القائمة الرئيسية

كتاب الكيمياء غير العضوية

كتاب الكيمياء غير العضوية
ملخص الكتاب

الكيمياء غير العضوية هي فرع من الكيمياء يشمل دراسة جميع العناصر والمركبات باستثناء الهيدروكربونات التقليدية، مع اهتمام خاص بالعلاقات بين العناصر، والتفاعلات التناسقية، والروابط المختلفة مثل سيجما وباي ودلتا. تختلف الكيمياء غير العضوية عن الكيمياء العضوية من حيث الأرقام التناسقية والأشكال التناسقية المعقدة، كما تشمل مركبات تجمع بين الكربون والفلزات في سياقات مختلفة مثل الحلقات الأروماتية والمركبات العنقودية. يُظهر هذا المجال ترابطًا مع الكيمياء الحيوية، البيئية، والعضو-معدنية، ويغطي مواضيع واسعة تمتد من دراسة نشأة العناصر في الكون وفق نظرية الانفجار الكبير إلى تشكيل المركبات المعقدة في النظم الطبيعية والصناعية.

1-1 ما الكيمياء غير العضوية؟

إذا تم تعريف الكيمياء العضوية بأنها كيمياء الهيدروكربونات ومشتقاتها، فإنه يمكن تعريف الكيمياء غير العضوية بأنها كيمياء كل شيء آخر»، بمعنى أنها تشمل العناصر الكيميائية جميعها بما فيها الكربون الذي يلعب دورا كبيرا في الكثير من المركبات غير العضوية تشكل الكيمياء العضو معدنية، وهي من المواضيع المتزايدة النمو والانتشار، جسرا بين الكيمياء العضوية وغير العضوية، وذلك باهتمامها بمركبات ذات روابط فلز - كربون مباشرة واحتوائها على حفازات للعديد من التفاعلات العضوية وتربط الكيمياء الحيوية غير العضوية الكيمياء الحيوية بالكيمياء غير العضوية، كما تشمل الكيمياء البيئية دراسة كل من المركبات العضوية وغير العضوية. يمكننا تصور أن حقل الكيمياء غير العضوية يشمل مجالات واسعة جدا، مما يوفر حدا لا متناهيا للبحث.

2-1 التباين مع الكيمياء العضوية

من المناسب إجراء بعض المقارنات بين كل من الكيمياء العضوية وغير العضوية، إذ توجد الروابط الأحادية. والمزدوجة، والثلاثية في الحالتين كما يبين ذلك الشكل 1-1، وهي تشمل روابط فلز - فلز ، وفلز - كربون المباشرة في المركبات غير العضوية. وعلى الرغم من أن العدد الأقصى للروابط بين ذرتي كربون هو ثلاثة، فإننا نجد الكثير من المركبات غير العضوية تشمل روابط رباعية بين ذرات الفلز، إضافة لروابط سيجما وباي المعروفة في المركبات العضوية، نجد الروابط الرباعية بين ذرات الفلز، المكونة من رابطة دلتا (∂) كذلك ( الشكل 1-2). وهذه الروابط الرباعية هي خليط من رابطة سيجما ، ورابطتي باي، ورابطة دلتا.

إن احتواء ذرات الفلز على مدارات d لاستعمالها في عملية الربط يمكن من تكوّن رابطة دلتا في هذه الحالات في حين تستخدم مدارات ، و p فقط في عملية الربط لذرة الكربون.

ترتبط ذرة الهيدروجين في المركبات العضوية في الغالب بذرة كربون واحدة. أما المركبات غير العضوية وخصوصا مركبات عناصر المجموعة 13 (IIIA) ، فمن الممكن وجود ذرة الهيدروجين كذرة رابطة بين ذرتين أو أكثر. وهذه الذرات الرابطة قد تحدث أيضًا في المركبات الفلزية العنقودية، بحيث تشكل ذرة الهيدروجين ربطا بين وجوه أو حواف مضاعفة الأوجه لذرة ما.

وقد تقوم مجموعات الألكيل بدور ربط كذلك في المركبات غير العضوية، الأمر الذي يعد نادر الحدوث في المركبات العضوية ( عدا المركبات الوسيطة المتشكلة خلال تفاعل ما ) . يوضح الشكل 1-3 مجموعة من الأمثلة على ذرات الهيدروجين، ومجموعات الألكيل الطرفية والتجسيرية في المركبات غير العضوية.

يشكل كل من الرقم التناسقي وأشكال المركبات مجالاً واضحًا للاختلاف بين كيمياء الكربون وكيمياء العناصر الأخرى، فعلى الرغم من أن الحد الأقصى للرقم التناسقي للكربون هو 4 أربع ذرات ليجاند مع الكربون كحد أقصى (CH) ، فإن المركبات غير العضوية ذات الأرقام التناسقية 5 ، أو 6 ، أو 7 ، أو أكثر هي مركبات معروفة، ونجد أن الشكل التناسقي الأكثر شهرة هو الترتيب الثماني الأوجه حول الذرة المركزية كما في [TiF] في الشكل 1-4.

إضافة إلى ما سبق، تقدم المركبات غير العضوية أشكالاً تناسقية مختلفة عن نظيرتها للكربون. على سبيل المثال، وعلى الرغم من أن الكربون ذا الرقم التناسقي 4 رباعي الأوجه، فإن الفلزات وغير الفلزات الأخرى ذات الرقم التناسقي 4 تكون أشكال كل من رباعي الأوجه والمسطح المربع تسمى المركبات كمعقدات تناسقية عندما يكون الفلز هو الذرة المركزية، ويكون مرتبطا مع أيون سالب أو جزيء متعادل ( عادة من خلال N ، أو O ، أو S). بينما عندما يكون الكربون مرتبطا بشكل مباشر مع ذرات أو أيونات الفلز، فإنها تسمى المركبات العضو معدنية. 

تتخذ مركبات الكربون ذات الرقم التناسقي 4 عادة شكلا رباعي الأوجه، وهذا الشكل يكون بصورة مختلفة في المركبات غير العضوية، فمثلا مركب الميثان يحتوي على أربع ذرات هيدروجين بشكل رباعي الأوجه حول الكربون كذلك يتخذ عنصر الفسفور (P) أيضًا شكلا رباعي الأوجه، ولكن دون وجود ذرة مركزية. يوضح الشكل 1-4 بعض الأمثلة المركبات غير عضوية. 

قد ترتبط الحلقات الأروماتية المعروفة في المركبات العضوية، وكذلك مجموعات الأريل مع الفلزات بروابط أحادية، لكن ارتباطها قد يحدث بطريقة مختلفة باستخدام مدارات بأي كما هو مبين في الشكل 1-5. بحيث تكون ذرة الفلز مرتبطة فوق مركز الحلقة كأنها معلقة في الفراغ، وقد تتمركز بين حلقتين في بعض الحالات كما في الشطائر ( السندويش) . ويؤدي في بعض الحالات لتكوين ما يسمى الشطائر المضاعفة الطبقات بين الفلزات والحلقات الأروماتية، ويلعب الكربون دورًا غير عادي في العديد من المركبات العنقودية بحيث تكون ذرة الكربون في منتصف متعدد الأوجه المكون من ذرات الفلز.

 يوضح الشكل 1-6 بعض الأمثلة على مركبات عنقودية يتمركز بها الكربون.

تشكل محاولة تفسير هذا التباين لدور الكربون في هذه المركبات عن الدور المتعارف عليه في المركبات العضوية وكيفية تفسير ارتباط الكربون بذرات الفلز المحيطة - تحديا كبيرا أمام المختصين بالكيمياء النظرية غير العضوية. يناقش الفصل الخامس عشر صور الترابط في هذه المركبات العنقودية من وجهة نظر المدارات الجزيئية.

إضافة لذلك، ظهرت خلال العقد الماضي بوادر مجموعة جديدة من المركبات العنقودية للكربون وهي الفوليرينات Fullerenes وأشهرها مركب C60 المسمى بكمنستر فوليرين Buckminster fullerene ، والذي يشكل محورا أساسيا للعديد من المشتقات  الشكل (1-7) .

ليس هناك خطوط فاصلة واضحة بين فروع الكيمياء المختلفة فكيميائيو فرع الكيمياء العضوية يهتمون بمعظم مواضيع هذا الكتاب مثل كيمياء الأحماض والقواعد، والتفاعلات العضو معدنية. في حين يهتم كيميائيو الكيمياء التحليلية بمواضيع مثل تفاعلات الأكسدة والاختزال، والأطياف، وعلاقات الذائبية. أما كيميائيو فرع الكيمياء الفيزيائية فإنهم يميلون إلى مواضيع أخرى مثل تحديد البناءات، والأطياف، ونظريات الترابط. كما يشكل استخدام الحفازات العضو معدنية نقطة اتصال مع كيمياء البترول والمبلمرات، ويوفر وجود المركبات التناسقية مثل الهيموجلوبين والإنزيمات المحتوية على فلزات رابطا مماثلا مع الكيمياء الحيوية. يظهر هذا النقاش بعض التداخلات بين الكيمياء غير العضوية، وحقول الكيمياء الأخرى المختلفة، ولا يقصد به وصف أجزاء بسيطة من الموضوع. تناقش بقية الفصل بدايات الكيمياء غير العضوية منذ تكون العناصر حتى الوقت الحاضر ويقصد من هذا التأريخ القصير تزويد القارئ بحس يربطه بالماضي عن طريق إدراج بعض مواضيع الكيمياء غير العضوية خلال سياق تاريخي أكبر وللسبب نفسه، فقد تم إضافة نبذة تاريخية عن بعض المواضيع في الفصول القادمة. وبما أن الوقت والمكان لا يسمحان بمزيد من التأريخ، إلا أننا نود أن نتجنب الانطباع بأن أي جزء من الكيمياء قد يكون نتيجة جهد شخص واحد، أو أنه قد ظهر فجأة. وعلى الرغم من أن بعض الأحداث مثل نظرية جديدة أو نوع جديد من المركبات أو التفاعلات قد يعرف لاحقا بأنه سبب تغيرا ملموسًا في نشأة الكيمياء غير العضوية وتطورها. فإن الأفكار الجديدة جميعها قد بنيت على إنجازات سابقة. ففي بعض الحالات، تم فهم الملاحظات التجريبية في الماضي على ضوء تطورات نظرية جديدة، وفي حالات أخرى، كانت النظرية موضوعة مسبقا، جاهزة لتفسير مركبات أو ظواهر جديدة.

3-1 نشأة العناصر (الانفجار الكبير) وتكون الكرة الأرضية

نبدأ دراستنا للكيمياء غير العضوية بنشأة العناصر وخلق الكون من بين المهام الصعبة التي تواجه من يحاول تفسير نشأة الكون هي الأسئلة الحتمية مثل: ""ماذا عن الوقت قبل الخلق؟"" و ""من أين أتت المادة أو الطاقة اللازمة؟"". تعني فكرة وجود نشأة عند وقت معين، أنه لم يوجد أي شيء قبل تلك اللحظة، فلا يتوقع من أي نظرية تحاول تفسير نشأة الكون، أن تمد الزمن بعيدا للخلف. تفضل الآراء الحالية نظرية الانفجار الكبير على نظريات النشوء الأخرى، على الرغم من وجود الكثير من النقاط الخلافية التي لم يتم تفسيرها حتى الآن. ومع أن النظريات الأخرى مثل نظريات الحالة الثابتة أو المتذبذبة لها أنصارها ، فإن نشأة الكون لا تزال مصدرا للاختلاف و الدراسة.

بدأ الكون قبل حوالي 10 × 1.8 سنة بتركيز شديد للطاقة في حيز صغير للغاية، وذلك بحسب نظرية الانفجار الكبير. في الواقع، فإنه إذا عدنا بالزمن إلى نقطة بداية الكون، نجد أنه يلزم حجمًا مساويا لصفر، ودرجة حرارة لا متناهية في الصغر، مما يضيف مصدرا آخر للخلاف حول صحة هذا الكلام أو خطئه. اتفق الجميع على أن الكون يتمدد بشكل سريع مبتعدا عن نقطة البداية، بحيث تتكون النيوترونات (فترة عمر النصف تساوي 11.3 دقيقة ) ثم تضمحل سريعًا إلى بروتونات والكترونات، ومضادات النيوترينو:

في هذه المعادلات وما يتبعها :

يستخدم الاصطلاح التالي لوصف الأنوية: 

تكون الكون بعد حوالي ثانية واحدة، من خليط من البروتونات والنيوترونات والإلكترونات والنيوترينوات والفوتونات، مع عدم تكون ذرات بسبب الحرارة الشديدة، مما أدى إلى تكوين تفاعلات نووية سريعة، وعندما انخفضت درجة الحرارة إلى 10 أس 9 K­ ، حدثت التفاعلات التالية خلال دقائق

حيث كان التفاعل الأول هو التفاعل المحدد؛ لأن التفاعل العكسي كان سريعًا. تؤدي دراسة السرعة لهذه التفاعلات إلى معرفة أن نسبة 1/10 = He/H ، وهي النسبة المعروفة بالنسبة للنجوم الحديثة التكون. مع مرور الوقت، انخفضت درجة الحرارة بما فيه الكفاية سامحة للجسيمات الموجبة بالتقاط الإلكترونات لتشكيل ذرات وتتفاعل هذه الذرات مع الإشعاع الكهرومغناطيسي بصورة أقل حدة من الجسيمات دون الذرية. لذا من الممكن أن تتفاعل الذرات مع بعضها الآن بشكل مستقل عن الإشعاع. ثم بدأت هذه الذرات بالتكاثف لتكوين النجوم، وتحرك الإشعاع مع الكون المتوسع سبب هذا التوسع حصول إزاحة حمراء تاركا إشعاع الخلفية بأطوال أمواج في مدى الميلليمتر، وهو ما يميز درجة حرارة 2.7 تم ملاحظة هذا الإشعاع عام 1965 من قبل بنزياس وويلسون، ويعد دليلاً داعما لنظرية الانفجار الكبير.

تبين التفاعلات التالية كيفية تكون هذه الأنوية، في عملية تسمى حرق الهيدروجين:

بدأت المادة المتوسعة المتكونة من هذه التفاعلات بالتجمع معا في عناقيد المجرات، ومن ثم إلى نجوم أكثر كثافة، حيث حافظ ضغط الجاذبية على درجة حرارة عالية، وشجع على المزيد من التفاعلات. وأدى وجود الهيدروجين، والهيليوم مع العديد من البروتونات والنيوترونات لتكوين العناصر الأثقل بشكل سريع. تستمر التفاعلات المكونة لـ H² و He³ ، وHe اس 4.

إلى جنب مع التفاعلات التي تكون أنوية أثقل. وفي ظل هذه الظروف، تحدث تفاعلات حرق الهيليوم التالية:

من الممكن وجود حلقة الكربون النيتروجين في النجوم الأكبر حجمًا ( ذات درجة حرارة 10 × 6 k)

حيث تكون المحصلة النهائية لهذه الحلقة تكوين الهيليوم من الهيدروجين، بوجود أشعة جاما والبوزيترونات والنيوترينات كمنتج جانبي. إضافة إلى ذلك، تتكون عناصر أثقل.

وتحدث المزيد من التفاعلات عند درجات حرارة أعلى:

لتكوين عناصر أثقل، بحيث تعتمد كميتها الفعلية على العلاقة المعقدة بين استقرارها المتأصل ودرجة حرارة النجم وعمره.

لمنحنى الاستقرار المتأصل للأنوية قيمة عظمى عند Fe ، مما يفسر الوجود النسبي العالي للحديد في الكون. إذا استمرت هذه التفاعلات بشكل لا نهائي، فإن النتيجة ستكون هيمنة شبه كاملة للعناصر القريبة من الحديد على العناصر الأخرى. تتباطأ هذه التفاعلات أو تتوقف مع نقصان درجة حرارة الكون. وبالتالي تتكون عناصر أخف وأثقل. تتكون عناصر برقم ذري أكبر نتيجة إضافة نيوترونات للنواة، يليها انحلال انبعاث الإلكترون. وتكون إضافة النيوترونات بطيئة في بيئة ذات كثافة نيوترونات منخفضة، في حين يمكن إضافة 10-15 نيوترونا في وقت قصير في بيئة نجمية ذات كثافة نيوترونات عالية. وتكون النواة الناتجة غنية بالنيوترونات.

 

تتكون العناصر الثقيلة جدا أيضًا نتيجة تفاعلات مشابهة، فبعد إضافة النيوترونات، يؤدي انحلال بيتا B خسارة إلكترونات من النواة عندما يتحول النيوترون إلى بروتون والكترون) إلى أنوية ذات أرقام ذرية أعلى. يوضح الشكل 1- الوجود الطبيعي الكوني لبعض العناصر. شكلت قوة الجاذبية، إضافة للدوران السحابة المتوسعة من المادة إلى مجرات لولبية مسطحة نسبيا تحتوي كل منها على الملايين من النجوم، بعضها انفجر مثل السوبر نوفا (Supernova) مبعثرة موادها على نطاق واسع، تبعها تراكم تدريجي لبعض هذه المواد على شكل كواكب. وتوقف تكوين العناصر الثقيلة نتيجة للحرارة الأقل على هذه الكواكب، وأصبحت تفاعلات انحلال النظائر المشعة غير المستقرة هي التفاعلات السائدة. 

 

كتب ذات صلة