لقد تحقق المستقبل الآن
لا يرغب العلماء عموماً في التحدث عاطفياً، فعلى الرغم من أننا نتحدث فيما بيننا عن عملنا باهتمام مثير، لكننا في الأغلب نؤكد حقاً ، التشكك والحذر فيما نقوله أمام العامة، غير أن هناك أحوالاً استثنائية تدعو إلى تنحية الشك جانباً ، فضوء الكهرباء يملاً الغرفة، والعالم يصف بانفعال واضح وعينين وقادتين ودون خجل، أي تغيير في صورة شيء ما يمكن أن يكون ذا أهمية تدوم طويلاً .
لقد مررت بهذه الخبرة بعد مرور خمسة شهور فقط من بداية القرن الحالي فقد نجحنا ، أنا وأكثر من 200 زميل يعملون في 20 مركزاً بحثياً في 6 دول، في قراءة %90 تقريباً من حروف كتاب DNA الإنسان، وهو ما يعرف باسم الجينوم البشري (Human Genome). فبعد توقع طويل ، ولحظات صاخبة تحقق الآن ما كان يعد هدفا صعب المنال وشبه مستحيل بعد أن حفزنا جميعاً إلى العمل في هذا المشروع عقداً من الزمان.
لقد تقرر الإعلان عن الخريطة الكاملة للجينوم العامة الناس بعد شهر في البيت الأبيض (White House)، غير أنه طرأت لي يوم السبت ذاك من شهر مايو سنة 2000 بصفتي قائداً ميدانياً لمشروع الجينوم البشري العالمي، فكرة إلقاء الخطاب الرئيس في أثناء الاجتماع السنوي للباحثين في علم الجينوم الذي يعقد في مختبر كولد سبرنج بالولايات )Long Island( في لونج أيلاند Cold Spring Harbor Laboratory( هاربر المتحدة الأمريكية. لقد كان هذا اجتماعاً خاصاً ممثلاً للنسخة العلمية من الإعلان العام المقرر تقديمه لاحقاً في البيت الأبيض. لقد كان كولد سبرنج هاربر المقصد الرئيس لعلماء الجينوم يلتقون فيه كل سنة، وقد ترأس الجلسة تلك جيمس واتسون (James Watson)، الذي اكتشف مع زميله فرانسيس كريك (Francis Crick التركيب الحلزوني المزدوج سنة DNAJ 1953
ولكن لم تكن سنة 2000 كسائر السنوات، فبعد أن تفحصت بناظري وجوه عدد كبير من العلماء الجدد والقدامى الذين عملوا بجد معاً لتحقيق هذا الهدف التاريخي، بدأت خطابي قائلاً :
«لقد كنا مشغولين بمغامرة تاريخية، وبغض النظر عمن هو مثلك الأعلى، سواء كان نيل أرمسترونج (Neil Armstrong) أم لويس ( Lewis) وكلارك (Clark) فإنه قد لا يكون الآن كافياً. ولا شك في أن المشروع الذي نجتمع الآن لمناقشته سيغير مفاهيمنا عن العمليات الحيوية للإنسان (Human Biology) ، وطرائقنا في التعامل مع الصحة والمرض، ونظرتنا إلى أنفسنا. إنها اللحظة التي يكون فيها تسلسل الجينوم البشري أو ما يمثل 85% منه بادياً للعيان. وستتذكر هذا الأمر، وستخبر طلاب الدراسات العليا في المستقبل، بل ربما أحفادك، أنك كنت جالساً أو واقفاً أو مستلقياً في مدرج جريس (Grace Auditorium) ، بحضور عمالقة الباحثين في مجال الوراثة الذين يملؤون هذه القاعة الآن وفيهم جيمس واتسون نفسه ، وأنك قد فكرت ملياً في هذا الزمن المذهل من التاريخ». ( يمكنك الاطلاع على مقالتي بعنوان: تاريخ شخصي لمشروع الجينوم البشري في الملحق ج).
لقد كان كل من في الغرفة يعلم أن علم DNA قد وصل إلى نقطة انعطاف. وسيتمكن العلماء بتعرفهم الخريطة الكاملة لسلسلة الجينوم، من الانطلاق إلى سلسلة مذهلة من المشروعات البحثية الإبداعية لفهم السرّ الأعظم لجسم الإنسان، وكيف يعمل DNA الذي يمثل كراساً عملياً لتعليمات الحياة. لقد تسلقنا قمة جبل كبير ، وها نحن الآن على وشك النزول السريع من الجهة الأخرى إلى واد سحيق يزخر بالاكتشافات المحتملة.
ثورة الجينوم
لقد مضى عقد من السنين تقريباً منذ لحظة الاحتفال، ويتفق الباحثون جميعاً في البحوث البيوطبية أن منهجية فهمهم كيف تعمل الحياة قد تأثرت بصورة كبيرة لا رجعة فيها بعد تعرفهم التسلسل الكامل لـDNA في الجينوم البشري وجينوم مخلوقات حية أخرى كثيرة. وقد لا يتصور طلاب الدراسات العليا كيف يمكن لأي شخص إجراء بحوث في مجال الوراثة البشرية من دون المعلومات المتوافرة حالياً بنقرة فأرة الحاسوب.
لكن أثر الإعلان الصارخ عن الجينوم البشري سنة 2000 في العامة كان مختلطاً. فجل الناس علموا أن الجينوم البشري قد أمكن تعرفه، لكنهم لم يتابعوا ما حصل نتيجة ذلك. إنهم تذكروا صعود الجبل، لكنهم لا يعلمون المكافآت التي بدأ ظهورها في الوادي. لقد أبرزت بعض وسائل الإعلام عندئذ إشارات عن التحول الآني للطب، لكن هذا الأمر لم يكن واقعياً مطلقاً فالزمن الواقع ما بين الاكتشافات الأساسية في العلوم والتغيرات التطبيقية اللاحقة في الطب والتقانة، أو في حياتنا اليومية يقاس بعقود السنين. وفي الحقيقة أن معظم الاكتشافات الواعدة الناجمة عن خريطة الجينوم البشري ما زالت أمامنا ، لكننا وصلنا إلى الحافة المؤدية إلى ذلك، وهي تؤثر في حياة كثير من الناس حالياً. دعنا نبدأ بدراسة حالة حقيقية للسيدة كارين (Karen) التي شُخصت إصابتها بسرطان الثدي سنة 2005.
كانت كارين فانس (Karen (Vance) (وهذا ليس اسمها الحقيقي) في الأربعين من عمرها عندما اكتشفت وجود كتلة في صدرها. وكانت صورة الأشعة السينية لثدييها سلبية. لكن جهاز الموجات فوق الصوتية بين وجود كتلة مقدارها سنتيمتران، حيث أظهر فحص عينة منها أنها مصابة بسرطان الثدي. وبعد استشارة طبيبها، استئصلت الكتلة السرطانية وأزيل ثلاث وعشرون غدة ليمفية كانت جميعها خالية من الخلايا السرطانية. ولما كانت والدتها قد أصيبت بسرطان الثدي، على الرغم من أنه لم يظهر لديها إلا عندما كان عمرها 64 سنة، وكان هناك أيضاً تاريخ للإصابة بسرطان الثدي من طرف والدها ، فقد قررت كارين أن تجري فحوصاً لجيني السرطان (2) BRCA 1 & BRCA)، لكن نتيجة هذه الفحوص كانت سلبية. ثم عولجت بالأشعة الاعتيادية بعد عملية استئصال الكتلة السرطانية، وبعد ذلك كان عليها أن تقرر هل ستتناول علاجاً كيميائياً للتقليل من احتمالية تكرار إصابتها بالسرطان في المستقبل. واستشارت لهذا الغرض ما لا يقل عن ثلاثة اختصاصيين في السرطان شجعوها جميعاً على أن تتناول علاجاً كيميائياً ذا فعالية؛ لأنها صغيرة العمر نسبياً. وقد عارضت كارين نصائحهم هذه، ولكن إجماعهم على رأي طبي واحد دفعها إلى الاستسلام لتناول العلاج الكيميائي، وبدأت تبحث عن جمة مناسبة لشرائها واستعمالها في أثناء ذلك.
وقد كانت دهشتها كبيرة عندما تلقت اتصالاً هاتفياً من أخيها الذي لم يكن يعمل في مجال الطب، لكنه سمع خبراً في أثناء مشاهدة التلفاز مفاده أن فحصاً جديداً يُجرى على نسيج الثدي السرطاني نفسه يزود الأطباء بتوقع دقيق حول إمكانية عودة السرطان من جديد. ويعتمد هذا الفحص على تحليل يكشف عن أي الجينات سينشط، أو يتوقف نشاطه في النسيج السرطاني، وتبين ثبات هذا التعبير الجيني) (Gene Expression) وصحته من نتائج تحليل آلاف الحالات، حيث أعطى صورة أدق عن مدى عدوانية السرطان مقارنة بالنهج التقليدي الذي يعتمد على الفحص المجهري لمظهر الخلايا.
استشارت كارين طبيبها الجراح الذي كان قد سمع بهذا الفحص، لكن لم تكن لديه خبرة عملية به، ووافق الطبيب على إرسال عينة من نسيجها السرطاني إلى مختبر التحليل. وظهرت النتيجة قبل أربعة أيام فقط من بداية برنامج العلاج الكيميائي المقرر لها ، وكان يشير إلى درجة منخفضة جداً من احتمالية عودة السرطان. وقد شكك أحد اختصاصيي السرطان ممن يتابعون حالتها في جدوى هذا التحليل، أما الطبيبان الآخران فكانا مقتنعين بأن هذه المعلومة تبرر إعطاءها علاجاً هرمونياً فقط. وقررت كارين أن تتابع هذا الطريق. وقد مضى عليها بعد ذلك أربع سنوات دون ظهور أي علامة تدل على السرطان. إن هذا الفحص نفسه يمثل إحدى الثمار الأولى للثورة الجينومية، وكارين هي أحد روادها الأوائل.
تمثل حالة كارين طريقة جديدة في الطب ستؤثر فعلياً في أوجه الرعاية الصحية جميعها. فلم يعد العلماء يكتفون بالتفسيرات التجريبية والسطحية للمرض، بل أصبحوا ينعمون النظر في الأساس الجزيئي للسرطان وأمراض القلب والسكري والزهايمر والانفصام والتوحد والحالات الأخرى جميعها، منطلقين من قناعتهم بأن كثيراً من مبادئ الطب والبيولوجيا المقبولة حالياً في حاجة إلى مراجعة جوهرية، فهناك فجوات أساسية فيما نفهمه عن جسم الإنسان، ونحن الآن نملاً هذه الفجوات. إننا نحدد الآن العوامل الوراثية للأمراض جميعها تقريباً من خلال تعرف اختلالات محددة في DNA التي بدأت تظهر بأعداد كبيرة بعد استكمال مشروع الجينوم البشري. وقد كان نتيجة ذلك أن الأشخاص الأصحاء أصبحوا قادرين على اكتشاف بعض الأسرار الخفية في أجسامهم، واتخاذ قرارات مناسبة تتعلق بصحتهم. إن قابلية التوقع الشخصي قد بدأت تصل إلى عامة الناس متيحة الفرصة لمزيد من القدرة على التحكم في صحتك.
تتوافر للأشخاص الذين يصابون بالمرض حالياً، مثل كارين، أدوات فحص جزيئية لتوقع مسار المرض، أو التوصل إلى قرار بعدم ضرورة العلاج، وإن خيارات العلاج أيضاً في تزايد ، إضافة إلى أن توفير المعرفة بالجينوم البشري قدمت أهدافاً جديدة لتطوير أشكال فاعلة من العلاج، لكن هذا الأمر لا يحصل بين عشية وضحاها ، إذ يعتمد النجاح النهائي على الرؤية الاستثمارية للعلماء والحكومات والجامعات والمؤسسات الخيرية والشركات المتخصصة في التقانة الحيوية (البيوتكنولوجية والصيدلانية وعامة الناس، في طاقة الباحثين وذكائهم وفي الموارد المالية. لكن مما لا شك فيه أن معرفة الإنسان لذاته تمر الآن بأعظم ثورة منذ ثورة ليوناردو (Leonardo).
DNA هو لغة الحياة
إن اكتشافات العقد الأول من هذا القرن، التي لا يعرف عنها عامة الناس سوى الشيء القليل، قد قلبت كلياً ما كان يُدرّس في كتب علم الأحياء في المدارس الثانوية. فإذا كنت تفكر في أن جزيء DNA يتضمن آلاف الجينات، لكن جلها بلا فائدة، فعليك إعادة النظر في هذا مرة أخرى. وإذا فكرت في أن الجينوم البشري يجب أن يكون DNA الأكثر تعقيداً على الأرض، فعليك التفكير في الموضوع مرة أخرى.
ليس هناك حاجة إلى تعرف تركيب DNA بالتفصيل لتحقيق الهدف من هذا الكتاب لهذا الغرض، انظر الملحق ب) : إذ يعرض الكتاب التطبيقات لا التصميم الهندسي، ولكن لا بد لفهم هذه التطبيقات من تعلم بعض المبادئ والمفردات.
للبكتيريا DNA وللخميرة DNA أيضاً ، وكذلك هو الحال في الغزال والكمثرى والبشر إنه اللغة التي تشترك فيها الكائنات الحية جميعها . إننا نعيش حقبة تاريخية حقيقية، أمكن فيها أول مرة كشف اللغة التي تشترك فيها الأنواع المختلفة. ويسمى مجمل DNA في جسم الكائن الحي الجينوم (Genome) ، وعموماً يُعبر عن حجم الجينوم بعدد أزواج القواعد التي يحتويها. تخيل اللولب المزدوج لـ DNA على هيئة سلم، حيث تتكون درجات هذا السلم من أزواج الأربع مواد كيميائية تسمى القواعد، وتختصر بالأحرف A, C, T, G، كما يوضحه الشكل 1.1 ، فإن DNA سلم طويل . والجزء الأساس منه مكون من خيط طويل من السكاكر ومجموعات فوسفاتية. ويوجد المحتوى المعلوماتي في القواعد الكيميائية المترتبة في الداخل، حيث تقترن القاعدة A بالقاعدة T دائماً ، وتقترن كذلك القاعدة C بالقاعدة G دائماً. وفي حالة أبسط الكائنات الحية حرة المعيشة ووحيدة الخلية مثل البكتيريا ، تجمع المعلومات جميعها في جينوم مكوّن من ملايين عدة من أزواج القواعد. أما الكائنات الحية متعددة الخلايا ذات التراكيب الجسمية الأكثر تعقيداً ، فإنها تحتاج إلى جينوميات أكبر للقيام بوظائفها. ويكدس الجينوم الخاص بنا 3.1 بلايين درجة من درجات سلّم DNA. ولجينوم معظم الثدييات الأخرى الحجم نفسه تقريباً من الدرجات بزيادة أو نقصان نحو بليون درجة. لكن كثيراً من البرمائيات لها جينوم أكبر بكثير من الجينوم البشري، وإن نباتاً بسيط التركيب أيضاً يُسمّى السرخس الخفاق (Whisk Fern) ، وهو عديم الأزهار والثمار والأوراق، له جينوم يبلغ حجمه 100 ضعف الجينوم البشري.
إن الجين (Gene) جزء من سلّم DNA يحمل معلومة وظيفية. والجينات القصيرة جداً يبلغ طولها مئات عدة من القواعد المزدوجة فقط، أما أطول الجينات وهو الجين المسؤول عن مرض دوشين لضمور العضلات (Duchenne Muscle Dystrophy) ، فيمتد على طول أكثر من مليوني درجة سلم. وأكثر الجينات التي لها آلية عمل واضحة هي تلك المشفرة للبروتين. وتتضمن هذه العملية ابتداءً تكوين نسخة من الحمض النووي الرايبوزي (RNA) من الحمض النووي الرايبوزي منقوص الأكسجين (DNA) ، ثم ينقل RNA إلى الرايبوسومات (Ribosomes) ( مصانع البروتين الموجودة في سيتوبلازم (Cytoplasm) الخلية، حيث تترجم حروف شيفرة RNA إلى أحماض أمينية (Amino Acids) مكونة للبروتينات المختلفة (الشكل (2.1) . وتتم هذه الترجمة باستعمال شيفرة ثلاثية، فمثلاً تشفر AAA للحمض الأميني لايسين (Lysine) ، وتشفّر AGA للحمض الأميني أرجنين (Arginine). ويشار إلى أن أي أخطاء في DNA ستؤدي إلى أخطاء في RNA ، ومن ثم إلى تشويه في البروتين الناتج (3.1الشكل).
من أبرز المفاجآت في مشروع الجينوم البشري اكتشاف أن DNA الإنسان يحتوي على 20,000 جين مشفّر للبروتينات فقط. وقد توقعنا عدداً أكبر من ذلك بكثير، فحتى الدودة الأسطوانية الأبسط تركيباً فيها 19,000 جين تقريباً . وقد كان بعض العلماء منزعجين من هذه المنزلة الدنيا التي تبدو كأنها تقلل من أهميتنا ، فنحن نفترض أن على الجينوم البشري أن يكون أكثر براعة بطريقة أو بأخرى، فبعد كل شيء نحن النوع الوحيد الذي وضع خريطة سلسلة الجينوم لدينا.
تنقطع معظم الجينات بصورة محيرة، نتيجة لفقدان أجزاء طويلة ممتدة من معلومات DNA التي تفقد أو (تفصل) في عملية تؤدي إلى تصنيع RNA ناضج، جاهز لتحويله إلى بروتين، ويكون لكل جين في المتوسط ثماني سلاسل قابلة للفقدان، تسمى سلاسل بينية أو إنترونات (Introns)، وهي تقطع الأجزاء المشفرة الحقيقية التي تسمى السلاسل القابلة للتعبير أو الإكسونات (Exons) . لذا ، فإنه يمكن لكل جين أن ينتج بروتينات عدة مختلفة بحسب الإنترونات والإكسونات التي تُفقد . تخيل أن أحد الجينات له هذا التركيب الأساسي CiAiUIRIET ، حيث تمثل الحروف الكبيرة باللغة الإنجليزية إكسونات والحروف الصغيرة إنترونات. وقد يحوّل هذا الجين، اعتماداً على كيفية الفصل والأجزاء المفقودة من هذه ARE CUT CAT CART CAR CURE CARE :المكونات، إلى أحد الاحتمالات الآتية ART وحتى CURE في حالة بقاء أحد الإنترونات البينية).
تمثل الإكسونات والإنترونات معاً للجينات المشفرة للبروتينات 30% تقريباً من الجينوم ، منها %1.5% فقط إكسونات مشفرة ، و 28.5% إنترونات بينية قابلة للفقدان، وماذا عن بقية الجينوم؟ يبدو أن هناك قطعاً طويلة فاصلة من DNA واقعة ما بين الجينات وهذه الفواصل لا تشفر البروتينات، وتمتد هذه الأجزاء في بعض الحالات إلى أطوال تصل إلى مئات آلاف القواعد المزدوجة حتى الملايين، حيث يُعبر عنها باسم (صحارى جينية) (Gene deserts) لصرفها عن الأنظار، لكن هذه الأجزاء ليست حشوة للجينوم فحسب، بل تحوي كثيراً من الإشارات الضرورية لتوجيه الجينات القريبة منها للقيام بالعمل أو عدم القيام به في أثناء مراحل النمو التي يمر بها نسيج معين. إضافة إلى أننا نعلم الآن أنه قد يكون هناك آلاف الجينات في المناطق التي تسمى ( صحارى جينية) ، لا تشفّر إلى بروتينات مطلقاً. وهذه تنسخ إلى RNA ، ولكن جزيئات RNA هذه لا تترجم أبداً، بل تقوم ببعض الوظائف الأخرى المهمة.
إن الجينوم البشري محمل بسلاسل مكررة دخلت إليه في أثناء هجمات قديمة من عائلات متنوعة من طفيليات تحتوي على DNA. وعندما تدخل هذه الجينات القافزة) (Jumping Genes) في الجينوم، تكون قادرة على أن تصنع نسخاً من نوعها وإدخالها عشوائياً داخل الجينوم. إن ما يقارب 50% من الجينوم البشري قد مر بهذا التاريخ. ولكن إذا عرضنا جيداً آلية عمل الانتخاب الطبيعي في مختلف الظروف، فإننا سنتبين أن نسبة قليلة من هذه الجينات القافزة قد استقرت فعلياً في أماكن ذات فائدة للعائل، لذا فهناك فائدة أيضاً حتى من بعض الجينات التي كنا نسميها (نفاية).
الاختلافات في لغة الحياة قليلة جداً بين الأفراد
لقد أصبحنا قادرين على أن نحصل على معلومات سلاسل DNA لعدد كبير من الأفراد بسهولة، وقد تعرفنا منها أن سلاسل جينومياتنا متشابهة إلى حد بعيد جداً بغض النظر عن أصول أسلافنا ومن أين جاؤوا.
فإذا قورنت سلسلة DNA التي تخصني بسلسلة DNA لشخص آخر أوروبي أو إفريقي أو أسيوي، فسيكون هناك في المعدل أربعة فروق فقط بيننا لكل 1000 حرف من حروف DNA. فإذا تفحصنا الجينوم كله فستكون الاختلافات بين DNA الذي يخصني، وذلك الذي يخص شخصاً آخر من آسيا أو إفريقية أكثر قليلاً من الاختلافات بيني وبين الجار الأوروبي، لكن 90% من هذا التنوع القليل جداً في جينومي ستكون بيني وبين الأوروبيين و 10% فقط ستبرز بعض الاختلاف الجغرافي مع الجماعات الأخرى. إن هذا التشابه الكبير بين بني البشر من مختلف أنحاء العالم هو دليل على أصلنا التاريخي المشترك. إن اختصاصيي وراثة الجماعات مقتنعون، بعد تفحصهم لهذه المعلومات، بأن بني البشرجميعاً قد جاؤوا من مجموعة مشتركة نشأنا منها مكونة من نحو 10,000 شخص كانوا يعيشون في شرق إفريقية قبل 100,000 سنة تقريباً ، لذا فنحن في الحقيقة عائلة واحدة، ولا غرابة في وجود تشابه كبير جداً بين (اللغات المحلية لـ DNA البشر).
إن جينومك المقدر تقديراً أولياً، متماثل في كل خلية من 400 تريليون خلية الموجودة في جسمك. لكن الخلايا المختلفة تستخدم مجموعات مختلفة من الجينات في أداء وظائفها، وهذا هو ما يجعل خلية الكبد مختلفة عن خلية الدماغ أو الخلية العضلية، وتقوم بهذه البرامج المختلفة بروتينات متنوعة ترتبط بـ DNA ، وذلك يؤدي إلى تشغيل الجينات القريبة أو إلى عدم تشغيلها.
لا بد من نسخ الجينوم في كل مرة تنقسم فيها الخلية. لكن يمكن حدوث بعض الأخطاء في الجينوم في أثناء الانقسام، وذلك يؤدي أحياناً إلى نمو خلية ما بسرعة أكبر مما يجب أن تكون عليه، وهذا قد يؤدي كذلك إلى نمو سرطاني، وقد تؤدي البيئة دوراً في ذلك هنا ، فمحفزات السرطان مثل التعرض للإشعاعات والتدخين تزيد من معدلات حدوث أخطاء في أثناء عملية نسخ DNA.
ما وراء مشروع الجينوم البشري
منذ سنة 2003 حصل تقدم سريع مبني على الأساس الذي هيأته الخريطة الأصلية السلسلة الجينوم البشري، ولكن هناك حاجة إلى كثير من العمل الدؤوب؛ لأن قدرتنا على تفسير حروف لغة حياتنا التي تزيد على 3 بلايين حرف ما زالت محدودة جداً، وهي تتطلب مصادر معلوماتية أخرى كثيرة لكي نستطيع أن نتفهم هذا البحر الهائل من البيانات. ولما كانت تكلفة تحليل سلسلة DNA تتناقص بسرعة كبيرة، فقد أصبح من الممكن تحديد التسلسل الجينومي الكامل لأنواع كثيرة من الكائنات الحية الأخرى، ومنها مئات الكائنات المجهرية وعشرات اللافقاريات والفقاريات والواقع أن تحليل التسلسل الجينومي لبعض الكائنات، مثل الفئران والجرذان والكلاب ذو قيمة في حد ذاته؛ لأن كثيراً من المجتمعات البحثية تكرس بحوثها لفهم بيولوجيا هذه الأنواع، لكن تعرّف التسلسل الجينومي لهذه الكائنات له فائدة متعلقة بالجينوم البشري أيضاً. ففوق كل شيء، إذا كان هناك ارتباط قوي بين قطعة معينة من الجينوم البشري بقطعة أخرى لحيوانات ثديية، أو بأنواع أخرى بعيدة جداً في الشجرة التطورية ، فلا بد من أن يكون لهذه القطعة وظيفة مهمة لا تتحمل تغييراً كثيراً بمرور زمن التطور.
يبين (الشكل (4.1) صورة مبسطة كيف يمكن لمثل هذه المقارنة أن تبرز خصائص جينومية قد تكون من دون ذلك مختفية في خضم بحر غامض.
