العلمية والابتكارية منصة انطلاق لصناعاته التنافسية للنفاذ للأسواق العالمية و صمام أمان للدولار المتكئ على إرث بريتون وودز و الميزات التي خلفتها الحرب العالمية الثانية.

تناور الصين بقدراتها الصناعية وقوتها التصديرية الضاربة و تتوثب لتزيح الند الامريكي عن عرش قيادة الاقتصاد العالمي بناتجه المحلي الضخم، في حين ينظر الروس بحذر إلى مآلات التغيير الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية وموقفها من خصومها الاوربيين، ويترقب الروس كذلك موعد رفع العقوبات الاقتصادية على قطاع الطاقة الروسي، والترتيبات اللاحقة لتصفية الحرب الاوكرانية.

هذه النافذة المفتوحة لن تظل مشرعة لوقت طويل والتوثب السعودي المرتكز على قيم راسخة من الارث الحضاري والعمق العربي والإسلامي والقدرة الذاتية على الحوار الحضاري البناء مع الامم منذ أن قابل الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في الرابع عشر من فبراير قبل ثمانين عاماً وهي ارث مستمر تعكسه القدرات النوعية التي حققها المحاور والمفاوض السعودي للحفاظ على مصالحالمملكة ومكانتها على مدى عشرات السنين.

تقود المملكة أحد أكبر وأشمل وأعمق برامج التحول لتنويع مواردها و استثماراتها، مع التركيز على فطام اقتصادها عن ادمان الموارد الريعية السهلة من النفط من خلال تطوير اقتصاد صناعي تنافسي يدعم التصدير والعملة الوطنية ويقود تحول الطاقة العالمي بثقة و مسؤولية.

يمثل التواصل الحضاري أهمية كبرى للمملكة منذ التأسيس الأول الذي نحتفي بمرور ما يقرب من ٣٠٠ سنة عليه في مثل هذه الأيام، كان التواصل الحضاري وبناء التفاهم والتفاوض البناء ركيزة للدولة السعودية في أطوارها المختلفة منذ التأسيس. أدار المملك عبد العزيز طيب الله ثراه نموذجاً فريداً للتواصل الحضاري مع الأمم المؤثرة وكان تفاوضه مع القوى الدولية والإقليمية و لقاؤه مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في مثل هذا الشهر قبل ۸۰ عاماً بعد أفول الإمبراطورية البريطانية وادارته الحكيمة والاستراتيجية للحوار مع الدول والقبائل والمجتمعات مثالاً يحتذى في التواصل الحضاري رسخ الدور القيادي للملكة وموثوقيتها من خلال الحوار الذي أصبحنهجاً راسخاً على كافة المستويات في علاقات المملكة الدولية لخدمة أهدافها ومصالحها الاستراتيجية و السلم والتعاون العالمي.

يمثل لقاء الرياض المرتقب بين ترمب وبوتين فرصة مهمة لاعادة ترتيب النظام الاقتصادي العالمي ولحسن الحظ فان الجميع محتاجون للقائد السعودي الذي فرض ثقته لدى الأمريكيين والروس والصينيين والاوربيين على حد سواء.

التناقضات التي تموج بها المصالح و الاجندات التفاوضية لبوتين الذي يتطلع إلى رفع العقوبات الغربية لإنقاذ اقتصاده المحاصر و عينه على السوق الاوربية و هو ما يتعارض مع الرغبة ذاتها من ترمب الذي يريد الاحتفاظ بأوربا واسواقها تحت جناحه، انهاء الحرب الاوكرانية سيؤثر بلا شك على تماسك اوبك + التي أضحت ملاذاً لمنتجي النفط للحفاظ على الاستدامة الهشة للأسعار والحصص و استقرار الأسواق العالمية.

تحتفظ السعودية بقدرة ذاتية على جذب الصين بثقلها الاقتصادي والجيوسياسي إلى نادي الرياض لقادة العالم و الإمساك بالتوازن الفعال بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية لما يحقق المصالح المشتركة والاستقرار والسلم العالمي.

يتطلع القادمون إلى لقاء الرياض في اعادة تعريف النظام الدولي الجديد لأن النظام الحالي لم يعد يخدمهم، بالرغم من الضجة التي افتعلها ترمب حول التعرفات الجمركية فانه يدرك ان اقتصاد بلاده لم يعد اقتصاداً صناعياً و لم تعد التعرفات الجمركية العالية حلاً للانكفاء الاقتصادي لبلاده والتحديات الاقتصادية لفقدانه الميزة التنافسية للصناعة، بقدر ما يمثل توجهه للتهديد بالتعريفات العالية وسيلة ضغط و مسبار جس لردود الأفعال، وقد يمكن لقاء الرياض روسيا من الوصول المحدود لصادراتها من الغاز والنفط إلى السوق الأوروبية ولكن بطريقة لا تقوض حصة امريكا من هذه السوق الكبيرة، ولا يؤثر على تماسك تحالف اوبك + ، و ربما ستضمن ترتيبات لقاء الرياض للأوربيين حصولها على منتجات الشركات الأمريكية المصنعة للأسلحة و التقنيات العالية واشباه الموصلات.

تناور المملكة العربية السعودية بحذر وشجاعة على علاقاتها مع دول البريكس ولكنها تحافظ أيضاً على علاقاتها بالأنظمة المالية الغربية، قدرات السعودية الصلبة والناعمة وتوثبها للتموضع الاستراتيجي في سلاسل الإمداد لتصدير الطاقة و المنتجات الصناعية ودعم ميزان مدفوعاتها وتجارتها الدولية و عمليتها الوطنية.

لقاء قادة العالم بالرياض سيمضي قدماً في تصميم نموذج النظام العالمي الجديد بما في ذلك مستقبل أوروبا، وسيستوعب المصالح الاقتصادية للأنداد المتنافسين، وستحافظ المملكة العربية السعودية على نفوذها في دول البريكس لاسيما الصين و روسيا والهند ولكنها تظل مرتبطة أيضاً بالهياكل المالية الغربية.

يترنح العالم بين انكفاء العولمة وانعتاق الحمائية من قيودها الهشة و هي المرة الأولى التي تشهد الساحة الدولية هذا التجاذب والتنازع المفاهيمي الذي تقف المملكة العربية السعودية منه على مسافة واحدة بسبب قدراتها الذاتية لتبني الهوية الاقتصادية الملائمة للمرحلة والتفاعل المرن مع المصالح بهدف توسيع الأسواق لصادراتها والتموضع الاستراتيجي في سلاسل الإمداد الإقليمية و العالمية.

طالما سيطر الإيمان بفضائل التجارة الدولية وخطوات تشجيعها على سياسات معظم الحكومات الغربية منذ الحرب العالمية الثانية لاسيما بعد الكساد الكبير الذي تعمق وطال بسبب القيود الكثيرة على التجارة والتبادل التجاري، وبعد الانهيار شبه الكامل للتجارة الدولية خلال الحرب العالمية الثانية، شرع عالم خائف في بناء نظام تجاري جديد أقوى. كانت النتائج مثيرة للإعجاب: الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة، أو الغات الذي حلت محله في وقت لاحق منظمة التجارة العالمية، والجماعة الاقتصادية الأوروبية نواة الاتحاد الأوروبي واتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، أو اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية؛ والعديد من صفقات فتحالتجارة الأخرى.

في حين ارتفع إجمالي الناتج المحلي العالمي إلى 110 تريليون دولار ، و تجاوز الدين العام الدولي الناتج الإجمالي إلى سقف الـ 130 تريليون دولار ، ولا يزال التقدم موزعاً بشكل غير متساو بين الشمال والجنوب مما يهدد بتآكل مستويات المعيشة. والأسوأ من ذلك، أن الاقتصاد العالمي يواجه رياحاً معاكسة قوية يمكن أن تخنق النمو والابتكار والاستثمار، مما يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

في هذا التجاذب العالمي من المتوقع أن تنمو اقتصادات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان بنسبة تقل عن 3% سنوياً في المستقبل المنظور - وهي العتبة اللازمة لمضاعفة نصيب الفرد من الدخل في غضون جيل (25 عاماً). وفي الوقت نفسه من المتوقع أيضاً أن تشهد الاقتصادات الناشئة الكبيرة مثل البرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقياً نمواً بطيئاً خلال العقد المقبل.

ربما ينبغي على الحكومات وقادة الأعمال تعديل نماذجهم وافتراضاتهم وفقاً لذلك. في مواجهة التحولات الكبيرة في السياسة، سيحتاج المستثمرون إلى إعادة التفكير في استراتيجياتهم الاستثمارية وتحديد استراتيجياتهم لتخصيص الأصول التي يستثمرونها والتنقل في حقبة يحددها عدم اليقين و الضبابية الاقتصادية والجيوسياسية والنمو غير المتكافئ و ستكون هذه الرياح المعاكسة عائقاً مستمراً أمام النمو الاقتصادي خلال السنوات القادمة التي تتشكل بها ملامحالنظام العالمي الجديد.

من أكثر مخاطر إعاقة النمو العالمي تصاعد التوترات الجيوسياسية - لا سيما بين الولايات المتحدة والصين وروسيا -التي تفاقمت بسبب تهديدات إضافية من إيران وكوريا الشمالية. مع اتساع نطاق الخلاف بين الاقتصادات المتقدمة والنامية تنضم البلدان النامية بشكل متزايد إلى التحالفات الاقتصادية مثل كتلة بريكس، التي توسعت من خمسة أعضاء في بداية عام 2024 إلى تسعة أعضاء بحلول نهاية العام على المدى القريب هناك خطر متزايد من أن يتصاعد هذا الشد الجيوسياسي إلى صراع عسكري شامل.

على مدى السنوات الخمسين الماضية انتقل الاقتصاد العالمي من كونه أداةً إيجابية للازدهار إلى لعبة سياسية.

ازدهرت العولمة مدفوعة بالتعاون الاقتصادي والعالمي، حين وصلت إلى ذروتها خلال فترة توافق آراء واشنطن، والتي سلط الضوء عليها عند سقوط جدار برلين في عام 1989 وانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001. ولكن بعد الأزمة المالية لعام 2008 ، دخل العالم فترة سلبية، تميزت بانخفاض النمو، وتكثيف المنافسة، وتصاعد التوترات الدولية التي ازدادت بسبب جائحة كورونا وغزو روسيا لأوكرانيا وحرب غزة.

أدى اتساع الشقوق الجيوسياسية إلى ظهور نقاط ضعف عميقة. الصين، على سبيل المثال، هي واحدة من أكبر الدائنين الأجانب في أمريكا، حيث تمتلك الصين أكثر من 770 مليار دولار من سندات الخزينة الأمريكية. وهذا يعطيها نفوذاً كبيراً على الولايات المتحدة، التي يعتبرها صانعو السياسات بشكل متزايد منافساً سياسياً وأيديولوجياً.

على هذه الخلفية أدى السباق المكثف بين الصين والغرب على الهيمنة التكنولوجية في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية وأشباه الموصلات إلى كسر الاقتصاد الرقمي، مما أدى إلى ظهور ""شبكة الإنترنت"" العالمية الذكية.

مع عقود من التعاون المتعدد الأطراف تفسح المجال للتشطير و الانقسام الاقتصادي، أضعفت التحالفات الجديدة عبر البلدان النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ومؤسسات بريتون وودز، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

تعد كتلة بريكس الموسعة - بقيادة البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا - أهم هذه التحالفات، حيث تمثل أكثر من 40% من سكان العالم و %36% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وفي الوقت نفسه، تقوم المملكة العربية السعودية والقرى الصاعدة بإعادة تشكيل طرق التجارة العالمية، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد، وإعادة توجيه تدفقات الاستثمار، وتغيير توزيع وتسعير السلع الرئيسية مثل المواد الغذائية والمعادن الحيوية.

بالإضافة إلى خنق نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي تعيق هذه التصدعات الجيوسياسية الجهود الجماعية لمعالجة مخاطر المناخ، حيث لا تزال الاقتصادات المتقدمة والنامية منقسمة بشدة بشأن الحاجة الملحة إلى الإصلاحات التنظيمية والسياسية اللازمة لمكافحة تغير المناخ والنهوض بانتقال الطاقة النظيفة ونطاقها وعدوانيتها.

تتصارع العديد من الاقتصادات المتقدمة أيضاً مع تعميق الاستقطاب السياسي في الداخل وتمثل عودة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مرحلة من عدم اليقين على نطاق واسع وتعد بالكثير من التحولات السياسية الرئيسية.

وسط هذه العواصف الشعبوية، تتوتر ميزانيات الاقتصادات المتقدمة بشكل متزايد بسبب توسيع برامج الرعاية الاجتماعية ففي عام 2022 أنفق الاتحاد الأوروبي 3.1 تريليون يورو (3.3) تريليون دولار او ما يمثل 19.5% من ناتجه المحلي الإجمالي وحوالي 40% من إجمالي نفقاته - على الحماية الاجتماعية.

مع تزايد الطلبات على الميزانيات الحكومية، فإن تدهور الأوضاع المالية سيجعل من الصعب بشكل متزايد على العديد من البلدان توفير السلع العامة الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية.

من المرجح أن تعمق الضغوط المالية التي تواجهها المالية العامة و ميزانيات الدول هذا الاستقطاب وتؤدي إلى مزيد من تقلبات السياسات، لاسيما ضغوط المالية العامة التي تحفز الدول لرفع تكاليف الانتاج والمعيشة.

في حين أن الوتيرة السريعة للتقدم التكنولوجي، وخاصة الذكاء الاصطناعي التوليدي، لديها إمكانات هائلة لتعزيز الإنتاجية والنمو الاقتصادي، إلا أنها تنطوي أيضاً على مخاطر كبيرة. على الجانب المشرق يمكن أن يضيف الذكاء الاصطناعي 16 تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030 مما قد يبشر بأول دورة اقتصادية كبرى رئيسية منذ نصف قرن حيث كانت الدورة العظمى الأخيرة، التي بدأت في الثمانينيات مدفوعة بإعادة هيكلة سلاسل التوريد التي رافقت عقوداً من العولمة. ولكن منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ركدت مستويات إنتاجية البلدان المتقدمة مما ساهم في تدهورها الاقتصادي النسبي.

المؤشرات المبكرة للتأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي على الإنتاجية وكفاءة الشركات مشجعة للغاية حيث وجدت دراسة أجراها إريك برينو لفسون والمؤلفون المشاركون عام 2023 أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية زادت من إنتاجية العمال بنسبة 14% في المتوسط وبنسبة %34% للعمال الجدد ذوي المهارات المنخفضة. نظرا لأن الإنتاجية تمثل ما يصل إلى 60% من فروق النمو عبر البلدان، فإن هذه المكاسب تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يستعد ليصبح محركا قويا لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

الأخبار السيئة هي أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحل محل الملايين من العمال، مما يخلق طبقة دنيا عاطلة عن العمل واسعة. قدر تقرير جولدمان ساكس لعام 2023 أن الأتمتة يمكن أن تقضي على 300 مليون وظيفة بدوام كامل، في حين تشير دراسة استقصائية أجراها المنتدى الاقتصادي العالمي إلى خسارة صافية أصغر بكثير قدرها 14 مليون وظيفة. ومع ذلك، فإن الانتقال إلى عالم قائم على الذكاء الاصطناعي سيشكل تحديات غير مسبوقة لصانعي السياسات وقادة الأعمال.

علاوة على ذلك هناك مخاوف حقيقية من أن النمو السريع للذكاء الاصطناعي، إلى جانب الكميات الهائلة من الطاقة المطلوبة لتشغيل مراكز البيانات، يتعارض مع الجهود المبذولة للتخفيف من أسوأ آثار تغير المناخ وتحقيق انتقال سلس للطاقة. يحذر قادة الأعمال بالفعل من شبكات الكهرباء المكتظة وارتفاع أسعار الطاقة، مدفوعة بارتفاع تكاليف النقل والتوزيع. في عالم يعتمد بشكل متزايد على التقنيات كثيفة الاستخدام للطاقة، يمكن أن يكون لهذه التطورات عواقب بعيدة المدى.

على المدى القريب يمكن أن يؤدي الإفراط في الاستثمار إلى سوء تخصيص رأس المال بشكل كبير حيث يندفع المستثمرون للاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي.

خصصت "" الشركات التقنية السبع الكبرى "" الرائدة في أمريكا عام 2023 أكثر من 200 مليار دولار للبحث والتطوير، وهو ما يمثل أكثر من نصف إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير من قبل القطاعات العامة والخاصة وغير الربحية في أوروبا مجتمعة.

يبلغ معدل التشغيل الحالي للاستثمار في رأس المال الاستثماري في الذكاء الاصطناعي حوالي 60 مليار دولار، واستناداً إلى اتجاهات النمو الأخيرة، يمكن أن يتجاوز بسهولة 100 مليار دولار في المستقبل القريب.

من المرجح أن تكون الإيرادات اللازمة لتبرير هذا المبلغ من الاستثمار في حلود 25 مليار دولار سنوياً. بالنظر إلى عدم وجود ""تطبيق قاتل"" للذكاء الاصطناعي يبلغ معدل تشغيل إيرادات أوبن اي آي OpenAI حوالي 4 مليارات دولار فقط.

يبدو من المحتمل أن ينتهي الأمر باستثمارات كبيرة من رأس المال الجريء و الملكية الخاصة في الذكاء الاصطناعي إلى فقدان القيمة. بدلاً من ان تحصل على العوائد الموعودة فانه من المرجح أن تفشل العديد من الشركات، مما يؤدي إلى فقدان مبالغ هائلة من رأس المال.

يشهد العالم تحولات ديموغرافية عميقة تؤثر على كل من حجم سكان العالم وجودة القوى العاملة. وفقا للأمم المتحدة من المتوقع أن ينمو عدد سكان العالم من حوالي ثمانية مليارات اليوم إلى 10.4 مليار بحلول عام 2100. في حين أن هذا الرقم الرئيسي ملفت للنظر، إلا أنه يحجب الديناميات الأساسية التي إذا تركت دون معالجة، يمكن أن تقيد نمو الناتج المحلي الإجمالي.

أحد الاتجاهات المثيرة للقلق بشكل خاص هو العلاقة العكسية بين النمو السكاني والأداء الاقتصادي. تشهد البلدان ذات التوسع السكاني السريع نموا اقتصادياً أبطأ، في حين أن سكان الاقتصادات عالية الأداء يميلون إلى النمو ببطء أكثر. تمكن عدد قليل من البلدان من تحقيق كليهما النمو الاقتصادي والتوسع السكاني السريع، مما يثير مخاوف من أن نصيب الفرد من الدخل العالمي في مسار هبوطي.

الصين مثال رئيسي. يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين، الذي يحوم حاليا حول 5، إلى أقل من 3.5% بحلول عام 2029. وفي الوقت نفسه، تقدر الأمم المتحدة أن عدد سكان الصين سينخفض إلى أقل من 800 مليون نسمة بحلول عام 2100.

أما في أوروبا فان الاقتصادات البطيئة النمو مثل إيطاليا وفرنسا تعاني من فجوات سوق العمل وتراجع الانتاج بسبب معضلة انخفاض معدلات الخصوبة إلى الحد الذي يؤدي إلى الانكماش المتسارع للسكان على النقيض من ذلك، فإن العديد من البلدان الفقيرة لديها سكان أصغر سنا بكثير ولكنها تواجه آفاق نمو اقتصادي قائمة.

الاتجاهات السكانية لها تأثير كبير على ما ينتجه العالم ويستهلكه، و بالرغم من أن عدد سكان الهند قد تجاوز بالفعل عدد سكان الصين، إلا أن الهند لا تزال أفقر بخمس مرات من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. يشكل هذا التفاوت سلة الاستهلاك في العالم، حيث من المرجح أن يستهلك السكان الأكبر والأكثر فقرا منتجات أرخص، مثل الفحم بدلا من الطاقة المتجددة.

يمكن أن يؤدي متوسط العمر المتوقع الأطول، وانخفاض معدلات المواليد أيضاً إلى تقليص الناتج المحلي الإجمالي، حيث ينتج عدد أقل من العمال السلع بينما ينمو عدد المستهلكين. ينعكس هذا الاتجاه في نسبة الإعالة - حصة المعالين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما أو أكثر من 64 عاما بالنسبة للسكان في سن العمل - والتي زادت في جميع الاقتصادات الرئيسية. في الولايات المتحدة، ارتفعت النسبة من 51.2 معال لكل 100 فرد في سن العمل في عام 1990 إلى 54.5 في عام 2023 .

في حالة عدم وجود طفرة في المواليد أو زيادة الانفتاح على الهجرة، فإن فترات الحياة الطويلة ستضع ضغطاً إضافياً على أنظمة الضمان الاجتماعي والمعاشات التقاعدية المفرطة بالفعل.

حذر مكتب ميزانية الكونغرس الأمريكي بالفعل من أن الحكومة الفيدرالية ستكافح من أجل تمويل برامج الاستحقاقات مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية والرعاية الطبية بحلول عام 2030.

ومما زاد الطين بلة أن جودة القوى العاملة العالمية تتدهور حيث كشف برنامج تقييم الطلاب الدوليين التابع لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي لعام 2022 (PISA) عن انخفاضات حادة في درجات الرياضيات والعلوم والقراءة بين الطلاب في الاقتصادات الكبرى. احتلت الولايات المتحدة المرتبة 34 في الرياضيات من بين 81 دولة - أقل من متوسط منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي - بعد تسجيل بعض من أدنى الدرجات ""تم قياسها على الإطلاق بواسطة PISA"". في العلوم، احتلت الولايات المتحدة المرتبة 16 ) تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة 62 من (81).

منذ فترة طويلة تم الاعتراف بأن عدم المساواة عائق أمام النمو الاقتصادي، ليس فقط في الدخل والثروة ولكن أيضاً في الحصول على التعليم الجيد والرعاية الصحية والبنية التحتية.

أظهرت دراسة أجراها معهد السياسة الاقتصادية عام 2017 أن عدم المساواة يقلل من نمو الطلب الكلي بنسبة 2-4 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً بين أواخر السبعينيات و 2012. وبالمثل وجدت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أن ارتفاعاً بمقدار ثلاث نقاط في معامل جيني -

متوسط الزيادة عبر بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بين عامي 1985 و 2005 - من شأنه أن يبطئ النمو بنسبة 0.35 نقطة مئوية سنوياً لمدة 25 عاما، مما يؤدي إلى خسارة تراكمية للناتج المحلي الإجمالي بنسبة %8.5.

يمكن أن يعزى ارتفاع عدم المساواة داخل البلد جزئياً إلى انخفاض الحراك الاجتماعي. في الولايات المتحدة، وجدت الدراسات أن احتمال الانتقال من أسرة منخفضة الدخل إلى أسرة ذات دخل مرتفع قد انخفض بمقدار النصف على مدى عدة عقود. يساعد هذا الانخفاض في تفسير استياء الأمريكيين من العولمة، بالنظر إلى أن فوائدها ذهبت إلى حد كبير إلى المستثمرين وأصحاب الأعمال بدلا من العمال.

لأول مرة منذ عقود، يتزايد عدم المساواة بين البلدان أيضاً. وفقا لتقرير أوكسفام لعام 2023 ، فإن أغنى 81 مليارديراً في العالم أكثر ثراء من نحو 50% من سكان العالم. وفي الوقت نفسه، أدى تباطؤ النمو في البلدان ذات الدخل المنخفض إلى توقف التقارب الاقتصادي، مما أدى إلى توسيع التفاوتات العالمية.

أدت جائحة كورونا إلى تسريع هذه الاتجاهات، مما دفع ما يقرب من 100 مليون شخص إلى الفقر المدقع. ومع تركيز الوصول إلى الطاقة والتقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي في البلدان المتقدمة، تخاطر الاقتصادات الأكثر فقراً بالتأخر أكثر.

أصبحت الموارد الطبيعية - وخاصة الأراضي الصالحة للزراعة ومياه الشرب والطاقة والعناصر الأرضية النادرة - لا تفي باحتياجات تحول الطاقة والنقل والصناعة بشكل متزايد.

تاريخياً خفف الابتكار التكنولوجي من هذه المخاطر، ولكن الاضطرابات الجيوسياسية والتجزؤ الاقتصادي اليوم يهددان بتفاقم النقص، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتأجيج التضخم.

على جانب الطلب، ستستمر القوى طويلة الأجل مثل التحضر والنمو السكاني العالمي واستخدام الطاقة المرتبط بالذكاء الاصطناعي في دفع استهلاك مجموعة واسعة من السلع الأساسية. ولكن مع ندرة سلع الموارد الطبيعية سيتعين على الموردين اللجوء إلى المناطق النائية أو غير المستقرة سياسياً، مما يعني ارتفاع التكاليف والمخاطر.

من المهم أن نضع في اعتبارنا أن سلاسل توريد الموارد هشة بالفعل، تمثل الصين 60% من إنتاج العناصر التعدينية النادرة في العالم وحوالي 90% من المعالجة والتكرير مما يخلق ثغرات جيوسياسية كبيرة.

يواجه الوقود الأحفوري ديناميكيات مماثلة، ومع ذلك لا يظهر الطلب أي علامات على التباطؤ. يبلغ الاستهلاك العالمي للنفط حاليا حوالي 100 مليون برميل يومياً. إذا اعتمد جميع سكان العالم مستويات معيشة الأمريكي العادي، فإن الاستهلاك اليومي سيرتفع إلى 500 مليون برميل استناداً إلى مستويات الاستهلاك الأمريكي في عام 2023 - مما يشير إلى أن الأمريكيين الذين يشكلون 4.2% من سكان العالم يمثلون 20% من استهلاك النفط.

يمكن أن يوفر تسريع الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة حلاً محتملاً، ولكن الميزانيات الحكومية المتوترة والتكاليف الرأسمالية المرتفعة لا تزال تعيق التقدم.

إن إنفاق تريليوني دولار على الطاقة النظيفة والبنية التحتية في عام 2024، على الرغم من أنه معلم تاريخي، إلا أنه أقل بكثير من الإنفاق السنوي البالغ 5 تريليونات دولار اللازم لدرء كارثة المناخ.

مع ان الاحترار العالمي في طريقه إلى تجاوز 3 درجات مئوية بحلول عام 2100 - ضعف هدف 1.5 درجة مئوية الذي حددته اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015 - فانه لا يمكن إنكار الحاجة إلى إزالة الكربون، ومع ذلك فإن الاستثمارات لا تواكب ذلك.

إن السياسات المالية غير المستدامة لأكبر الاقتصادات في العالم تهدد بتأكل مستويات المعيشة حيث تثقل أعباء خدمة الديون كاهل الحكومات والمقترضين من القطاع الخاص

من المتوقع أن يصل الدين العام نهاية عام 2024 إلى 100 تريليون دولار، أو %93% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ومن المقلق أن نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قد تجاوزت بالفعل 100%

علاوة على ذلك تنفق الحكومة الأمريكية الآن على مدفوعات الفائدة أكثر من إنفاقها على الدفاع، ويتم مطاردة قروض الشركات والأسر والطلاب وبطاقات الائتمان والسيارات - التي يتجاوز كل منها تريليون دولار - بسبب شبح التخلف عن السداد.

يمثل العجز الفيدرالي الذي من المتوقع أن يصل إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 ، ما يقرب من ضعف المتوسط التاريخي لمدة 50 عاما البالغ %.3.7%.

والولايات المتحدة ليست وحدها، اذ تعاني العديد من الاقتصادات المتقدمة من عجز مالي كبير، مما يخلق عبء ديون يرفع تكاليف الاقتراض ويقلل من آفاق النمو العالمية.

يهدد التراجع عن العولمة ركائز النظام الاقتصادي الدولي التجارة وتدفقات رأس المال والهجرة والتعددية. من المرجح أن تؤدي التعريفات المقترحة من ترامب - بما في ذلك تعريفة بنسبة بين 10% و 25% على جميع السلع المستوردة وتعريفة بنسبة 60% على جميع الواردات الصينية - إلى تسريع هذه العملية عن طريق تأجيج التضخم وتعطيل التجارة العالمية وتقويض النمو.

من المؤكد أن تجزئة التجارة العالمية جار منذ سنوات، على الأقل منذ أن بلغت العولمة ذروتها حوالي عام 2007. في حين زادت أحجام التجارة منذ ذلك الحين، لا يزال النمو ضعيفا نسبياً حيث تفرض الحكومات في جميع أنحاء العالم التعريفات الجمركية والحصص والحواجز الأخرى، وتعيد التفاوض على الاتفاقيات التجارية، وتقسم إلى كتل تجارية حصرية بشكل متزايد.

تتعرض تدفقات رأس المال لضغوط متزايدة. وسط تصاعد التوترات الصينية الأمريكية، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن قيوداً على الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا الصيني.

ونتيجة لذلك يخصص المستثمرون المؤسسيون الأمريكيون حصة ضئيلة فقط من محافظهم إلى الصين. وفقا لدائرة أبحاث الكونغرس فقد احتفظ المستثمرون الأمريكيون بمبلغ 322 مليار دولار من الأوراق المالية الصينية طويلة الأجل في عام 2022 2023 - بانخفاض بنسبة 13.4% عن عام 2024.

كما أن انهيار النظام المتعدد الأطراف يكثف ضغوط الهجرة. على الرغم من تشديد قواعد الهجرة، لم تتمكن الدول الغربية من الحد من تدفق المهاجرين. تجاوز عدد النازحين قسرا 120 مليونا في عام 2024 - وهو رقم قياسي - ومع اندلاع نزاعات متعددة في جميع أنحاء العالم، من المقرر أن يرتفع هذا العدد.

على الرغم من هذه المخاطر فإن الظروف العالمية الحالية توفر فرصاً للمستثمرين وقادة الأعمال وواضعي السياسات، شريطة أن يخصصوا رأس المال بحكمة، ويديروا المخاطر بفعالية ويلتزمون ببعض المبادئ التوجيهية.

علاوة على ذلك تجد الشركات نفسها الآن تعمل في عصر التدخل الحكومي المتزايد، مع لوائح أكثر صرامة، وبرامج رعاية اجتماعية موسعة، وضرائب أعلى، وسياسات صناعية. ونتيجة لذلك من المرجح أن يتقلص القطاع الخاص.

هذا التحول جار بالفعل بشكل جيد. منذ عام 1996، انخفض عدد الشركات المتداولة في البورصة في الولايات المتحدة من 7000 إلى 3500 هناك تفسيرات متعددة لذلك - تتراوح من زيادة عمليات اندماج الشركات إلى الشركات التي تتجنب الأعباء التنظيمية للملكية العامة - ولكن النتيجة هي نفسها: انخفاض في اتساع وعمق أسواق رأس المال، مما يهدد بتقليص الاستثمار وإعاقة النمو الاقتصادي.

ومع ذلك، فإن الدورات المزدوجة الفائقة للذكاء الاصطناعي وانتقال الطاقة يمكن أن تتصدى لهذه الرياح المعاكسة و تعمل على إعادة تنشيط الاقتصاد العالمي. وفي غضون ذلك، يجب على صناع القرار أن يظلوا يقظين وأن يركزوا على تحقيق عوائد ذات مغزى من خلال تخصيص رأس المال بشكل استراتيجي وتحديد المشاريع القابلة للاستثمار الانتقائي الحكيم، وتوزيع الموارد بفعالية وبعد نظر، لاسيما معالجة عجز المالية العامة بسياسات حكيمة لا تعيق النمو و لا تكبل قدرات و موارد القطاع الخاص و تضرب التنافسية والاقتصاد الانتاجي في مقتل.

ولكن إذا استمرت هذه الاتجاهات مع السياسات قصيرة النظر فسيستمر الاقتصاد العالمي في التراجع عن وعود العولمة بالنمو و الازدهار، وستتراجع معدلات النمو المكونة من رقمين في أواخر القرن العشرين، والأخطر من ذلك أن يؤدي الركود المطول إلى انخفاض مستويات المعيشة، مما يزيد من خطر الاضطرابات الاجتماعية والسياسية.

دأبت الولايات المتحدة الأمريكية على تغيير هويتها الاقتصادية وفقاً لتحدياتها الاقتصادية فلطالما انتقلت 180 درجة في سلم الانفتاح والانغلاق الاقتصادي من العولمة إلى الحمائية المطبقة و التسلح بفرض التعريفات الجمركية المرتفعة.

تذكر كتب التاريخ انه وبناءً على أوامر من الرئيس الأمريكي ميلارد فيلمور في صيف عام 1853م قاد العميد البحري الأمريكي ماثيو بيري أربع سفن حربية في مهمة لإقناع اليابان بإنهاء سياستها الانعزالية التي استمرت لنحو 200 عام. عندما وصل إلى ما يُسمى الآن خليج طوكيو، وجه بيري إنذاراً نهائياً إلى شوغونية ""امارة"" توكوغاوا: إما الانفتاح على التجارة مع الولايات المتحدة الامريكية أو مواجهة العواقب.

كان وصول هذه ""السفن السوداء"" التي سميت بهذا الاسم على الدخان المظلم المنبعث من محركاتها البخارية التي تعمل بالفحم كان وصولها لحظة محورية في مواجهة هذا العرض المثير للإعجاب للبراعة التقنية حين مثلت القوة الصناعية التي مكنت بالفعل الإمبراطورية البريطانية من السيطرة على معظم أنحاء العالم - وافقت الشوغونية اليابانية حينذاك وعلى مضض على مطالب العميد الامريكي ماثيو بيري، مما أدى إلى توقيع معاهدة كاناغاوا في صيف عام 1854 . و بعد عام واحد، تلقت الشوغونية أول سفينة حربية تعمل بالمحرك البخاري من الهولنديين رمزاً للتقدير لانفتاحها التجاري.

و في حين أن التكنولوجيا يمكن أن تشكل تهديداً حقيقياً، فإنها تعمل أيضاً على تشغيل البنية التحتية الحيوية مثل المدارس والمستشفيات، فعلى مدى القرن الماضي، على وجه الخصوص أصبح الفرد والمجتمع مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمجموعة واسعة من التقنيات، بما في ذلك الأنظمة المترابطة مثل شبكات الطاقة والإنترنت والهواتف المحمولة والآن روبوتات الدردشة المزودة بدعم الذكاء الاصطناعي.

كما أظهرت بعثة بيري قبل مائتي عام ، فإن التكنولوجيا هي أيضا العمود الفقري للسيادة العسكرية للدولة. بفضل هيمنتها التكنولوجية، أصبحت الولايات المتحدة القوة العسكرية الرائدة في العالم، مع أكثر من 750 قاعدة في 80 دولة - ما يمثل ثلاثة أضعاف ما تملكه كل البلدان الأخرى مجتمعة.

لكن هذه الصورة لسيادة الدولة تتغير بسرعة. في حين أن السيادة المالية لأمريكا، التي يدعمها وضع الدولار كعملة احتياطية عالمية، لا تزال سليمة، فإن سيادتها الاقتصادية تواجه تحدياً متزايداً من قبل الصين الصاعدة.

من حيث تعادل القوة الشرائية، تجاوزت الصين الولايات المتحدة لتصبح أكبر اقتصاد في العالم في عام 2014. مع إنتاج التصنيع الذي اضحى يساوي تقريباً انتاج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين، وتعد الصين الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة.

تتنافس كلتا القوتين العظميين حاليا للسيطرة على تصميم وتطوير وإنتاج التقنيات الحيوية مثل أشباه الموصلات و الشرائح فائقة الدقة والذكاء الاصطناعي والبيولوجيا التركيبية والحوسبة الكمية والبلوكشين.

وقد أظهرت دراسة أجريت أواخر عام 2023 بتكليف من وزارة الخارجية الأمريكية، والتي تتعقب المساهمات البحثية عبر 64 تقنية ناشئة، أن الصين تتفوق على الولايات المتحدة في أكثر من 80% من هذه المجالات، تاركة الولايات المتحدة خلفها في المرتبة الثانية.

مع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين في الساحة التكنولوجية، ستضطر البلدان في جميع أنحاء العالم إلى اختيار جانب واعتماد التقنيات والمعايير والقيم وسلاسل التوريد المتميزة لحليفها المختار. يمكن أن يؤدي ذلك إلى حقبة جديدة من الاستعمار التكنولوجي، مما يقوض الاستقرار العالمي.

ومع ذلك، من الغريب أنه لم تتمكن الولايات المتحدة ولا الصين من السيطرة على صناعة أشباه الموصلات، لأن شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات (TSMC) وسامسونج في كوريا الجنوبية هما المصنعان الوحيدان القادران على إنتاج أشباه الموصلات أصغر من خمسة نانومتر لتغيير ذلك، تقوم كلتا القوتين العظمى ببناء ما نسميه دوائر السيادة التكنولوجية"" -مناطق النفوذ التي يجب على البلدان الأخرى الانضمام إليها للوصول إلى هذه التقنيات الحيوية.

على عكس الاستعمار القديم، لا يتعلق الاستعمار التقني بالاستيلاء على الأراضي ولكن بالسيطرة على التقنيات التي يدعمها الاقتصاد العالمي و نمط استهلاكنا وحياتنا اليومية. لتحقيق ذلك، تقوم الولايات المتحدة والصين بشكل متزايد بتقديم القطاعات الأكثر ابتكاراً وتعقيداً من سلاسل التوريد العالمية، وبالتالي إنشاء نقاط خنق استراتيجية للمنافسين حيثما كانوا الصين، على سبيل المثال، سيطرت على سلاسل التوريد للمواد الخام الحرجة والمعادن النادرة، مما مكنها من أن تصبح المنتج الرائد للسيارات الكهربائية في العالم. وفي الوقت نفسه، تقود الولايات المتحدة برامج تصميم الرقائق بفضل شركات مثل نفيديا. تحرص أوروبا أيضاً على ترسيخ أقدامها كلاعب رئيسي في هذا القطاع سريع التطور. بالإضافة إلى استضافة الشركة الهولندية ASML ، التي تنتج أنظمة الطباعة الحجرية فوق البنفسجية الحاسمة لتصنيع الرقائق المتقدمة، فإن الاتحاد الأوروبي هو مستورد صاف للمواهب البحثية للذكاء الاصطناعي. كما أنها موطن لمزيد من طلاب العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وعلماء الكمبيوتر وتخلق بلدانها المزيد من الشركات الناشئة أكثر من الولايات المتحدة و إن كانت اقل أثراً في الريادة التقنية والابتكار.

اصبح واضحاً أن سلاسل الإمداد العالمية تقود السيطرة على مفاصل التجارة العالمية من خلال تعقيدها المتنامي و ارتباطها الجيوسياسي و عندما يثبت أن النقل مستحيل، تعمل دوائر السيادة التقنية كشكل آخر أكثر مرونة و قدرة على اختراق الحدود من خلال زراعة التبعيات غير المتماثلة والراسخة بعمق في النسيج الصناعي والتقني وتدفع البلدان بشكل فعال إلى العبودية التقنية والاقتصادية.

المملكة المتحدة هي مثال رئيسي ففي عام 2020 أجبرت الولايات المتحدة المملكة المتحدة على استبعاد شركة التكنولوجيا الصينية هواوي من شبكة الجيل الخامس، مهددة بقطع الوصول إلى جهاز الاستخبارات الأمريكي وبرامج تصميم الرقاقات.

وبالمثل تم الضغط على هولندا لوقف تزويد الصين بآلات تصنيع الشرائح ASML في أوائل يناير. رداً على ذلك، شددت الصين قبضتها على المواد الحرجة من خلال تقييد صادرات الغاليوم والجرمانيوم، وهي مدخلات رئيسية للرقائق الدقيقة والألواح الشمسية.

يمكن لكل بلد أن يواجه قريباً لحظة السفينة السوداء التي تخنق ما تبقى من السيادة الوطنية كالتي واجهتها اليابان قبل مائتي عام.

أولئك الذين لا يملكون الحماية التي توفرها ملكية التقنيات الأساسية والعلوم السيادية ومحاضن صناعة العلماء يخاطرون بأن يصبحوا مستعمرات تقنية، ويخدمون احتياجات ملوكهم و مستعمريهم التقنيين من خلال إجبارهم على استهلاك تقنيات تؤثر على راه شعوبهم ومستقبلهم الصناعي اذ يمكن ينتهي بهم المطاف خدماً لأسياد الصناعة و سلاسل الإمداد.

قد ينتهي بهذه البلدان المطاف إلى التقاط فتات الصناعات الاستهلاكية او الركون إلى الصناعات التقليدية والأساسية او تصنيع الإلكترونيات البسيطة، أو تكرير المعادن، أو وضع العلامات على مجموعات البيانات، أو استضافة الخدمات السحابية لإمدادها بالطاقة الرخيصة من المناجم المادية إلى مناجم البيانات.

ستجد البلدان التي لا تتماشى مع الولايات المتحدة أو الصين نفسها هبطت إلى وضع المناطق النائية التقنية الفقيرة والمستعمرة و ربما المعزولة عن اسباب التقدم والرفاه.

وسط التوترات الجيوسياسية المتزايدة، تعد التقنيات الناشئة مثل الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي والبلوكشين والبيولوجيا التركيبية بدفع حدود الاكتشاف البشري. والسؤال الرئيس هو ما إذا كانت هذه الابتكارات التكنولوجية سيتم التحكم فيها من قبل عدد قليل مختار كأدوات للإخضاع و انتهاك السيادة الوطنية.

بدلا من الدخول في حقبة من الاستعمار التكنولوجي المدمر يمثل الاستعمار التقني أحدث تكرار للهيمنة العالمية. هل سنصبح مهندسين لهلاكنا في براثن الاستعمار الجديد، أم أبطال مستقبل أكثر إشراقاً ؟ للأفضل أو الأسوأ، الجواب في أيدينا.

يمكن أن تساعد هذه التقنيات الجديدة في تنشيط نظامنا الدولي القائم على القواعد ورفع مستوى الحكم الجماعي.

ولتحقيق ذلك تعمل المملكة العربية السعودية على أن نستبدل السفن الأمريكية السوداء اليوم بشيء لم تخترعه البشرية بعد إطار للتعاون المشترك على أساس ركيزة موحدة للمصالح البشرية. يجب أن يعكس هذا الإطار ترابطنا المتزايد و اعتمادنا على التعاون والتكامل لمواجهة التحديات الاقتصادية و الجيوسياسية العالمية التي تعصف بالعالم من الحرب والانتشار النووي إلى الأوبئة و الفقر والفساد.

مقالات ذات صلة