القائمة الرئيسية

كتاب مملكة النحل

كتاب مملكة النحل
ملخص الكتاب

يتناول الكتاب قصة خيالية عن مملكة النحل التي تعيش في جزيرة صغيرة وسط خليج البصرة، حيث تسرد التفاصيل المدهشة لحياتها اليومية وتنظيمها الدقيق، بدءاً من العمل المشترك بين النحل والنمل، مروراً بابتكاراتها في استخدام قواقع الحلزون كمساكن، وصولاً إلى التحديات الاجتماعية التي واجهتها بعد تغيير نظامها التقليدي. يستعرض الكتاب التأثيرات العميقة لهذا التغيير على نظام المملكة وعلاقتها بالطبيعة المحيطة بها، مع التركيز على قيم التعاون والنظام والتأقلم مع الظروف البيئية، ليقدم في النهاية إسقاطات فلسفية على مفاهيم الحياة والعمل والنظام المجتمعي.

مملكة النحل 

هناك جزيرة صغيرة بأطراف البحرين في خليج البصرة تتلاطم حولها الأمواج المالحة ذات الزبد الأبيض. عبارة عن صخرة مدببة وحولها عدة أمتار مربعة من التراب استطاعت ثلاثة أشجار أن ترسل جذورها إلى أعماقها، كأنها مدخنة سفينة غارقة بصواريها، الأشجار غلب عليها لون الأشنة الصخرة مثل سواد المدخنة .. بوجوهها السبعة كثيرة الأشكال توحي بمنظر ماسة سوداء بين الزبد الأبيض. 

في يوم من أيام خليج البصرة ذي الجو الضبابي والشمس الصافية حيث الجزر الصغيرة تنظر إلى وجوه بعضها بعضاً وكأنها تتبادل التحية. هذه النتوءات الصغيرة لا تصلح لأن يقيم فيها البشر، ولا يأبه بها إلا الزوارق والقوارب التائهة ولا تطؤها أقدام البشر. حتى إن بعض هذه النتوءات تبتلعها الأمواج العاتية والعواصف فلا تجد بها أثرا للحياة والنبات. 

ولذلك يقال: إن اصفرار أوراق تلك الأشجار الثلاثة هو من فعل الاستحمام بالماء المالح والواقع أن بعض الوجوه من تلك الصخرة الصامدة كالرجال، لا تجد فيها كثيراً من الرواسب الملحية ولعل الأمطار التي تنزل بغزارة واستمرار تغسلها جيداً وتنقيها …

وبعض الجزر الصغيرة التي تبعث ضحكاتها من خلال الضباب، تغلي فيها الحياة، ولكن لا أعرف إن كان في الأمر غرابة ذلك بأنه يبدو على أهل الجزيرة أنهم اتفقوا في أن يكونوا من أصل معين ومن صفات متقاربة ... ففي الجهة الشرقية حيث الجزيرة الصغيرة المعروفة بجزيرة كن التابعة للنحل بسهولها المرتفعة لا تعيش إلا الزهور والفراشات أما في جزيرة «قم» الشمالية فيعيش عدد من أجناس الأفاعي، وفي الغرب حيث الجزيرة بتربتها ذات الشقوق والحزوز توجد العقارب السوداء والصفراء. أما السلاحف وأنواع الحرباء ففي الجنوب حيث الجزيرة الأصغر مساحة المعروفة بتلتها الملساء الجرداء. 

ولا تسألوا عن النحل، إنها تعيش في أجملها ومع أجملها، تعيش مع النمل، والنمل مثل النحل تجد وتعمل، وتحافظ على النظام. إنها الأبناء المسالمون لأسرة عريقة مريدان تابعان الشيخ واحد ... 

فإذا اقتربت من الجزيرة الصغيرة بزورق، وجدت الأمواج تداعبها كالعادة شب، شب، شب... ووجدت الصخرة تقطر منها المياه نقطة بعد نقطة، حبات كبيرة مثل حبات الدمع من عيني عابد يبكي مستنداً إلى جدار الكعبة.. الأمواج تتسارع .. حتى تتجاوز الصخرة وتصل فوق الشجيرات الثلاث وتنزل منها على التراب مثل المطر، الأشجار تنتفض كعصفورة بللها المطر. وبأزيز تطير أسراب النحل الأصفر وتحط مرة أخرى على الأغصان قطرات تنزل واحدة بعد أخرى. النمل تتراكض إلى أنفاقها. ولا تلبث أن تعود إلى أماكنها .

النحل تجفف أجنحتها بتحريكها، وتأخذ القطيرات بأفواهها، ثم تلفظها في خلاياها. والنمل يجفف أنفسها بضرب أرجلها ببعضها فتنشف، ثم تنتظم في صفوف باتجاه الغرب يقف كأنها ساجدة، ثم يدب النشاط فينتشر فوق التراب والنحل تطير مرة وبلحن أجش ترتفع نحو جزيرة (كن). تجعل الشمس هدفها، ثم تنحرف قليلاً نحو اليمين وتذهب بعيداً .. سرب يروح.. يغدو وسرب وهكذا تبدأ الحياة في مملكة النحل كل صباح وهكذا تستمر الحياة!!. 

فلا خصام ولا احتكاك، الكل أصدقاء، وكل يقوم بواجبه، والكل راض عن حياته، فلا حقد ولا خصومة ولا نفور لا ضجر ولا ألم، حياة كلها سرور وجد، والنتيجة النافعة بعد كل عمل .... 

تختص النحل بما فوق التراب وأغصان الأشجار والأزهار كما تختص النمل بالتراب وما تحت التراب، تستمران في العيش مثل جارتين. 

وخلال تأثير الرياح الموسمية تكون النمل في أوكارها، والنحل في شقوق الأحجار في حالة النوم والانتظار. فإذا انقضى الموسم، دبت فيها الحياة وهي أكثر نضارة وتجاوباً، فتئز وتطير. 

والرياح الموسمية في هذا العام حرفت إلى جزيرة النحل قواقع الحلزون.. ولما بدأت النحل تتخذ من هذه القواقع بيوتاً لها حدث انقلاب في مجتمعها. فلم تعد تصرف كل ذلك الجهد لتبني البيوت أو تصنع الخلايا ، فقوقعة واحدة لحلزون كبير يمكنها أن تقوم مقام خلية. وليس على النحل إلا تنظيف هذه الحجرة الحلزونية الدهليزية وقلبها إلى وضعية لا يدخلها المطر .. وقد يستغرق تنظيف قعر هذه الخلية العملية وقلبها ساعات عديدة.. فالنحلة تتفوق بعملها هذا على عامل منجم الفحم. 

هذا الابتكار أو النعمة الإلهية أفرح النحل كثيراً. ففي يوم التاسع والعشرين من مايو (أيار) من كل عام تستيقظ مبكرة. ومع طلوع الشمس تبدأ بالدعاء الجماعي، وتولي وجهها نحو القبلة بتوجيه من دماغها، وترفع الشكر لبارئها بغمس أرجلها في ماء البحر. 

وفي نفس الوقت، ترمي ببعض العسل المجتمع لديها إلى أوكار النمل كي تدخل عليها السرور .... ولم يمض وقت طويل حتى انتشر هذا النموذج من العش بين كل النحل في العالم، كما أقيمت الأفراح مع العاملات القادمات إلى مملكة النحل من الجزر والبلدان الأخرى... 

كانت نهاية شهر أيار / مايو حيث فقدت الرياح الموسمية شدتها. وسكت المطر، واغتسلت كل الأغصان وكل حبات التراب، وفتحت صدورها الأضواء الشمس اللامعة. وتفتحت الزهور زهرة بعد زهرة تنتظر النحل تضحك، تستقبل النحل بضحكاتها . والنحل ترى الخضار رمادياً لذلك فإن هذه الجزيرة الخضراء بدت تحت الشمس كعين رمادية. وعيون النحل - وبها أكثر من ستة آلاف عدسة - تستقبل إشارات وموجات ضوئية من الزهور الإشارات الصادرة عن العسل تطرب النحل وتأخذ بألبابها .. هل رأيت طرب من جذبه الحب الإلهي أم هل رأيت الشهيد الذي يعجل إلى ربه ليرضى أو هل رأيت العاشق يطوي الجبال للقاء حبيبه، فكذلك النحل تطرب وكذلك تسارع، وكذلك تطوي مدى البحار إلى جزيرة (كن) غير المأهولة، إلى جزيرة الأفاعي والفئران... تحط على كل الزهور، تقبلها وتداعبها، وتأخذ رحيقها، وتجعل غبارها كرات برجلها وتعود ... 

وبأزيز رئيس السرب ترتفع سلسلة النحل فوق جزيزة (كن)، وبعد طيران قصير تصل إلى مملكة النحل، تدور دورة فوق الصخر وتكتشف الأشجار، ثم تنزل نزولاً سلساً على الأغصان، وبعد استراحة بضع دقائق هناك تحط على الأعشاش وتملأ الخلايا. وبغبار الطلع الأصفر المتكتلة بأرجلها تغلق الخلايا الممتلئة وتختمها ، وتبلغ ملكة النحل عن الخلايا الممثلثة، فيأتي وكيلها ليذيل الخلية بتوقيعه ... 

أما النحلة التي ختمت خليتها فتستعد لرحلة اليوم التالي وهي في فرحة غامرة، وتضع النقاط على مكان الخلية الجديدة بالأوراق الخضراء الممضوغة، وتصب الأرضية وتخط حولها دائرة ملحية بماء البحر، لتستعصي على قمل النحل من أن تخترقها، وعلى هذا الأساس فلا تعيش الكائنات الضارة المعروفة بقمل النحل في مملكة النحل منذ الخليقة، ولا يتعرض العسل للفساد ولا يصيب النحل مرض أو سقم. وهكذا يحقق سكان مملكة النحل الصحة البدنية إلى جانب الصحة النفسية فهم سعداء مادياً ومعنوياً، والأمن الداخلي مستتب، فليس هناك تسلل خارجي أو اختراق أمني. 

إلا أنه خلال ثورة البناء في قواقع الرخويات ظهر نوع من عدم الانسجام لكن تم تجاوزه: ذلك بأن ملكات النحل لهن أقسام خاصة بهن في الخلايا. ويضعن بيوضهن في الخلايا الأخرى، فلا يلبث أن يخصبها الذكر، فكانت التواءات القواقع تعرقل دخول وحركة ذكور النحل، فتبقى بعض البيوض دون تلقيح، وما لبث أن وجد أحد الذكور حلاً بحيث لا تخزن في هذه المساكن الجديدة سوى البيوض التي ستقضي فيها فترة الشتاء، أما بيوض التفريخ الصيفي فسيوضع في الخلايا كما هو معلوم.. هذا الاكتشاف أدى بهذا الذكر لأن يكون سيد الذكور، وخول صلاحية الإخصاب مدة عامين. ذلك أن الذكر الواحد لا تتجاوز مدة إخصابه عاماً واحداً، ثم يطير وينتهي بعيداً، فيظهر مكانه ذكر من نتاجه. وهكذا فإن الذكر الجديد سيقوم بعملية الإخصاب بعد أن يكتسب خبرة عام واحد، مما كان له تأثير على الحياة، فانتهت عافية الذكر الجديد بالانتظار، فاعترى ميزة الكفاح في جيل النحل شيء من الضعف، فهل كان ذلك انحرافاً بسيطاً في النظام الأزلي؟ 

فهذا هو سبب كل ما سيحدث، وتقع مملكة النحل في قبضة الاحتلال.

النكبة الأولى :

الجو صحو كعادته، والسماء صافية والهواء عليل الجزيرة تعج بساكنيها العاملات والملكات والذكور .. فقد اجتمع كل فئات النحل. الشجرات الثلاث بدت وكأنها عرائس وسرحت شعورها، وليست حلة من النحل الأصفر. أسراب تطير وأسراب تحط وهي تتز وتعج. 

الربيع أشرف على نهايته. وأزهار آيار/ مايو في قمة تفتحها ، أزهار الصيف براعم تتفتق النحل الكتبة على الصخرة السوداء يكتبون سطراً . ثم يمحونه ويكتبونه مرة أخرى، ومراقب يراقبهم. فيضيف حرفاً في السطر، وأسراب النحل التي تقلع من الأشجار تطير وتقرأ ما كتب، ثم تعود إلى أماكنها، فالكتابة كانت في هذا المعنى: 

إخصاب قليل وعسل كثير ..... 

لم تقدر كل نحلة أن تفهم هذا، لكن كل نحلة تنتظر النهاية بالانضباط المعروف لدى النحل. وتفكر بالعودة إلى العمل عند انتهاء الحفل . وتنتظر في مكانها بكل احترام خروج ملكة النحل حتى يبدأ الحفل، وعادة في مثل هذا الجو الجميل تتراءى كل الجزر المجاورة. ويتحسس سكان الجزر المجاورة وضعاً طارئاً في مملكة النحل، إلا أن الأفاعي والعقارب في جزيرة الأفاعي، تتسلق أعلى الصخور وتراقب جيرانها بصورة أكثر تحفزاً، وكأنها تنتظر الأخبار الواردة من هناك... الوجوم يسيطر على جزيرة السلاحف والفئران أما جزيرة الزهور ففيها عشق غريب: 

الزهور كأنها ضاعفت من تفتيح عيونها للشمس هذا الصباح، ولعلها تنتظر النحل، لتأتي وتدغدغها، فتقدم لها شيئاً من عصاراتها الحلوة. نعم، تنتظر وكأن كل واحدة منها عاشقة حسناء. ولكن لا أثر للنحل، لم تقد إلى محبيها جملة أو فرادى. يكاد يغشى عليها من القلق. وما من واحدة تغدو لكشف مصادر العسل. مع أن هذه الزهور أعدت هذا الصباح أزكى ما عندها من العسل لحبيباتها من النحل. 

و مادرت زهور الأقحوان والياسمين والنرجس بوريقاتها الصفراء والبيضاء والزرقاء والحمراء ما الذي جرى للنحل، وكيف لها أن تعرف بأن النحل على مفترق الطرق؟ 

لم تمت النحلات الحبيبات بل لعلها في عيد للموت. كان ذلك عيداً ولكن أبكى بعضها، وأضحك آخرين. وعندما قرب وقت الظهيرة كانت الزهور قد تفطرت قلقاً وسالت عسيلاتها على التراب، وأسرع الجعل في لحس ما سال من خلاصة العسل فكان عيداً لهم. وأخيراً جاءت مجموعة من العاملات بعد الظهر. طافت حول الزهور زهرة بعد زهرة. تفقدتها وشمتها. وعادت من غير أن تكتشف العسل.. وعادت ولكن الزهور عرفت من همساتها أن اجتماعاً مهماً جداً سيعقد في مملكة النحل، وأن النحل على أعتاب حياة جديدة، بأمر من الملكة، وأن مجموعات النحل لن تزور جزيرة النحل بعد هذا لأنه تم صرف النظر عن التوالد والتكاثر. وهذا الاحتفال هو أن ملكة النحل ستحدد النسل بإرادتها، وأنه لن تنجب كثيراً بعد الآن، وستعمل قليلاً وتأكل كثيراً، وأن تخزين مزيد من العسل في الشتاء أمر صعب، فهي ستقلل من عدد السكان كي تتحقق السعادة والرخاء في الجزيرة من الطبيعي ألا تفهم الزهور الحالمة والوالهة أسباب ذلك ومبرراته ولا تقدر على التفريق بين منافعها وأضرارها.

 لكن جانباً من ذلك الأمر يهمها، وهذا هو سبب شعورها بالمرارة. فالزهور التي تفطرت من القلق ذبلت كدراً قبل أن ينتهي النهار واصطبغت الجزيرة بلون باهت، فكأن المهرجان في مملكة النحل أعلن الحداد هنا . ذلك بأن الزهور أصبحت في وضع لم تعد جماعات النحل ذات الألوان المختلفة والنغمات المتعددة والأجنحة والرؤوس المتميزة، تأتي كل زهرة على حدة لتداعبها وتدغدغها ثم تقبلها وتولي هاربة !! ولهذا السبب فإن تلقيح الزهور سيكون أمراً صعباً . ستنتظر عشرة زهور كي تأتيها نحلة واحدة تأخذ منها غبار الطلع وتحملها إلى أنثاها . 

فيا للحسرة، ويا للغرابة، ويا للويل! 

ولكن هل كانت مملكة النحل كذلك فلا احتفال ولا عرس، ولا رقصة النحل التي تشمل الصغير والكبير والملكة على حد سواء، ولا أناشيد ولا أغاني... ولا الطيران الجماعي من صخرة الكتابة إلى الشجيرات الثلاث ومنها إلى أفق البحر ثم الارتفاع إلى الأعالي.. ثم الانقضاضات الفجائية. وكالعادة كل نحلة تبحث عن مكانها المحدد وتبدأ قافلة أخرى بالطيران... ويسيل العسل من الخلايا للنمل. فتشترك في العرس وتتسابق إلى البحر، فتغمس أرجلها وتدعوا وبلحظة تجد بعضها تضطرب فتزل قدمها فتقع في الماء، وتسارع النحلات العاملات فترمي لها بالأعواد، وتنقذ أطفال الجيران، من صغار النمل. وتطير النمل ذوات الجناح فتشترك في الاستعراض حتى إن من يافعي النمل من يتسلق الشجر ليصافح يافعي النحل. 

الحقيقة أن بلوغ هذا الحدد ممنوع. فملكة النحل لا تنظر نظرة الرضا نحو مثل هذه التصرفات المنافية للحشمة. لكن العرس جعل العيون كليلة من أن ترى العيوب، كما أن ملكة النحل مشغولة في وكرها بإعداد الأوامر فهي في الخلية التي أعدت خصيصاً في حفرة بالجانب المستوي من صخرة الكتابة.. السوداء المدبية تتناول فطورها من حليب النحل، وانهماك في الرقص وتلخيص أفكارها الثورية وتشكيل سمفونية موسيقية. 

وحان الوقت. فمنتصف اليوم هو وقت العبادة حسب توقيت النحل. فلا احتفال للنحل إلا بعد أداء واجب الشكر للخالق. وهذا هو السبب في تأخر الاحتفال إلى الظهر. 

توجهت ملكة النحل نحو الجمع، فوقف جميع من في المناوبة على قوائمهم الخلفية مصفقين بأجنحتهم. وبدؤوا معاً في أداء نشيد... انتباه.. الملكة !! تعودوا أن يؤدوا جميعاً هذا النشيد عند خروج ملكة النحل وهكذا كان. وأزت ملكة النحل. فخرجت من وكرها وسرحت بنظرها على من حولها وجريت أجنحتها. وانتصبت على قوائمها الخلفية وبدأت بالرقص. وبعد قليل أطلقت صوتاً جهورياً وطارت فطافت حول الجزيرة وأجرت كشفاً على جميع أفراد النحل ثم عادت وحطت على أعلى نقطة في الصخرة. وأصدرت أمرها : 

استعدوا للتعبد ... 

استوى كل الأفراد، ومرروا بقوائمهم الأمامية على رؤوسهم وأجروا عملية التنظيف، ثم عادوا فانتصبوا على قوائمهم الخلفية فهتفت ملكة النحل 

شكراً للخالق وما أعطى .... 

فرددوا جميعاً وبصوت واحدا : 

شكراً للخالق وما أعطى والعمر الطويل المليكتنا ... 

واستمرت العبادة دقيقتين. فكل الأفراد يطيرون مع ملكة النحل يرتفعون عشر سنتمترات ثم يحطون مكانهم وتشرئب أعناقهم لتقرأ الألحان. 

وفي هذه الأثناء اصطف النمل حول النحل يغمس ارجلها في البحر ويشترك معها في العبادة، وعند انتهاء التعبد، طارت الملكة فعادت إلى مكانها ، رافقها هذه المرة عشر من العاملات ثم اكتمل العدد بالمئات والآلاف. طيران جماعي في طبقات صوتية مرتفعة دام ساعة.. تردد صداها في الآفاق، ثم جاءت الملكة فحطت على الخلية الاحتفالية في أعلى نقطة من الشجرة الوسطى. وأخذت كل نحلة مكانها، وتدافعت النمل إلى أوكارها . هكذا كانت التعليمات. وكان على النمل ألا تستمع إلى الحديث. 

بدأت الملكة حديثاً ولما تكمل بعض اليافعات النزول من الشجرة، أكملت الملكة خطابها القصير، وسمعت ذلك النمل فبقيت مختبئة بين القشور. أعادت الملكة قراءة خطابها ملحناً، وكرر جميع النحل هذا اللحن. وكانت نهاية الاحتفال، وصارت تترسخ في قلب كل نحلة معاني هذا اللحن. 

هذه الأوامر لا تهم العاملات كثيراً، لكنها أزعجت الأمهات واليرقات المرشحة لأن تكون ملكة النحل. وفي لحظة التقت يرقتان وجهاً لوجه ونظرنا إلى بعضهما نظرة أسى ولسان حالهما يقول:

 - ستكون نهاية ذلك مفجعة... 

وكانت الملكة تقول:

 ... إنجاب قليل وعسل كثير، وبلاد سعيدة، وإخصاب واحد في عامين. لا تتعبوا العاملات ولا تتعبوا الأمهات فجزيرتنا صغيرة وجزيرة الزهر بعيدة. وإذا كان الأكلة قليلين فالطعام يكفي. غذاء وفير وجيل قوي. يجب أن نعيش الحياة .... 

كانت نصيحة جميلة نوعاً ما . لكنها لا توافق القانون الأزلي للنحل فالنحل تعمل كثيراً وتتكاثر بسرعة، وتأكل قليلاً وتنام قليلاً .. لكنها تحمي بلادها. ولا تضيع تراثها وحريتها ولا تسمح للغير أن يستعمرها .

لكن القدر لا محالة واقع. فإنها من اليوم الذي بنت خلاياها في قشور الرخويات قررت أن تكون الملكة لعامين، ذلك بأنه عندما سهل على ملكة النحل تحقق أمر الخلية بيسر قررت رفع صلاحية الإخصاب إلى عامين، وعندها حدث ما حدث فإن بقاء ملكة النحل عامين يعني موت اليافع المرشح لأن يكون ملكة أو الانتظار عاماً آخر، فمقتل الذكر الشاب أحدث مرارة في قلوب الإناث. أما الانتظار فيزعج الملكة، فالطريقة الجديدة، ولدت مشكلة جديدة أمام النحل. وقد أقيم الاحتفال لحل هذه المشكلة، ولهذا السبب كانت الملكة العجوز تطلق أوامرها الصارمة بذلك الصوت الثخين. 

والواقع فإن قوة الاخصاب لم يعد له وجود في الذكر المخضرم. لأن القوة الطبيعية التي منحها له الخالق تستمر عاماً واحداً. وكان هذا القرار خطأ مناقضاً للفطرة. لكن ما العمل فقد وقع سكان هذه المملكة في الفخ. فمن سيصلح هذا الخطأ، لا زال الوقت مبكراً لتبين ذلك لكن التدبير الذي اتخذته ملكة النحل يعتبر حلاً ظاهرياً مؤقتاً، إلا أنه بمثابة جرح آخر أكثر عمقاً بالنسبة لمملكة النحل، حتى إن ذكور النمل لما سمعت بذلك علقت عليه قائلة علامة يوم القيامة، لأن فساد التقاليد عندهم يعني نهاية الجنس... 

من جهة أخرى فإن النحل من ذكور واناث من نتائج الملكة العجوز باتت صغيرة وضعيفة البنية. فقد صار اتخاذ التدابير أمراً ملحاً وما لبث أن رضخت النحل لما يتخذ.

وهذا هو البيان الذي أعلن في الاحتفال: 

سيحدد النسل، ويستعاض عن التكاثر بإنتاج العسل، سيكون عدد السكان قليلاً، وسيتم تخزين العسل، ويعيش سكان المملكة في سعة صيفاً وشتاء. ولن يعدموا العسل حتى في الأعوام التي تموت فيها الزهور بفعل الرياح الموسمية. وقد يمكنهم أن يمدوا الجزر المجاورة بالعسل مقابل العشب الأخضر.

وقصارى القول فقد كان البيان مغرياً ومراً في وقت واحد، لقد سرى الحزن في قلوب العقلاء من النحل.. لكنهم عادوا إلى العمل والأسى يملأ قلوبهم.

كتب ذات صلة