القائمة الرئيسية

كتاب أعرف من أنت ورأيت ماذا فعلت مواقع التواصل الاجتماعي وفقدان الخصوصية

كتاب أعرف من أنت ورأيت ماذا فعلت مواقع التواصل الاجتماعي وفقدان الخصوصية
ملخص الكتاب

يناقش الكتاب تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الخصوصية والحياة العامة، مسلطًا الضوء على دورها المتزايد في تشكيل المجتمعات وتغيير الديناميكيات الاجتماعية والسياسية. يعرض كيف أصبحت هذه المنصات ""أممًا"" رقمية لها نفوذ سياسي واقتصادي كبير، حيث يستخدمها الأفراد والحكومات لتحقيق أهداف متعددة تتراوح بين تعزيز المشاركة السياسية إلى إساءة استغلال المعلومات لأغراض ضارة. كما يتطرق إلى المخاطر المرتبطة بفقدان الخصوصية، واستغلال البيانات الشخصية، والتحديات الأخلاقية الناتجة عن استخدام هذه الشبكات، مع الإشارة إلى الأمثلة الواقعية التي توضح تأثيرها على حياة الأفراد والمجتمعات.

أمة (الفيس بوك)

عندما أصبح ديفيد كاميرون رئيساً للوزراء في بريطانيا، حدد موعداً مع رئيس دولة أخرى، هو مارك زاكير بيرغ. نعم، مارك زاكير بيرغ ذاته الطفل الملياردير المعجزة، مؤسس موقع فيس بوك ) . ناقش رئيس الوزراء ديفيد كاميرون ورئيس (فيس بوك) مارك زاكير بيرغ خلال الاجتماع الذي عقد في (10) داونينغ ستريت) ، سبل استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، في تسلم بعض المهمات الحكومية المعينة، وإبلاغ صانعي السياسيات العامة.

وبعد مرور شهر على ذلك الاجتماع، عقد كاميرون وزاكير بيرغ محادثات المتابعة ما تم في الاجتماع الأول، بنت على موقع ( يوتيوب ) لاحقاً. كان كاميرون يرتدي بذلة وربطة عنق، في حين ارتدى زاكير بيرغ بلوزة زرقاء قطنية . قال كاميرون لزاكير بيرغ واصفاً المخاوف المالية للمملكة المتحدة: لدينا مشكلة كبيرة في هذا الشأن.

شرح زاكير بيرغ كيف يمكن استعمال ( الفيس بوك ) بصفته قاعدة لخفض الإنفاق، وزيادة المشاركة العامة في العملية السياسية قائلاً: «ما أعنيه هو أن كل هؤلاء الناس، لديهم أفكار مبتكرة وكم هائل من الطاقة يرغبون المشاركة فيها ، وأعتقد أن الفيس بوك ) بالنسبة إلى كثير من الناس مجرد وسيلة سهلة ورخيصة جداً لتواصل أفكارهم.

رد كاميرون: منتهى الذكاء».

وخلال عام واحد فقط، أصبح لزاكير بيرغ دور مع صناع القرار السياسي. فقد حضر في مايو من عام 2011م، قمة الدول الثماني العظمى الاجتماع السنوي لقادة الدول العظمى ( سميت تيمناً بالاقتصادات الثمانية الرائدة في العالم: فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وألمانيا. واليابان، وإيطاليا، وكندا، وروسيا ). وقد نقلت وسائل الإعلام أن قادة العالم، بدءاً من المستشارالألمانية أنجيلا ميركل ووصولاً إلى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، كانوا يخافون زاكير بيرغ أكثر مما كان يخافهم هو و ) . وقد . لخص زاكير بيرغ كيف أ ، أدى ( الفيس بوك ) دوراً في الحركات الديمقراطية في أنحاء العالم كافة، وفرض شروطه السياسية الخاصة، وحث المسؤولين الأوروبيين على التراجع عن عزمهم ووضع خطة لتقنين شبكة الاتصالات ( الإنترنت) . قال زاكير بيرغ: يقول الناس لي: إن الدور الكبير الذي قمت به خلال الربيع العربي كان مميزاً ، ولكن من ناحية أخرى فإن إتاحة المشاركة، وجمع هذا الكم من المعلومات يثير المخاوف من الغريب أن يعد مارك زاكير بيرغ رئيس دولة. ربما يكون هذا صحيحاً ، لكن ( الفيس بوك ) يملك نفوذ أمة وقدرتها كاملة. فهو يعد بأعضائه البالغ عددهم سبعمئة وخمسين مليون شخص، ثالث أكبر أمة في العالم فيه مواطنون، واقتصاد وعملة، ونظام لفض النزاعات، وعلاقات مع أمم ومؤسسات أخرى.

أحسست بوجود مكيدة بعد مواقع التواصل الاجتماعي أمماً قائمة بحد ذاتها، وبعد أن شاهدت الفيديو الذي يحوي النقاش الذي دار بين كاميرون وزاكير بيرغ، بدأت أتساءل: ما نوع الحكومة التي تقود ( الفيس بوك ) ؟ وما سياساتها؟ ونظراً إلى أنها تعد أمة، فهل لدى هذه الأمة دستور ما؟ ينجذب الناس إلى ( الفيس بوك ) ، مثلما انجذب المستوطنون الأوائل إلى أي أمة حديثة العهد بحثا عن الحرية. وتزيد مواقع التواصل الاجتماعي الفرص للناس؛ فقد يغدو شخص عادي مراسلاً إخبارياً، ينبه العالم عند وقوع كوارث طبيعية أو أزمات سياسية، أو قد يصبح محققاً يساعد الشرطة على حل الجرائم. وبإمكان صناع الأفلام والموسيقيين المبتدئين أيضاً، أن يعرضوا أعمالهم على عدد كبير من المتتبعين على مواقع التواصل الاجتماعي.

تستغل مواقع التواصل الاجتماعي الطاقات الموجودة لدى الناس بصورة جديدة، وأعادت تعريف الفن؛ وذلك بعرض الفرق الموسيقية والكتاب مسودات أعمالهم ، واستغلال رأي الجمهور لتغيير الموسيقا، وكلمات الأغاني، وأحداث القصص. يمكن لأي كان أن يغدو عالماً، ويشارك في مشروع بحث عن طريق استغلال رأي الجمهور. وأما ما يعرف بـ ( جالاكسي زوو) ، فقد صنف أناس من العامة معلومات مليون مجرة، ونشروا النتائج في مقالات علمية. ويستغل ( الفيس بوك) رأي الجمهور لترجمة محتواه إلى لغات جديدة، علاوة على ذلك تقدم مواقع التواصل الاجتماعي طرقاً جديدة لتمكين العامة من التفاعل مع الحكومة، فقد طلب البيت الأبيض آراء متتبعيه على موقع ( تويتر ) عن قانون الضريبة. أنشأ بعدها موظف من المجلس الاقتصادي الوطني مدونة تتضمن عناوين إلكترونية لأسئلة طرحها المتتبعون بصفتها نوعاً من الطرح والمناقشة في المنحى الذي يجب أن تتخذه السياسة الضريبية. ووضعت شبكة التواصل الاجتماعي التي أنشأتها مدينة سان فرانسيسكو عام 2011م، تطبيقاً للهاتف الجوال يتيح لمستخدميه التقاط صور للحفر الموجودة في الشوارع، وأي أشياء أخرى في حاجة إلى صيانة، ثم تحميلها على موقع الجهة المختصة كي يتسنى إصلاح الضرر. وبإمكان الناس أن يستخدموا موقع الشبكة نفسه للتطوع لتقديم المساعدة إذا كانوا يتقنون التنفس الاصطناعي؛ إذ يتيح تطبيق الهاتف الجوال المرتبط بشبكة تحديد المواقع العالمية (جي. بي. أس). طلب المساعدة عندما يصاب شخص بأزمة قلبية في أثناء لعب الغولف مثلاً ، حيث يجند المتطوعون الموجودون في المنطقة للقدوم إلى الحفرة رقم سبعة، وتقديم المساعدة. وبإمكان الأشخاص استخدام الفيس بوك ) ، و (تويتر)، و(يوتيوب) عندما يطفح الكيل من حكوماتهم، لتحريض آخرين على النزول إلى الشارع والتظاهر في الماضي، كان القيام بالمظاهرات المناوئة للحكم يتطلب قائداً ذا جاذبية، قد يتعرض من جانبه للقتل أو تدمير مقره. ولكن من الصعوبة بمكان إيقاف مجموعة متفرقة من المعارضين كتلك التي تشكل أمة ( الفيس بوك). ومن الصعب إخماد الآلاف من النيران الثورية الملتهبة على طول الشبكة العنكبوتية.

المواقع التواصل الاجتماعي مزايا جمة فهي تبقينا على تواصل مع أصدقائنا القدامى، وتعرفنا إلى أناس جدد يملكون اهتماماتنا نفسها ، وتنشئ منطقة آمنة نحن في حاجة ماسة إليها. يقول الفيلسوف إيان بوغوست: لقد دمرت الحواجز الفاصلة بين الأشخاص، وخصخصت، وأصبحت تحت المراقبة خلال العقود المنصرمة، لكن ما دمر بالأخص هو حياة اليافعين والمراهقين بسبب المخاوف الإضافية من الاختطاف، والاستغلال، والجريمة، والفساد الأخلاقي ) . تشكل مواقع التواصل الاجتماعي بالنسبة إلى بوغوست، مرتعاً للتسكّع والتعرف إلى الطرز السائدة، والدور الذي تؤديه تلعبه صالات الألعاب الإلكترونية في الماضي، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي موجودة في كل مكان، وضرورية، وتسبب الإدمان. ولم يعد التواصل عبر الشبكات الاجتماعية مجرد تسلية، بل أصبح أسلوب حياة. يتوقع الناس أن يكونوا قادرين على الولوج إلى مواقع ( الفيس بوك ) و (ما يسبيس) . وطرح أفكارهم عبر موقع (تويتر) أينما ذهبوا ، فقد كانت الهواتف الجوالة والإنترنت ممنوعة في أماكن معينة مثل المحاكم، حتى زمن قريب، لكن المؤسسات الاجتماعية لم تعد تمنع أحداً من البقاء بعيداً عن أصدقائه الموجودين على ( الفيس بوك)، أو جمهوره الموجود على (تويتر) ، وظهر كثير من المشكلات نتيجة لذلك، كأن يصادق قاض متهماً، أو أن يطلع أحد أعضاء هيئة المحلفين على الصفحة الخاصة بأحد الشهود على ( الفيس بوك ) للوقوف على مدى مصداقيته، أو كأن ينشر محامون في مدوناتهم معلومات سرية تخص العملاء.

قاومت المؤسسة العسكرية الأمر إلى أقصى حد ، فقد أصدرت قيادة مشاة البحرية الأمريكية في أغسطس عام 2009م، قراراً يقضي بمنع الجنود من استخدام ( الفيس بوك) و(ما يسبيس) و ( اليوتيوب) على الشبكة الخاصة بالقيادة ، وكانت مخاوف الجيش هي ذاتها مخاوف كل منا : انتحال الشخصية، والقرصنة الإلكترونية، والثغرات الأمنية الأخرى. لكن الأخطار التي واجهتهم كانت أعظم فمن المزعج للمرء أن يضطر إلى إصدار بطاقة ائتمانية بدل تلك التي قرصنت عن طريق لعبة البلاي ستيشن ) ، لكن الوضع سيكون أخطر إن سرقت أسرار تصاميم عسكرية من قبل دول أخرى، أو قتل الجنود ؛ لأن خطط المعركة قد كشفت . كان الحظر الذي فرضه الجيش منطقياً باستثناء حالتين، وكان من الصعوبة بمكان، حمل الناس على التطوع في خدمات المتطوعين المسلحة كافة، وانخفضت الروح المعنوية لدى الجنود، عندما انقطع عنهم أصدقاؤهم وأفراد عائلاتهم على ( الفيس بوك ) و ( ما يسبيس) ، وكان الاتصال بالشبكة العنكبوتية أمراً أساسياً في أمور عسكرية بحتة، حيث كان الجنود في حاجة إلى استعمال تطبيقات معينة للهواتف الذكية، مثل: (أي سنايب وشووتر) لاستعمال الأسلحة بكفاية قصوى، وتقدير مسار الطلقات. ويتيح تطبيق آخر للجندي معرفة مواقع الجنود الحلفاء والمقاتلين الأعداء عبر خريطة تحدث تلقائياً . حتى أنه يوجد تطبيق يدعى ( جيبيغو) يترجم لهجة عراقية بعينها ، وآخر يدعى ( تيلي هيلث موود تراكر ) لفحص القدرات العقلية لدى الجنود.

فتح الجيش الأمريكي في فبراير عام 2010م، المجال المواقع التواصل الاجتماعي بصورة كبيرة، حين أعاد تشكيل شبكة الاتصالات الخاصة به المسماة نيبرنيت (ترمز إلى نظام مسيير شبكة الاتصالات غير السرية)، وهي تعد أكبر شبكة اتصالات داخلية خاصة في العالم: ليتسنى للجنود استخدام تطبيقات (يوتيوب، وفيس بوك، وما يسبيس، وتويتر وجوجل ) (19). ووزع الجيش هواتف ذكية على الجنود؛ بهدف معرفة مدى فاعليتهم في الحالات القتالية وغير القتالية . ويؤتى بالشبكات اللاسلكية التي تشغل التطبيقات في ساحة القتال محملة على المركبات، والطائرات. ومناطيد الهواء .

وهذه الحال لا تنطبق على قواتنا فحسب، بل تتعداه لتشمل أعداءنا أيضاً، إذ يكشف تقرير وضعته وكالة الأمن القومي عام 2010م، وأسمته «استخدام الإرهابيين المواقع التواصل الاجتماعي: دراسة على ( الفيس بوك )»، أن مؤيدي الجهاد والمجاهدين يستخدمون ( الفيس بوك ) بازدياد الإيصال المعلومات عن عملياتهم، ومن ضمنها طرق صناعة المتفجرات المحلية الصنع باللغة العربية والإنجليزية، والإندونيسية، والأوردية وغيرها من اللغات ). يوجد على ( الفيس بوك ) مجموعة تضم ألفي عضو، تنشر مقاطع فيديو عن إطلاق النار التكتيكي»، و«كيف تستخدم بندقية أي كي 47 وكيفية تفكيك بندقية أي كي 47 وتركيبها، وما إلى ذلك، وتتضمن صفحات أخرى، المجموعات إسلامية على الفيس بوك) ، مقاطع فيديو تظهر قتلى وجرحى فلسطينيين في غزة، وروابط إلى مقاطع فيديو خاصة بتنظيم القاعدة على (يوتيوب)، وأخرى تروّج للانتحاريات من النساء. كل ذلك متاح للعامة حتى من دون الحاجة إلى أن يصبحوا أصدقاء لتلك الصفحات على ( الفيس بوك). والمجرمون يستخدمون الشبكة العنكبوتية للحصول على المعلومات، بدءاً من اختيار الأماكن التي سيسرقونها عن طريق تتبع كلمة إجازة، ووصولاً لاستخدام محرك البحث للتدرب على القتل، وقد توجد عملية القتل الافتراضية مفصلة خطوة خطوة على أرشيف محرك البحث، مثلما هي الحالة مع الممرضة التي قتلت زوجها بعد أن بحثت في محرك (جوجل) عن السموم التي لا تترك أثراً. و القوانين المحلية فيما يخص الأسلحة النارية»، و«السموم الفتاكة»، و«قوانين ولاية بنسلفانيا المتعلقة بالأسلحة النارية، ومستويات الأنسولين السامة»، و«كيف أرتكب جريمة قتل»، و«كيفية شراء بندقية صيد في ولاية نيوجيرسي»، و«عامل محفز للوصل العضلي العصبي»، وهيدرات الكلورال»، و«الكلورال وتأثيراته الجانبية، والوالغرينز. ويتيح ( الفيس بوك ) أيضاً بثاً حياً وواقعياً للجرائم في أثناء وقوعها ، ويسمح للمجرمين بتلقي العون من الأصدقاء الموجودين على صفحتهم، فعندما حاولت شرطة ولاية يوتا الأمريكية، اعتقال أحد أفراد عصابة ( جاسون فالديز ) ، تحصن نورتينيوس في إحدى غرف النزل، وأخذ فتاة تدعى فيرونيكا جينسين رهينة، وبينما حاصره فريق الأسلحة والتكتيكات الخاصة (سوات) من خارج النزل وداخله، كتب جاسون ست حالات على صفحته على ( الفيس بوك ) باستخدام هاتفه المزود بخدمة ( أندرويد ) ، وأضاف خمسة عشر صديقاً جديداً إلى صفحته، وتجاوب مع تعليقات عدة مرسلة من أصدقائه وعائلته، وحمل صورة تظهره مع الرهينة وعنونها الدي رهينة لطيفة أليس كذلك؟». عندها كتب صديق له تعليقاً على صفحته، يخبره أن عنصراً من فريق (سوات) يكمن بين الشجيرات، قائلاً: «القناص بين الشجيرات، ابق حذراً. أجاب جايسون شكراً يا صديقي على المعلومة.

كتب جايسون بعدها بثماني ساعات الأوباش تعليقه الأخير قائلاً: «حسناً، كنت أنوي إطلاق سراح الرهينة، لكن هؤلاء الأوباش حاولوا اقتحام المكان مع أنني حذرتهم ألا يفعلوا؛ لذا، أطلقت رصاصتين، ويبدو أننا سنعود لما بدأنا به... انتهى الموقف حين أطاح العناصر بالباب الأمامي للغرفة والحائط من غرفة مجاورة باستخدام المتفجرات كانت الرهينة على ما يرام، وانتهى المطاف بجايسون في العناية الحثيثة، وتفكر الشرطة في اتهام صديق جايسون بعرقلة العدالة للتنبيه الذي أرسله إليه بخصوص العنصر ). من السهل معرفة انضمام الناس إلى ( الفيس بوك) أو غيره من مواقع التواصل الاجتماعي، لكن من الصعب توقع ماذا سيحدث إن أصبحت مواطنا في هذا العالم الجديد، فقد تكون لديك فكرة عما أنت مقبل عليه، إذا أردت الانضمام إلى كيبوتس في إسرائيل، أو تعليم اللغة الإنجليزية في اليابان، أو الانخراط في صفوف الجيش، أو الرحيل إلى مزرعة في الأرياف. لكنك لا تعرف جيداً عواقب أن تصبح مواطناً في مواقع التواصل الاجتماعي حين تسجل في ( الفيس بوك : لتعرف أين يقودك هذا القرار، والتحول الذي سيحدثه في حياتك. تتغير القوانين التي تحكم ( الفيس بوك ) أو شروط الاستخدام، بسرعة ومن دون سابق إنذار يعدك في يوم أن قائمة أصدقائك مخفية، ولكنه يظهرها في اليوم اللاحق، قد يعتقد المرء أن ( الفيس بوك ) يعزز حرية التجمع التي كفلها الدستور، نظراً إلى أنه يسمح بإنشاء المجموعات مثل: «لجنة لم شمل دفعة 1995م»، و«أنا أحب جستن بيبر»، و«الحرية لثلاثي غرب ممفيس. لكن استخدمت بعض العلاقات على ( الفيس بوك) ضد واضعيها. فقد أدين القضاة وعوقبوا لصداقتهم مع محامين على ( الفيس بوك) على الرغم من أن الأمر مقبول في الحياة الواقعية. وتعرض أحد حراس السجون في بريطانيا في واحدة من الحالات للطرد؛ لأنه أضاف سجيناً إلى لائحة أصدقائه على ( الفيس بوك ) .

يوجد جزء مهم من حرية التجمع، وهو الحق بإخفاء عضوية المرء بتجمع ما سمحت المحكمة العليا الأمريكية عام 1958م مثلاً ، لجمعية الحقوق المدنية للأمريكيين السود، بإخفاء لائحة أعضائها عن حكومة ولاية ألاباما. وقالت الجمعية إن إجبارهم على نشر الأسماء من شأنه حرمان أعضائها العامين من الانخراط في تجمع قانوني لدعم قناعاتهم المشتركة . بررت المحكمة قرارها بعدم إجبار الأعضاء على كشف هوياتهم، بسبب خشية الناس من ممارسة حقهم في حرية التعبير، والاشتراك في الجهود الجماعية لخدمة معتقداتهم، إن كشفت عضويتهم في المنظمات التي ينتسبون إليها. إن الكشف عن عضوية شخص في منظمة ما ، قد يؤدي إلى انتقام اقتصادي، وفقدان الوظائف، وتهديد بالإكراه الجسدي، وغيرها مما قد ينتج من الحقد لدى العامة . كشفت مواقع التواصل الاجتماعي مع ذلك، جمعيات ظن الناس أنها ستبقى سرية، عندما غير موقع ( الفيس بوك ) سياسته من دون سابق إنذار عام 2009م، بأن أصبحت قوائم الأصدقاء والانتماءات مكشوفة للعلن، وخارج سيطرة الأعضاء على مدى خصوصيتها، كان للأمر صدى واسع على مستوى العالم. استجوبت السلطات الإيرانية كل من كان على لائحة الأصدقاء المعارضي النظام الإيراني الموجودين في الولايات المتحدة أو احتجزته. وتعرض بعضهم للضرب، واحتجز الأمريكيون الموجودون في إيران، وصودرت جوازات سفرهم؛ لأن لديهم حساب على الفيس بوك).

وعلى عكس الديمقراطية، يعيد ( الفيس بوك ) تعريف العقد الاجتماعي بصورة أحادية الجانب بأن جعل من الأمور الخاصة أموراً عامة، ومن الأمور العامة أموراً خاصة وأصبحت المعلومات الخاصة عن الناس متوافرة لطرف ثالث. وفي الوقت نفسه، تستخدم الجهات العامة مثل الشرطة، مواقع التواصل الاجتماعي للقيام بأنشطة سرية كانت تخضع المراقبة العامة سابقاً، فحتى لو كانت الشرطة في حاجة إلى مذكرة لدخول بيت ما ، فهذا لا يمنعهم من معاينة الصور الموجودة على ( الفيس بوك ) للحفلات التي يقيمها الطلاب في المرحلة الثانوية في بيوتهم. إذا رأوا الكؤوس الحمراء البلاستيكية السيئة السمعة، التي توحي إلى أن اليافعين يتناولون الكحول، فبإمكانهم توجيه تهمة تزويد قاصر بالخمر إلى الأهل. قد تظن أن عائلتك فقط هي التي تطلع على المعلومات التي تضعها ، لكن باستطاعة تغيير بسيط في رمز جهاز الحاسوب، تمكين ( الفيس بوك ) الذي يديره القطاع الخاص، من إرسال تلك المعلومات إلى حيث يريد سهواً أو متعمداً .. وضع ( الفيس بوك ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، معلومات خاصة تشمل نتائج الفحوص الطبية، وأرقام البطاقات الائتمانية، وصوراً حساسة خطأ في أيدي من لا يعنيهم الأمر. وعلى عكس لاس فيغاس، ما يحدث في ( الفيس بوك ) لا يبقى في الفيس بوك ) .

سبقت مواقع التواصل الاجتماعي ألعاب الشبكة المتعددة اللاعبين، فقد كان الناس يتواصلون عن طريق شخصيات مجسدة يبتكرونها ، وكانت لا تشبه الشخص الحقيقي الذي تمثله عادة، لكن ما يحدث اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي، يتعدى تقمص دور معين. والتضمينات أخطر من مجرد ربح أو خسارة غنيمة، أو كنز أو نقاط خبرة. يطلب ( الفيس بوك ) إلى المشترك استخدام اسمه الحقيقي وعنوانه البريدي، على عكس مواقع التواصل الاجتماعي في الماضي، والأمور التي تتم على الفيس بوك ) ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى لها تبعات على أرض الواقع.

تعرضت نساء للطرد من عملهن لأن صورهن على ( الفيس بوك ) أظهرتهن بملابس فاضحة وتعرض طلاب متفوقون للفصل من مدارسهم؛ لأنهم انتقدوا معلميهم على موقع (ما يسبيس). وأقنع شخص حاصل على إطلاق سراح مشروط، ومتهم بحيازة سلاح ناري هيئة المحلفين ببراءته وادعى أن الشرطي الذي قبض عليه هو من وضع المسدس لأنه كتب أنه يشعر بمزاج للمراوغة» على ( ما يسبيس) . تبحث الجامعات والشركات عبر ( الفيس بوك ) و ( ما يسبيس) بصورة دورية لتحدد إذا كانت ستقبل الراغبين في الالتحاق بها. توجد خدمة لتقصي الخلفيات التي ينتمي إليها الناس تدعى ( سوشيل إنتلجنس كورب)، تجعل إعدادات الخصوصية للملفات والصور المنشورة لكل مستخدم على الفيس بوك على وضع العامة. وتحتفظ الشركة بالملفات مدة سبع سنوات. فحتى لو رفعت الصورة التي تظهرك مرتدياً قميصاً كتب عليه الحرية لشارلي مانسون»، فسوف تجد صعوبة في الحصول على وظيفة.

وقد أوضح فنانون كيف تستخدم المعلومات المنشورة عبر ( الفيس بوك ) في غير محلها، فقد ابتكر الفنانان الإيطاليان باولو شيريو واليساندرو لودوفيكو موقع ( لوفلي فيسيز دوت كوم وهو موقع مواعدة مزيف يستخدم المعلومات الموجودة على صفحات مشتركي ( الفيس بوك ) المتاحة للعلن. فقد استخدما برمجيات حاسوبية لنسخ أسماء، وصور، ومواقع أكثر من مليون مشترك على الفيس بوك. استخلص البرنامج ربع مليون وجه، واستخدم الفنانان منهاجاً معيناً يميز الوجوه، ويقيم الملامح والتعبيرات لتصنيف الصور إلى ست فئات: وصولي، وهادئ. وفكاهي، ودمث، ومخادع، وأنيق ). ناقش باولو واليساندرو الدافع وراء المشروع عند عرضه في مهرجان برلين للفنون، حيث قالا: «عندما يصبح المرء جزءاً من موقع التواصل الاجتماعي، يدفع الثمن بأن يتعرض لإطلاق الأحكام. يسخر المشروع من الثقة التي منحها خمس مئة مليون مستخدم للمنصة ( الفيس بوك ) ، ويذكرهم أنه يوجد - مثلما في الواقع - عواقب لنشر معلومات شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي .

بدأت هويتنا الرقمية الموجودة على الشبكة العنكبوتية: البريد الإلكتروني، والمواقع الشخصية وصفحات الإعلام الاجتماعي، بالتغطية على هويتنا الحقيقية، ولأننا نعمل ونتحدث ونواعد عن طريق الشبكة، فنحن ننشئ نسخة رقمية من أنفسنا، تعيد تعريف ما نحن عليه، وقد تلقي بظلالها علينا في أي وقت. لا يحوّل ( الفيس بوك ) ما هو خصوصي إلى عمومي فحسب، بل يفعل العكس أيضاً، كان المسؤولون في الحكومة في حاجة إلى إذن خاص أو مذكرة لمعرفة خصوصيات الناس سابقاً. أما الآن فيستطيعون مراقبة ما ينشر على ( الفيس بوك ) ، وموضوعات البحث على (جوجل) : للوصول إلى أدق التفاصيل عن حياة الناس يفتش مسؤولو تطبيق القانون في الصفحات الشخصية المفتوحة للعلن لإيجاد أدلة على جرائم ارتكبت، أو للتنبؤ بالحالات الطارئة، مثلما تفعل وكالة الأمن القومي الأمريكية، التي تراقب استعمال مصطلحات معينة على مواقع التواصل الاجتماعي: مصطلحات تتراوح من الجريمة المنظمة إلى حجر صحي . فقد حددت وكالة الأمن القومي في مبادرة عام 2011م، ثلاث مئة وخمسين مصطلحاً ستراقب، تشمل: لحم الخنزير» و«القاح، و«قراصنة» و«جهاز المسح» و«غزمان»، وحتى الإعلام الاجتماعي.

وأوصت مذكرة أصدرتها دائرة الجنسية والهجرة الأمريكية عام 2008م، بالتصديق على طلب طالبي الجنسية المراقبة مدى شرعية العلاقات التي يقيمونها، والتفتيش عن الأدلة المعرفة هل هناك زواج لا يتناسب مع المعايير القانونية التي وضعتها الدائرة، فمثلاً الرغبة النرجسية الموجودة لدى كثير من الناس تغذي حاجتهم إلى الحصول على أكبر عدد من الأصدقاء، وهذا ما يمنح مكتب مكافحة الاحتيال والأمن القومي، موقعاً رائعاً لمراقبة المستفيدين والمتقدمين، الذين تحوم حولهم الشكوك بأنهم يقومون بأنشطتهم الاحتيالية، وتحدد المذكرة مواقع التواصل ذات الشعبية بين مجموعات عرقية معينة، مثل: موقع ( ما يجينت دوت كوم الشائع بين اللاتينيين، وموقع ( مكسلم دوت كوم الذائع الصيت لدى المسلمين. وقد بدأت الحكومات أيضاً باستخدام رأي الجمهور في التحقيقات. وبتوافر كاميرات الهاتف الجوال الحديثة، والإمكانات الحاسوبية المنتشرة في كل مكان أصبح باستطاعة الناس التحوّل من متفرجين على المسلسلات البوليسية إلى المشاركة في القضايا بأنفسهم، فعندما تفجرت فضيحة تقرير ما أنفقه أحد أعضاء البرلمان في بريطانيا، نشر أكثر من أربع مئة وخمسين ألف صفحة على الشبكة العنكبوتية تشتمل على حسابات نفقات. وشارك أكثر من ثمانية وعشرين ألف شخص في تفتيش رقمي عن مخالفات في إنفاق رئيس الوزراء.

وضعت ولاية تكساس تسعاً وعشرين كاميرا مراقبة على طول الحدود مع المكسيك (بمعدل كاميرا لكل ستة وستين كيلومتراً)، وأتاحت لكل من يملك الإنترنت مراقبة الحدود، وإخطار السلطات عن أي محاولات محتملة لدخول المهاجرين غير الشرعيين ومهربي المخدرات. يسمح الموقع الإلكتروني المدعوم من شبكة تواصل اجتماعي يدعى ( بلوسيرفو) ، للأشخاص من أنحاء العالم كافة، بأن يصبحوا مفوضين افتراضيين في شرطة تكساس. تظهر التعليمات على الموقع الإلكتروني بجانب ما تغطيه كل كاميرا، مثل: بلغ عن أي شخص يزحف خلال هذه العبارة»، أو «انظر إلى الأشخاص الذين يتحركون على الأقدام باتجاه اليمين. يراقب مفوض افتراضي في أستراليا الحدود في أثناء وجوده في حانة 1977 ، وتمضي أم في نيويورك أربع ساعات يومياً محدقة بصور للصحراء في أثناء رعاية طفلتها الرضيعة. وتراقب امرأة من أوكلاهوما ممن يزورون موقع ( بلوسيرفو) كل ليلة بعد إنهاء العمل حركة النسور الصلع على الاتصالات، وتصف مشاركتها قائلة: «أراقب النسور والخارجين عن القانون، إنه لشيء ممتع جداً . جذب الموقع الذي أطلق في نوفمبر عام 2008م، بمنحة من مكتب حاكم ولاية تكساس قيمتها مليونا دولار، مئة وثلاثين ألف مفوض افتراضي في سنته الأولى، ولكن، وبعد مرور عام على إطلاق المشروع، قبض على . ستة وعشرين شخصاً فقط، على الرغم من منحة أخرى بقيمة مليوني دولار قد صرفت على المشروع ، أي بمعدل مئة وثمانية وخمسين ألف دولار لكل شخص قبض عليه، وكان هذا الرقم بعيداً عن الهدف الذي وضعته الولاية والبالغ ألف ومئتا شخص , أمطرت مراكز الشرطة بمئات الرسائل الإلكترونية كل أسبوع، تخبرهم عن حيوانات المدرع الموجودة جانب الماء، أو تقدم تقارير مزيفة بوجود بعض الرجال يعبرون الماء لديهم زجاجة تكيلا وقبعة كبيرة.

وعلى الرغم من وصف مؤيدي المشروع المفوضين الافتراضيين بأنهم «عيون ساهرة إضافية. تساعد قوات الأمن، لكن تلك العيون قد تخبئ عاطفة شخصية قوية تجاه الأخطار التي تشكلها الهجرة غير الشرعية. يقول السيناتور عن ولاية تكساس إيليوت شابليه: إن الكاميرات تشكل دعوة للمتشددين للمشاركة في رحلة صيد افتراضية لقنص المهاجرين . كلام السيناتور لا يخلو من الصحة فالتقارير التي يبعثها المفوضون الافتراضيون تصاغ بنبرة عنصرية في بعض الأحيان، مثل: يظهر أمامي على الشاشة اثنان من ذوي الظهور الرطبة، ومعهم كلب ). تثير المراقبة بوساطة الكاميرات على مدار الساعة، قلق النقاد الذين يعتقدون أن ذلك سيشجع الغيورين على التصرف الفردي، بدلاً من الإبلاغ عن محاولات التسلل، قد يقوم المفوضون الافتراضيون بركوب شاحناتهم مستلين أسلحتهم. مثلما يقول جي ستانلي الناشط في اتحاد الحريات المدنية الأمريكي. إن الصور الحية التي يبثها موقع ( بلوسيرفو) لا تشمل الحدود مع المكسيك فقط، بل تتعداها إلى الأحياء الأمريكية العادية حيث يسمح الموقع للعامة بتوصيل كاميراتهم بشبكة الاتصالات للقيام بدوريات تغطي الأحياء التي يسكنون فيها.

تلتقط الكاميرات الموجودة في الأحياء أموراً تختلف عن تلك الموجودة في العراء على طول الحدود، فبينما تكشف هذه الأخيرة الحيوانات عادة، قد تصوّر الأولى الناس في أثناء عملهم في مختلف الأنشطة الاعتيادية: بدءاً بشاب وفتاة في سن المراهقة يقابلان بعضهما بعضاً داخل سيارة وصولاً إلى أمهات يضر بن أبناء من الصغار عند مدخل البيت. ولما كان المفوضون الافتراضيون غير ملتزمين بمبدأ تطبيق القانون فحسب، فقد يستخدمون التقارير المرسلة بطريقة انتقائية كي ينتقموا من الجار الذي يرفع صوت الموسيقا مثلاً ، أو يستهدفوا فرداً من فئة غير مرغوبة. استخدمت بعض مواقع التواصل الاجتماعي، مثل: (4 شان) وهو أحد المواقع الأكثر تتبعاً على الاتصالات، قوة رقمية تعادل في الحياة الواقعية القوة القصوى لدى رجال الشرطة، فقد أقسم مستخدمو (4 شان) ، عند مشاهدتهم مقطع فيديو يظهر فيه مراهق يعذب قطة أن يقتفوا أثره، ويسلموه إلى العدالة. شاهد مستخدمو (4 شان) مقاطع أخرى للفتى موجودة على حسابه على ( اليوتيوب)، وطابقوا خلفية الغرفة التي يوجد فيها بأخرى من صورة موجودة على موقع للتواصل الاجتماعي . استمرت مطاردة الفتى على الاتصالات. في مواقع اجتماعية متعددة، حتى عثر على صفحته على الفيس بـ بوك ) . . حيث تتبعوا الفتى، ووجدوه في مدينة لوتن بولاية أوكلاهوما ، وأبلغت السلطات المحلية عنه.

وعلى صعيد متصل، عاقب أعضاء موقع (4) شان) أنفسهم الشخص الذي يعتقد أنه معتد؛ بنشر عنوانه، وقرصنة حاسوبه، ومضايقته بمكالمات هاتفية ورسائل إلكترونية وهمية. وعندما اتهمت سارة بالين بخرق قانون تمويل الحملات الانتخابية، من خلال استغلال بريدها الإلكتروني الخاص بها بصفتها حاكمة لجمع التبرعات، قرصن أعضاء (4) شان) البريد الإلكتروني الخاص ببالين ونشروا كلمة العبور الخاصة بها ، وتداولوا لقطات لشاشتها كلما كانت تهم بإرسال بريد إلكتروني.

تتقمص مواقع التواصل الاجتماعي واجبات رجال الشرطة والقضاة، وأحياناً تتحدى مبادئ الديمقراطية العزيزة عليهم والمليئة بالتحديات عادة، وتمشط الشرطة مواقع التواصل الاجتماعي لاكتشاف دلالات على سوء السلوك، وتنشئ حسابات وهمية لمصادقة أفراد العصابات ومراقبتهم وتبحث دائرة الدخل الوطني في ( الفيس بوك، وما يسبيس) عن أدلة على حركات تتم على أموال خاضعة للضريبة، وأماكن وجود المتهربين من الضرائب ، وتعد المحاكم ما ينشره الأهل على مواقع التواصل عن ارتيادهم الحفلات، دلالة على الإهمال تجاه الأبناء. في حين تبدو هذه الاستعمالات الدستورية نوعاً من المساعدة على حفظ الأمن، لكنها تتعارض مع حق الحماية القانونية التقليدي والمبدأ الذي ينص على حرية المواطن من التتبع الدائم. تطرح هذه الأساليب أسئلة محيرة، فقد وجدت الحكومات في الدول الديمقراطية لتحمي المواطنين، وتحفظ حقوقهم. فموظفو الصحة العامة، مثل باقي موظفي الحكومة، مقيدون في كمية المعلومات التي تخص المواطنين التي تجمع أو تعلن. وتحتاج الشرطة أيضاً إلى سبب مقنع، ومذكرة تفتيش لجمع الأدلة، وتطبق الضوابط الدستورية على كل خطوة تقوم بها الجهات الرسمية، ولكن ما الذي سيحدث عندما تتحايل الجهات المحلية والاتحادية على تلك القوانين، وتدفع المواطنين المدنيين إلى جمع الأدلة عبر مواقع التواصل، أو تطلب معلومات خاصة من المواقع مباشرة عن أشخاص، مستقاة من الأخبار والصور التي يضعونها ؟ هل تخضع الأدلة التي جمعت بتلك الطريقة للضوابط الدستورية؟

يوفر التدقيق في نتائج البحث عن أعراض الأنفلونزا عبر محرك (جوجل)، مؤشراً أفضل من الذي توفره التدابير التقليدية التي تتخذها الجهات الصحية الحكومية لمعرفة المناطق الجغرافية التي ينتشر فيها المرض . لكن هل من الممكن السماح لموظفي الصحة العامة في الولاية، بالاطلاع على عمليات البحث الخصوصية؟ ماذا لو اكتشفوا أن شخصاً يبحث عن معلومات تخص مرضاً سارياً؟ هل يجب أن يكون لدى موظفي الصحة العامة الصلاحيات، لتتبع هذا الشخص وإخضاعه للحجر الصحي؟ وإذا وصل المواطنون الذين يساعدون رجال الأمن إلى المخالف قبل الشرطة الحقيقيين، فما الذي سيمنعهم من تطبيق القانون عليه بأنفسهم؟ وفي ظل العلاقة الضبابية التي تجمع الحكومات بمواقع التواصل الاجتماعي، من يتحمل المسؤولية عند وقوع الأخطاء؟

يتعدى دور الفيس بوك كونه متمماً للواجبات الحكومية، فهو أمة قائمة بحد ذاتها. لديها اقتصاد، وقوانين ضابطة. لكن على عكس الأمم التي تتمتع بالديمقراطية، فإجراءات السير فيه تبدو أقرب إلى دليل استخدام جهاز حاسوب منها إلى دستور. تجري الحقوق كلها باتجاه واحد : يفعل ( الفيس بوك ) ما يحلو له، ولا يملك المواطنون إلا جزءاً يسيراً من حق الطعن أو النقد، إلا إذا أرادوا الاستغناء عن ( الفيس بوك ) نهائياً. تعفي قوانين فيدرالية عدة - وضعت لتنظيم عمل الإنترنت قبل إنشاء مواقع التواصل الاجتماعي - مواقع التواصل الاجتماعي من أي مسؤولية تقريباً، وبسبب تلك القوانين، لا يمكن محاكمة مواقع التواصل بتهم خرق الخصوصية، والتشهير، أو الأعمال الإجرامية التي تسببها المنشورات التي يضعها الناس على المواقع.

تحول مواقع التواصل الاجتماعي معلومات الأشخاص الخصوصية إلى مصدر دخل خاص بها. يجني ( الفيس بوك) معظم أمواله بصفته منصة للإعلانات ، ويبيع مساحات إعلانية على الموقع ويساعد المعلنين على جعل الإعلانات ذات صبغة شخصية، وموجهة إلى أعضاء بأعينهم باستخدام المعلومات التي يضعها الأعضاء على صفحاتهم ، ويستخدم المعلقون كلمات أو تفاصيل ذات دلالة، مثل: الحالة الاجتماعية، والموقع، والاهتمامات، والأنشطة، والكتب المفضلة، والديموغرافيا. ومعلومات عن الوظيفة، ثم ينشر ( الفيس بوك) الإعلان على صفحات الأعضاء المستهدفين (195. وقد قدر دخله من الإعلانات في عام 2010م، بـ 1.86 مليار دولار، حسب موقع (إيمار كتر) المختص بالتسويق عبر الإنترنت .

يجني ( الفيس بوك) الأموال أيضاً عن طريق اتفاقيات العائد المشترك، مع الشركات التي تعرض ما يزيد على خمس مئة وخمسين ألف تطبيق على الموقع، من ضمنها الألعاب، مثل: (مافيا وورز وفار مفيل). وفي عام 2011م ، أخطر ( الفيس بوك ) كل مطوري الألعاب أن عليهم قبول الدفعات بالعملة التي يتعامل بها موقع التواصل نقاط ( الفيس بوك ) . وسيكون لذلك أثر كبير في أرباحه لأنه سيحتفظ بـ 30% من مجموع النقاط، وبذلك ستصل أرباحه الإجمالية إلى نصف مليار دولار من عوائد التطبيقات ) .

ليس ( الفيس بوك ) وحده من يتربح من معلومات الأشخاص الخصوصية الموجودة على الإنترنت فقد ابتكر طالب من جامعة ستانفورد) . يدعى هاريسون تانغ بمساعدة أصدقائه برنامج ( سبوكيو). وهو تقنية بحث تجمع معلومات عن ملايين الأفراد الموجودين على مواقع التواصل الاجتماعي والأماكن البعيدة على الإنترنت. ولا يجمع ( سبوكيو) معلومات من مئات المصادر على الإنترنت وخارجها - ما بين القوائم العقارية واستطلاعات السوق - فحسب، بل يستخدم تلك المعلومات لإيجاد وصف للأفراد، مثل لديه دوافع ذاتية، ويتبرع لقضية معينة، ويسكن مع أحد المحاربين القدامى، ويجمع تذكارات رياضية. وعند إدخال اسم شخص على موقع (سبوكيو) الإلكتروني يمكنك الحصول مجاناً على عنوان ذلك الشخص، ورقم هاتفه حتى إن لم يكن مدرجاً)، والفئة العمرية التي ينتمي إليها، والجنس، والعرق والديانة، والحزب السياسي الذي ينتمي إليه، وحالته الاجتماعية، ومستواه التعليمي. ويتضمن ( سبوكيو) صوراً لخرائط ( جوجل)، تحدد مكان سكن الشخص أيضاً. يصف ( سبوكيو) نفسه بأنه دليل إعلانات، لكن ليس لأي أحد ، فبإمكانك مقابل أقل من خمسة دولارات شهرياً. الاطلاع على معلومات أكثر، تشمل وصفاً لممتلكات الشخص (إذا كانت تضم بركة سباحة أو موقداً مثلاً ) ، وأسلوب حياته واهتماماته، وتقديرات لمقدار الثروة التي يمتلكها ( من الطبقة الوسطى مثلاً)، والصحة الاقتصادية ضمن المعدل، أو قوية جداً، مثلاً). ويسمح الاشتراك الشهري أيضاً بعدد محدد من عمليات البحث العكسي ( التفتيش في معلومات تخص شخصاً آخر من دون إذنه باستخدام عنوان الشخص البريدي أو اسم المرور الخاص به ). ويمكن لعمليات البحث تلك استرجاع صفحة الشخص الذاتية على مواقع التواصل والمواعدة، ومعرفة لائحة الأغاني التي يستمع إليها على موقع (باندورا ) ، والصور التي أضافها إلى مواقع مثل (فليكر أو فوتوبكت) ، ومقاطع الفيديو التي حملها على ( اليوتيوب) والمدونات، وعرض للمنتجات التي أثارت اهتمامه على مواقع التسوق، مثل أي باي) . إذا لم تحم تلك المعلومات عن طريق إعدادات الخصوصية. ويسمح اشتراك سبوكيو إنتربرايز الذي يقدر بـ 79.95 دولاراً شهرياً للمشترك، بالبحث في ألف عنوان بريدي، وألف اسم مرور كل شهر.

يبحث أكثر من مليون شخص يومياً  في قاعدة بيانات ( سبوكيو) : ليتخذوا القرارات إذا رغبوا في توظيف شخص ما، أو منحه قرضاً ، بناءً على ما يقرؤونه، تكون المعلومات غير صحيحة عادة لأنها استنبطت من مصادر غير صحيحة أو قديمة، وفسرت بأنظمة تحتمل الخطأ، لكن الأشخاص الذين تستباح خصوصيتهم، قد لا يعلمون أن شيئاً مثل ( سبوكيو) موجود أصلاً ، ناهيك عن وصمه إياهم بالعار. لا يؤمن ( سبوكيو) أنه خاضع للقوانين التي تنظم مكاتب التدقيق المالي، وأن عليه إزالة المعلومات غير الدقيقة أو تصحيحها، والحد من قدرة العامة على الاطلاع عليها. فالقانون ينطبق على الجهات التي تجمع المعلومات عن الحالة المالية للأشخاص، وصفاتهم الشخصية، وأسلوب المعيشة، التي تستخدم في تحديد مدى أهلية الشخص للتوظيف، أو الحصول على قرض . لكنه يدعي أنه صمم للتسلية الخالصة»، وأنه لا يهدف إلى تحديد مدى أهلية الشخص للحصول على قرض، أو تأمين، أو وظيفة . لكنه يروّج خدماته على أنها نظرة لا تقدر بثمن، على معلومات الأشخاص التي يعرضها، ويضم على صفحته إعلانات، مثل: للحصول على وظيفة، اضغط هنا الآن»، و«هل تريد رؤية صفحة مرشحيك على ما يسبيس) و (لنكد لن) ؟  وقد نشر إعلانات على مواقع أخرى، وقال في أحدها: «هل يخونك شريك حياتك؟ لم لا تستخدمين البحث العكسي في بريده الإلكتروني لتعرفي.

وعندما أخبرت أستاذاً جامعياً في القانون عن ( سبوكيو) ، دخل إلى الموقع ليرى الفرضيات التي كتبت عن حياته. تعرّف (سبوكيو) عنوان البيت، ورقم الهاتف الأرضي والجوال بصورة صحيحة. ولكون اسم زوجته جيمي، افترض أن زوجة الأستاذ هي ابنته الصغرى، وأنقص ثلاثين عاماً من عمرها ، وافترض أنه متزوج من ابنته البالغة من العمر ثلاثين عاماً، التي تحمل اسم العائلة نفسه بطبيعة الحال. قد تؤثر الأخطاء في التصنيف الائتماني للأستاذ : لأنه من المفترض أن ابن الثلاثين يكسب دخلاً أقل من ابن الستين. لكن كيف يمكننا الوصول إلى المسؤولين عن ( سبوكيو) لتصحيح الأخطاء؟ لي زميل درس قانون الحاسوب، لكنه لم يسمع به قط حتى أخبرته.

عندما بحث توماس روبينز عن اسمه في ( سبوكيو) ، لاحظ أن الموقع أخطأ في كثير من الأمور. فقد أخطأ حينما ذكر أن روبينز في العقد الخامس من العمر، ومتزوج، ويعمل بوظيفة في مجال التقنيات، ويملك شهادة دراسات عليا، ولديه أولاد. وضم أيضاً صورة من المفترض أنها لروبنز لكنها لم تكن كذلك، وأدرج مستوى الثروة التي يمتلكها على نحو غير دقيق.

خشي روبنز أن تؤثر المعلومات المغلوطة في قدرته على الحصول على التسليف، والحصول على وظيفة، والتأمين أو ما شابه . ورفع قضية ضد ( سبوكيو) ، لكن المحكمة رفضت ادعاءه وفقاً لقانون كاليفورنيا للمنافسة غير العادلة؛ لأن روبنز لم يقل إنه تعرض لأذى فعلي نتيجة للعمل الذي قام به ( سبوكيو). ولكن سمحت المحكمة بالمضي قدماً في القضية، بناءً على قانون التبليغ عن الأوضاع المالية الفدرالي (قانون ينظم عملية جمع المعلومات المالية عن الأفراد، وإفشائها، واستعمالها). مع إقرارها أن حجج المدعي بأن المدعى عليه يتربح بصورة دورية، مقابل تقارير تحوي معلومات وتقييمات تخص الثروة الاقتصادية والأهلية الائتمانية للمستهلكين، كافية لدعم استنتاج منطقي ينص على أن سلوك المدعى عليه، يقع في مجال قانون التبليغ عن الأوضاع المالية.

يشكل ( سبوكيو) جزءاً من صناعة . جمع المعلومات ، التي تقدر عائداتها بمليارات الدولارات وتشمل منظمات تجمع المعلومات من أماكن متنوّعة لحفظ البيانات، مثل: الملفات الحكومية، والسجلات الإجرامية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وتصنف المعلومات في صورة تقارير ، وتباع إلى منظمات أخرى، مثل شركات الإعلان، والمشروعات التجارية، والوكالات الحكومية، وشركات البطاقات الائتمانية. ويمكن استخدام المعلومات للتحقق من خلفية موظف، أو لأغراض البحث التسويقي ولأهداف أمنية، وعمل لوائح تضم عناوين إلكترونية واستهدافها، أو لتحديد الإعلانات التي تظهر على مواقع التواصل، والمواقع الإلكترونية الأخرى.

عقدت بعض شركات التسويق اتفاقيات مع مزودي خدمة الاتصالات للاستفادة من المعلومات التي يبعثها الناس عبر أجهزة الحاسوب، سواء أكان رابطاً على الفيس بوك) ، أم رسالة بريد إلكتروني إلى حبيب، أم البحث عبر ( جوجل) عن كيفية ارتكاب جريمة قتل». والمفاجئ في الأمر، أن المحاكم لا تعد تلك الترتيبات التجارية مخالفة لقوانين التجسس، حتى وإن أحد القضاة قال: إن حق الخصوصية يسقط مع أول ضغطة على لوحة المفاتيح.

إذا كان قادة أمة ما ، يعيشون وفقاً لقوانين تختلف عن تلك التي تطبق على المواطنين، فتلك إشارة إلى وجود أمر خطأ. فعلى الرغم من أن هاريسون تانغ ابتكر موقع ( سبوكيو) ، بهدف جمع معلومات تخص الناس وبيعها ، لكنه أزال معلوماته الشخصية عن قاعدة البيانات، معللا ذلك بقوله: كنت أتلقى كثيراً من الرسائل الإلكترونية والتهديدات ومع ذلك ، يوفر ( سبوكيو) عناوين بيوت وأرقام هواتف غير مدرجة، ومعلومات خصوصية عن أناس آخرين من دون إذن منهم، على الرغم من أن كشف تلك المعلومات قد يعرض هؤلاء الناس للتهديد أيضاً. ومع أن ( الفيس بوك ) يستغل معلومات الأشخاص الخصوصية، ويتاجر بها بصفقات مع المعلنين ومصممي الألعاب، فإنه طرد أحد مستخدمي الموقع لأنه حاول استخدام برنامج حاسوب لنسخ بيانات خاصة به - لائحة الأصدقاء - من صفحته على ( الفيس بوك ). وهدد أيضاً باتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانين الذين ابتكروا مشروع لفلي فيسيز) ، وأزال حساباتهم عن الموقع. دافع الفنانون عن أنفسهم قائلين: إن «استفزاز الفن التصويري، الذي يقدمونه يستخدم معلومات متوافرة للعامة، وبذلك فالأمر قانوني. لكن الفنانين رضخوا نتيجة ضغط من محامي ( الفيس بوك). وأغلقوا الموقع، لكنهم أبقوا على موقع (فيس تو فيس بوك دوت نت الذي يشرح المشروع، بما في ذلك المشقة القانونية التي واجهوها .

يمكن تفهم انجذاب الناس إلى الشبكات الاجتماعية فهي تتيح لهم التواصل، وتؤدي الغرض نفسه الذي كانت تقوم به الهواتف والرسائل فيما مضى.

لكن القوانين تحمينا من الغرباء الذين يتنصتون على مكالماتنا الهاتفية وقراءة بريدنا الخاص. حتى المساجين يمكنهم إرسال رسائل إلى محاميهم من دون أن يطلع عليها مسؤولو السجن، لكن كل ما ينشر على مواقع التواصل مستباح للقائمين على الفيس بوك) ، وأي أحد يبحث عن البيانات.

يغير ( الفيس بوك ) ومواقع التواصل الأخرى، أحداثاً كثيرة في حياتنا : كيف نعاشر، ونتسوق. ونعمل، ونتواصل مع من نحب. ويغيرون العملية السياسية بحد ذاتها. وعندما بنت المناظرة بين جون كينيدي وريتشارد نيكسون، ظهرت المخاوف أن العملية السياسية في طريقها إلى الانحدار لتصبح مجرد مسابقة يفوز بها المرشح الذي يملك حضوراً أكثر عند الظهور على التلفاز. لكن المناظرات التلفازية كانت تجرى في العلن، وبإمكان أي شخص اختيار القناة التي تبث المناظرة. وتبنت هيئة الاتصالات الفيدرالية قوانين تضمن للمرشحين وقتاً متساوياً لعرض آرائهم. يختلف الحال عند الحديث عن مواقع التواصل، فالفائز هنا ليس المرشح الذي يملك حضوراً قوياً على التلفاز، بل الذي يملك أفضل متخصصين بالبيانات. فقد أحرز باراك أوباما الفوز بالانتخابات الرئاسية؛ لأنه كان موجوداً بقوة على الإنترنت. إذ أدار أحد مؤسسي ( الفيس بوك ) ، كريس هيوز البالغ من العمر أربعة وعشرين عاماً حملة أوباما على مواقع التواصل، بعد أن أخذ إجازة من عمله الأصلي المساعدة باراك أوباما على الوصول إلى سدة الحكم.

تفوق الجمهوريون على أوباما، واكتسحوا واشنطن في انتخابات عام 2010م، من خلال الاستعمال الموجه للبيانات الموجودة على مواقع التواصل، فقد استخدم جامعو البيانات المعلومات التي حصلوا عليها من مواقع التواصل، مثل: اهتمامات الناس بالإنجيل، والمشاركات السياسية السابقة، إن كانوا ناخبين مسجلين أم لا ، وتاريخ عمليات التسوق، والملفات العقارية لمعرفة الناخبين المحافظين بالاسم، ثم إرسال تلك البيانات إلى المرشحين عن الحزب الجمهوري، الذين أرسلوا بدورهم رسائل إلكترونية إلى الناخبين مباشرة، قاطعين وعوداً، ومتخذين مواقف لم تظهر إلى العلن أبداً، وبعيداً عن أعين منافسيهم أيضاً. ولما كانت الحقوق الشخصية للأفراد، ومستقبل العملية السياسية على المحك، فقد حان الوقت لمعرفة كيف سنحمي أنفسنا بصفتنا مواطنين في الشبكة الاجتماعية. ما المسؤوليات التي يتحملها الأفراد؟ ما القوانين التي يجب أن تحكم ما يمكن أن تفعله مواقع التواصل الاجتماعي، أو طرف ثالث في شخصياتنا الرقمية وبياناتنا؟ ما الحقوق التي يجب أن يحصل عليها مواطنو مواقع التواصل؟

أصبحت المسائل المعقدة التي تسببت بها مواقع التواصل في الواجهة، بعد أحداث الشغب التي شهدتها بريطانيا في عام 2011م. وشعر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الذي وصف المجتمعات الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي سابقاً أنها «بارعة»، بشعور مختلف حالما بدأ المشاغبون بالتواصل فيما بينهم عن طريق ( الفيس بوك وتويتر والبلاكبيري مسنجر) : لتبادل المعلومات عن الأماكن المناسبة للنهب.

قال رئيس الوزراء مخاطباً مجلس العموم: سيصعق كل من يشاهد هذه الأحداث المريعة، من مدى التنظيم الذي حظيت به من الإعلام الاجتماعي. لذا، فنحن نعمل مع الشرطة، والمخابرات والقائمين على وسائل الإعلام المعرفة إذا كان من حقنا إيقاف الخدمة عن الناس، عندما تكون متأكدين أنها ستستخدم في أغراض العنف، وخرق النظام، وارتكاب الجرائم». وقد سألت الشرطة إن كانوا في حاجة إلى سلطات أخرى جديدة.

أوضح عضو البرلمان البريطاني ديفيد لامي، أن المشاغبين استخدموا ( البلاكبيري مسنجر ) الإرسال رسائل مشفرة وغير قابلة للتتبع إلى بعضهم بعضاً، وحث الشركة المصنعة لأجهزة بلاكبيري ريسيرش إن موشن)، على فصل الخدمة كاملة حتى عودة الهدوء إلى الشوارع . وطلب رئيس الوزراء إلى ( تويتر ) و ( الفيس بوك ) أيضاً إزالة الرسائل، والصور، ومقاطع الفيديو التي قد تذكي نيران الشغب .رد مؤيدو الحقوق المدنية فوراً، فسأل جيم كيلكوك، المدير التنفيذي المنظمة المناصرين عبر الإنترنت التي تدعى مجموعة الحقوق الكاملة: كيف يمكن للناس أن يعرفوا وجود شخص يخطط الافتعال أعمال شغب وأضاف من الذي لديه الحق في إصدار قرار كهذا ؟ ستكون المناصرات المشروعة والاحتجاجات المبررة عرضة للحد منها ، إذا خضع أعضاء شبكات التواصل والمواقع الإلكترونية للرقابة المواقع التواصل الاجتماعي مزايا جمة، لكن مواطني أمة ( الفيس بوك ) الذين ينعمون بتلك المزايا، قد لا يدركون أن لها عيوباً أيضاً. أسست الأمة اليافعة منذ أمد ليس بالبعيد. قبل أقل من عشر سنوات تحديداً. كان المواطنون الأصليون طلاب جامعات، وما زالوا صغاراً على تجربة التمييز المستفحل في أماكن العمل، والعلاقات العاطفية، أو عند الحصول على قرض مالي بناء على ما نشروه على مواقع التواصل، وعلى الأرجح، لم يدركوا بعد إلى أي حد تتأثر حياتهم الواقعية بما يجري مع نظيرهم الرقمي. 

انضم الناس إلى أمة ( الفيس بوك ) سعياً وراء حرية التجمع والتعبير، والفرصة لتطوير الذات. ولكن ما لم تحمى حقوق الأفراد، فستعمل مواقع التواصل على تضييق تصرفاتهم، والحد من فرصهم بدلاً من توسيع آفاقها، ومن الناس من فقدوا وظائفهم فعلياً بسبب أنشطة قانونية تماماً، كظهور صورة على ( الفيس بوك ) لموظف يحتسي النبيذ، وظهرت معايير جديدة للتصرف لا تظهر أموراً خارجة عن النطاق، كأن يصادق، القضاة المحامين تستولي مواقع التواصل الاجتماعي على كثير من مسؤوليات الحكومة التقليدية من دون أي حماية قانونية لمواطنيها، إن الهدف الاقتصادي المحدد المواقع التواصل - التربح من البيانات الشخصية - مجهول من قبل المواطنين الذين قد يوصلهم ذلك إلى مكان لا يودون العيش فيه. 

وضع دستور الولايات المتحدة من قبل سياسيين فلاسفة، كان همهم يدور بوقار حول السؤال الميتافيزيقي: ما الذي يجب عمله للوصول إلى الازدهار على المستويين الفردي والاجتماعي؟ وكانوا على يقين أن العيش الملهم والمتناغم، يتطلب تبني مبادئ تناسب مجالات شتى بدءاً من حل النزاعات إلى تشجيع الإبداع، ومن تنظيم العلاقة مع الأمم الأخرى إلى حماية حقوق الأفراد. 

اعترف السياسيون بأهمية حماية خصوصية الفرد، وأكدوا سهو الإجراءات الحكومية، فقد طلبوا أن تكون القوانين الضابطة للعلاقة بين المواطنين والحكومة معروفة بوضوح سلفاً، وأن لا تغيير من دون إخطار المواطنين ومعرفة رأيهم في الأمر، فضلوا أن تكون الحكومة منفتحة بشأن ما تفعله. مؤمنين أن أشعة الشمس هي أفضل مطهر»، مثلما قال القاضي في المحكمة العليا لويس برانديز بعدها بمئة عام، ولاحظوا أهمية أن يكون المرء قادراً على إعادة حساباته، والحصول على بداية جديدة، مجد أن هندسة الحاسوب وجمع البيانات لا الفلسفة هي القوة المحركة السياسات أمه ( الفيس بوك ) حيث إن ما يحفز الاقتصاد في ( الفيس بوك ) السعي وراء المزيد من المعلومات والمزيد من الناس: لأن الدخل الذي تجنيه الخدمة يعتمد على مقدار البيانات التي تجمع، يتجاهل مديرو مواقع التواصل عادة القيم التي يدور حولها الدستور الأمريكي، ويرى مؤسسو ( الفيس بوك ) مثلاً . أنه يجب التخلي عن الرغبة في الحصول على الخصوصية، فعلق مارك زاكير بيرغ خلال مقابلة عام 2010م، على قرار ( الفيس بوك ) جعل بعض المعلومات التي كانت خصوصية فيما مضى عامة قائلاً: أصبح الناس يشعرون بأريحية ليس فقط في مشاركة معلومات من أنواع شتي، بل بانفتاح أكثر ومع عدد أكبر من الأشخاص ، ويقول المبرمج السابق لـ ( الفيس بوك ) شارلي شيفر: «أشعر بأن مارك لا يؤمن بالخصوصية كثيراً، أو أنه في الأقل، يؤمن أن الخصوصية مجرد وسيلة لتحقيق الأهداف .

إن الطريقة التي بنيت عليها مواقع التواصل الاجتماعي، تمنعك من إعادة اكتشاف نفسك. فيمجرد أن تصبح المعلومات والصور التي تخصك على الشبكة عندها قد تستخدم ضدك إلى الأبد. 

ولأننا أصبحنا نعيش في عالم مواز على ( الفيس بوك ) ، فقد آن الأوان أن تعرف ماهية المبادئ التي يجب أن تحكم هذه الأمة، تماماً مثلما يحدث عند إنشاء بلد جديد، هل ما زالت المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة والدول الديمقراطية الأخرى، تلقى صدى عند الناس في عصرنا الحالي؟ هل تستطيع تلك المبادئ إرشاد الأحكام التي تطبق في مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

قد يبدو مقترح وضع دستور المواقع التواصل الاجتماعي سخيفاً، فمواقع ( الفيس بوك، وما يسبيس. وجوجل، وتويتر ويوتيوب ) ، جميعها كيانات خاصة، بينما يتحكم الدستور الأمريكي بتصرفات الحكومة فقط، وليس الكيانات الخاصة، لكن هذه ليست هي الحال في بلدان أخرى، مثل ألمانيا ، وإيرلندا، وجنوب أفريقيا، ودول الاتحاد الأوروبي ) ، حيث تطبق المبادئ الجوهرية المنصوص عليها في الدستور على القطاع الحكومي والشركات الخاصة أيضاً، وفي النهاية، توجد شركات أقوى من بعض الحكومات. و ( الفيس بوك ) مثال حي على هذه الحالة. 

تعد المبادئ الجوهرية المنصوص عليها في الدستور مرشداً للقطاع الخاص حتى في الولايات المتحدة، فقد مكنت الفكرة المستوحاة من التعديل الرابع عشر، الذي ينص على المساواة في الحماية تحت مظلة القانون الكونغرس من تشريع قوانين الحق المدني التي تضبط سلوك المؤسسات والأفراد.

مثلما ألهم بند حماية الخصوصية الموجود في التعديل الرابع القضاة بالسماح لهم برفع قضية على المؤسسات أو الأفراد الذين يفشون خصوصيات الآخرين من دون إذن. 

لسنا في حاجة إلى التفكير في دستور مواقع التواصل الاجتماعي على أنه حزمة من القوانين - مثل قانون الواردات الداخلي - الذي يتحكم في أدق تفاصيل ما يمكن للمواقع القيام به. ويجب عده بدلاً من ذلك مرجعاً يعبر عن القيم الجوهرية، التي يجب استخدامها في الحكم على الأنشطة التي تجري على مواقع التواصل ومواطنيها، حيث يمكن استخدام تلك المبادئ للبت في الجدل الدائر في المجتمع حول مواقع التواصل، ليس فقط تقديم الإرشاد للمواطنين فيما يخص التقنية التي يجب أن ترفض، بل قرارات المحاكم والمشرعين التي تتعق بالمبادئ التي يجب أن تسود أيضاً. 

تستطيع المبادئ مساعدة المحاكم في كثير من الحالات على البت في قضية، وتحليل قانون سار، والسماح باستخدام دليل معين في المحاكمة من عدمه، وتستطيع تلك القيم تقديم الإرشاد إلى المشرعين الذين ينوون تبني قوانين جديدة لتنظيم عمل مواقع التواصل. 

إن طبيعة مواقع الاتصال تتغير باستمرار، وتطرح تقنيات جديدة، وهذا ما يضع المستخدم أمام مسائل جديدة، فقد تكون حزمة من القوانين الدقيقة الصارمة التي تنظم عمل المواقع فاعلة الآن. لكن سرعان ما ستصبح بالية شأنها شأن قوانين أخرى وضعت الحماية الناس، مثل قوانين التنصت الهاتفي، وقوانين التوافق، التي فشلت في خدمة احتياجات مجتمع الإنترنت الحالي وحمايتها ، لذا يجب أن يكون دستور مواقع التواصل الاجتماعي المقترح، عكس قانون الواردات الداخلي الصارم مرناً خاضعاً للمبادئ الأساسية التي يجب عدم التخلي عنها، ويجب أن تخاطب أحكامه الإجراءات التي تقوم بها الوكالات الحكومية، والمؤسسات المجتمعية، والمجتمع بوجه عام. 

لدى كل أمة ديمقراطية مبادئ تتحكم في الحقوق التي يملكها الأفراد في الملكية، والخصوصية والحياة، والحرية. ويستحق مواطنو أمة ( الفيس بوك) الشيء نفسه.