سمات الإبداع في الرياضيات
بهارات سريرامان Bharath Sriraman
مشكلة تعريف الإبداع
يوصف الإبداع في الرياضيات ببساطة على أنه فطنة واختيار وتمييز مستبصر (1948 Poincare)، وأما من وجهة نظر بوانكريه (1948) ، فإن الإبداع لا يتكون على وجه التحديد، من إيجاد ارتباطات لا طائل تحتها، بل يتضمن فقط تلك الارتباطات المفيدة التي تكون نسبتها عادة صغيرة جداً، وقد يبدو هذا وصفاً مبهماً للإبداع في الرياضيات. إذ يمكن للمرء أن يفسر مجاز ، الاختيار، الذي استخدمه بوانكريه على أنه مقدرة عالم الرياضيات على أن يختار بعناية من بين المسائل التي تؤدي إلى حلول ناجحة مقارنة بتلك التي لا تأتي بجديد . لكن هذا التفسير لا يكون حلا لحقيقة أن بوانكريه قد أغفل مسألة الجدة ( The Problem Of Novelty) وبعبارة أخرى، فإن وصف الإبداع في الرياضيات على أنه القدرة على الاختيار من بين الارتباطات المفيدة وتلك التي لا طائل تحتها، يماثل وصف فن النحت على أنه بتر لا لزوم لها.
وقد كان تعريف بوانكريه للإبداع نتيجة لظروف عثر من خلالها على نتائج عميقة في الدوال الفوكسية ( Fuchsian Functions) (نسبة إلى العالم الألماني لازاروس فوكس Lazarus Fucks)، تألفت المرحلة الأولى من العمل الشاق للتوصل إلى رؤية للمشكلة الموجودة، وقد سماها بوانكريه المرحلة الأولية للعمل الواعي، ويشار أيضاً إلى هذه المرحلة وتحدث المرحلة الثانية ،)Hadamard, 1945) Preparatory Stage بمرحلة الإعداد حول الفترة التي يصار فيها إلى طرح المشكلة جانبا مدة من الوقت، ويكون فيها العقل مشغولاً بمشكلة أخرى، ويشار إلى هذه المرحلة بمرحلة الحضانة The Incubatory Stage (1945 ,Hadamard). أما المرحلة الثالثة، فتكون عندما يظهر الحل فجأة في الوقت الذي ربما يكون فيه المرء مشغولاً بأمور أخرى لا علاقة لها بالمسألة. ويعد هذا الظهور والإشراق المفاجئ علامة واضحة لعمل طويل لا شعوري يسبق مرحلة العمل ( 1948 ,Poincare) . وقد أشار هاد مرد إلى هذه المرحلة بمرحلة الإشراق The Illuminatory Stage، وعلى الرغم من ذلك، فإن عملية الإبداع لا تتوقف عند هذا الحد، إذ إن هناك مرحلة رابعة أخيرة تتمثل في التعبير عن النتائج شفهياً أو كتابياً. ويستطيع المرء عند هذه المرحلة أن يتحقق النتائج، ويجعلها دقيقة ومحكمة، وينظر إلى إمكانية نشرها على نطاق واسع من خلال استخدام النتائج، وعموماً، يمكن القول إن نموذج الجشتالت يحتوي على بعض العيوب. أولها : أن هذا النموذج ينطبق بصورة رئيسة على المسائل التي طرحها علماء الرياضيات بوصفها بدهيات، ومن ثم فقد تجاهل العملية الرائعة الساحرة التي يتوصل من خلالها إلى الأسئلة الفعلية، وثانيها: أن النموذج يعزو الجزء الكبير مما حدث، في مرحلتي الحضانة والإشراق إلى محركات اللاشعور، وقد عالج إيرفيتك (1991 ,Ervynck) في نموذجه ذي المراحل الثلاث المسألة المتصلة بكيفية التوصل إلى المسائل على نحو جزئي، لقد وصف إيرفينك، الإبداع في الرياضيات من خلال عملية مكونة من ثلاث مراحل، يشار إلى المرحلة الأولى، وهي مرحلة الصفر (0) Stage) بالمرحلة التقنية التمهيدية التي تتألف من بعض أنواع التطبيقات التقنية والعملية لقوانين الرياضيات وإجراءاتها، دون أن يكون لدى المستخدم أي إلمام بالأساس النظري (ص (42). أما المرحلة الثانية ( المرحلة رقم (1)، فهي مرحلة النشاط الحسابي Algorithmic Activity التي تتألف بصورة أساسية من أداء المناحي الرياضية كما في تطبيق بعض الخوارزميات الرياضية على نحو صريح مراراً وتكراراً، في حين يشار إلى المرحلة الثالثة ( المرحلة رقم (2) على أنها نشاط إبداعي هذه هي المرحلة .Creative (Conceptual, Constructive) Activity )مفاهيمي بناتي( التي يحصل فيها الإبداع في الرياضيات الحقيقي، وتشتمل على اتخاذ قرارات غير حسابية. وقد تكون القرارات التي تتخذ ذات طبيعة متباينة على نطاق واسع، وتشتمل دائماً على خياره ( ص 43). وعلى الرغم من محاولة إيرفينك، وصف العملية التي يتوصل من خلالها علماء الرياضيات إلى الأسئلة من خلال مرحلة الصفر والمرحلة رقم 1، فإن وصفه للإبداع في الرياضيات يشبه إلى حد بعيد وصف كل من بوانكريه وهاد مرد، حيث إن استخدامه مصطلح ، اتخاذ قرارات غير حسابية يشبه استخدام بوانكريه، مجاز الخيار.
ولم يتوصل المؤلف إلى وجود دراسات في تعليم الرياضيات تحاول تعريف الإبداع صراحة، ولكن هناك مراجع للإبداع أشار إليها الباحث السوفييتي كروتتسكي (1976 ,Kruitiski) ضمن سياق قدرة الطالب على تجريد المحتوى الرياضي وتعميمه. وعلى الرغم من ذلك، فهناك مثال رائع لمحاولة عالم الرياضيات جورج بوليا (George 1954 Polya) لتقديم استدلال لمعالجة مشكلات ومسائل بطريقة مشابهة لما يمكن أن يصدر عن عالم رياضيات يتمتع بقدرات عالية. لاحظ بولياء أننا عند محاولة إيجاد حل للمسألة، تدرس مجالات مختلفة تتعلق بها كل على حدة، ثم تفكر فيها مراراً وتكراراً، لذا. فإن اختلاف المسائل أو المشكلات وتنوعها أمر أساسي في عملنا .. وأكد «بولياء أهمية استخدام أنماط استدلال متنوعة لحل المسائل الرياضية ذات الصعاب المتنوعة، ويلاحظ أن علماء الرياضيات يعمدون في اختبارهم إلى معقولية التخمينات الرياضية، إلى استخدام إستراتيجيات متنوعة، ففي بحثهم عن الأنماط الواضحة، يعمد علماء الرياضيات إلى استخدام أنواع متعددة من الاستدلال، مثل (أ) التثبت من النتائج، و (ب) التثبت من نتائج عدة بنجاح، و(ج) التثبت من النتائج غير المحتملة و(د) الاستدلال من التماثل الجزئي و (هـ) تعميق التماثل الجزئي. وهكذا، يمكن النظر إلى الاستدلال على أنه آلية لاتخاذ قرارات تقود علماء الرياضيات عبر مسار محدد، قد تكون نتائجها مثمرة أو عديمة الجدوى، ويتضح من الفقرات السابقة أن معضلة تعريف الإبداع ليست سهلة.
وعلى الرغم من ذلك، فإنه قد نجم عن تجدد اهتمام علماء النفس بظاهرة الإبداع دراسات كثيرة تحاول تعريف مصطلح الإبداع، وتفعيله، حيث حاولوا في الأونة الأخيرة ربط الإبداع بمقاييس الذكاء (1985 ,Sternberg) ، وبالقدرة على التجريد والتعميم Frensch & Sternberg( والقدرة على حل المشكلات المعقدة ، )Sternberg 1985( (1992). وقد عرف ستير نبيرج ولوبارت ( 2000 Sternberg & Lubart) الإبداع أنه القدرة على إنتاج عمل أصيل غير متوقع يكون ، مفيداً، وقابلاً للتكيف. وتدور بين علماء الرياضيات كثير من الخلافات والمناقشات حول هذا التعريف خاصة ما يتعلق بأثر نتائج العمل الإبداعي عند التطبيق الواقعي، ولعل المثال الحديث الذي يتبادر إلى الأذهان هو إثبات أندرو وايلز (Andrew Wiles) النظرية فيرمات (Fermat) الرياضية الأخيرة، وقد نظر مجتمع علماء الرياضيات إلى عمله على أنه إبداع إذ كان عملاً غير متوقع وأصيلاً لكنه يفتقر إلى أي تطبيق في الواقع، على نحو ما ارتأى . ستير نبيرج ولوبارت، ومن هذا المنطلق، فإنني أرى أنه يكفي أن تعرف الإبداع على أنه القدرة على القيام بعمل جديد أو أصيل، وهذا يتفق مع تعريفي الشخصي للإبداع في الرياضيات بصفته العملية التي تنتج حلولا غير عادية المسألة ما بصرف النظر عن المستوى، وفي سياق هذه الدراسة التي تضم علماء رياضيات مبدعين، يعرف الإبداع في الرياضيات على أنه نشر النتائج الأصلية في مجلات ودوريات بحثية مشهورة في مجال الرياضيات.
الدافعية وراء دراسة الإبداع
كان النقص في وجود دراسات حديثة عن الإبداع في الرياضيات أحد الدوافع الإجراء هذه الدراسة، فقد دعا موير (1988 ,Muir) قبل خمسة عشر عاماً علماء الرياضيات إلى إتمام نسخة معدلة للبحث الأصلي المنشور في مجلة تدريس الرياضيات كانت نتائج تلك المحاولة مهمة جداً، لكنها ،)L'enseigement Mathematique, 1902( لا تزال مجهولة حتى يومنا هذا، وهدفت هذه الدراسة إلى اكتساب رؤية الطبيعة الإبداع في الرياضيات، وتحقق هذا من خلال مقابلة خمسة علماء رياضيات مبدعين وبارعين باستخدام نظام معدل للمقابلات عما ظهر في تلك المجلة، وقد نوقش الغرض من استخدام نموذج الاستبانة القديمة ضمن الجزء الخاص بالمنهجية في هذا البحث، لقد كان المؤلف مهتما بتنقيح السمات المشتركة لعملية الإبداع ليرى هل توجد أفكار أساسية لوصف الإبداع في الرياضيات، وكانت الأسئلة المحددة المستخدمة في الاستكشاف على النحو الآتي:
- هل لا يزال نموذج الجشتالت للإبداع في الرياضيات قابلاً للتطبيق حتى يومنا هذا؟
- ما سمات عملية الإبداع في الرياضيات وخصائصها ؟
- هل الدراسة الإبداع في الرياضيات أي آثار في غرفة الصف؟
مراجعة الدراسات السابقة
تتساءل أي دراسة عن طبيعة الإبداع في الرياضيات عما إذا كان علماء الرياضيات هم من اكتشفوا الرياضيات أو اخترعوها، واستناداً إلى ذلك يبدأ استعراض الدراسات يوصف مختصر لوجهات النظر الأربع الشائعة حول طبيعة الرياضيات، ثم يتبعها استعراض شامل للنماذج المعاصرة للإبداع من علم النفس.
طبيعة الرياضيات
يوجد لدى علماء الرياضيات المشاركين بفاعلية في البحث بعض المعتقدات حول الوضع الوجودي ( الأنتولوجي) Ontological Status للرياضيات الذي يؤثر في طريقة البحث لديهم (2004 ,Davis & Hersh, 1981; Sriraman). ويرى أصحاب مذهب أفلاطون أن المواد الرياضية موجودة قبل اكتشافها وأن لكل سؤال ذي معنى عن أي مادة رياضية جواباً قاطعاً، سواء أكنا قادرين على تحديده أم لا، (1981 ,Davis & Hersh ) . وتبعاً لوجهة النظر هذه، فإن علماء الرياضيات لم يخترعوا الرياضيات أو يوجدوها ، بل اكتشفوها اكتشافاً. يقول علماء المنطق إنه يمكن أن يصار إلى تخفيض المفاهيم الرياضية كافة في نهاية المطاف إلى مفاهيم منطقية، وهذا يعني أن الحقائق الرياضية كافة يمكن إثباتها من خلال البدهيات وقوانين الاستدلال والمنطق وحدها. (1991 ,Ernest) في حين لا يعتقد الشكليون (Formalists) أن الرياضيات قد اكتشفت بل يعتقدون أن الرياضيات عبارة عن لعبة اخترعها علماء الرياضيات استناداً إلى سلاسل من الرموز لا معنى لها (Davis & Hersh, 1981)
كانت البنائية (Constructivism) ، وفيها الحدسية Intuitionism) . إحدى مدارس التفكير الرئيسة إلى جانب الأفلاطونيين والمنطقيين والشكليين) التي ظهرت بسبب التناقضات التي برزت في نظرية المجموعات (Sets Theory) ونظرية الدوال (Functions Theory) في بدايات القرن العشرين. وكانت التناقضات مثل تناقضات رسل (Russell's Paradox) كعاصفة رئيسة اجتاحت وجهة نظر أصحاب الأحكام المطلقة حول المعرفة الرياضية، أي إذا كانت الرياضيات مؤكدة ونظرياتها كلها موثوقاً بها، فكيف يمكن للتناقضات أن توجد في نظرياتها ؟ وكان من البنائيين في الرياضيات براور (Brouwer) وهيتنج (Heyting) اللذان ينتميان إلى المدرسة الحدسية. يرى البنائيون أن كلا من الحقائق الرياضية ووجود الأشكال الرياضية يمكن أن تبنى بوساطة طرائق البناء، وأن الأنشطة الرياضية البشرية أساسية في إيجاد معرفة جديدة، وأن كلاً من الحقائق الرياضية )Ernest, 1991, P. )29( والأشكال الرياضية يجب أن تؤسس من خلال المنهجية البنائية
والسؤال الآن هو كيف يجري العلماء بحوث الرياضيات؟ هل تبرز المسائل وحدها أم أن هناك نمطاً من التفكير أو البحث يقود إلى مسائل ذات معنى، وإلى الطريقة التي تعالج فيها تلك المسائل؟ ويؤكد الكاتب أن ثقافة عالم الرياضيات تحدد ، على نحو كبير. نوع الأسئلة. وبعبارة أخرى، لا يمكن للمرء أن يكتسب المعرفة من العالم الخارجي دون تفاعل اجتماعي. وبحسب وجهة نظر إيرنست (1994 ,Ernest) ، ليس ثمة مجاز أساسي العقل المرء المعزول تماماً، بل إن الاستعارة أو المجاز الأساسي يكمن في المحادثات التي تجري بين الأفراد في سياق لغوي ذي معنى في أثناء الحوار 1994 ,Ernest) ، حيث تصوغ اللغة عقل الإنسان مثلما تعد الإنتاج الكلي لأفكاره (1978 ,Wittegenstein). وعلى أي حال، فإن الدراسات الحديثة في علم النفس تعترف بهذه الجوانب الاجتماعية لأنشطة البشر لأهميتها في عملية الإبداع. وهذا بدوره يتطلب اطلاعاً معمقاً في الدراسات الخاصة بالرياضيات.
فكرة الإبداع في علم النفس
كانت البحوث عن الإبداع على نحو ما أشرنا سابقاً، على هامش علم النفس وعلم النفس التربوي وتدريس الرياضيات، ولم يتجدد الاهتمام بظاهرة الإبداع في مجتمع علم النفس إلا خلال ربع القرن الماضي فقط. ويرى ستيرنبيرج (2000 ,Sternberg) في كتابه بعنوان دليل الإبداع (Handbook Of Creativity) الذي يحتوي على استعراض شامل للبحوث جميعها المتوافرة في حقل الإبداع، أنه يمكن تصنيف معظم المناحي المستخدمة في حقل الإبداع ضمن ست فئات هي: المنحى الروحي، والعملي، والدينامي النفسي والقياس النفسي، والمعرفي، والشخصي - الاجتماعي. وفيما يأتي استعراض مقتضب لكل من هذه المناحي.
المنحى الروحي
يرى المنحي الروحي ( The Mystical Approach) في دراسة الإبداع، أن الإبداع ينجم عن إلهام روحي أو أنه عملية روحانية. وقد ادعى بليز باسكال Blaise Bascal) أن كثيراً من آرائه الرياضية هي هبة من الله، وفي السياق نفسه، قال عالم الجبر المشهور في القرن التاسع عشر ليوبولد كرونکر (Leopold Kronecker) : إن الله هو الذي خلق الأعداد الصحيحة، وأن ما تبقى كله من صنع البشر ( 1994 ,Gillian). وعلى الرغم من أن اعتقاده المتطرف لم يلق تأييداً واسعاً، لكن الحدسيين دافعوا عن معتقداته الخاصة بالبراهين البنائية بعد وفاته بسنوات كثيرة. وقد جرت محاولات عدة لاستكشاف علاقات ممكنة بين معتقدات عالم الرياضيات عن طبيعة الرياضيات وإبداعه ( ,Davis & Hersh 1981)، وتشير هذه الدراسات( Hadamard, 1945; Poincaré, 1948; Sriraman, 2004 إلى وجود علاقة مؤكدة بين معتقدات علماء الرياضيات عن طبيعة الرياضيات والإبداع. ويعتقد أن وجهة نظر الأفلاطونيين الجدد تعد مفيدة لبحوث علماء الرياضيات نظراً إلى الاعتقاد الفطري أن السعي وراء النتيجة / العلاقة موجود أصلاً.
المنحى العملي
يتطلب المنحى البرجماتي (The Pragmatic Approach) أن تكون مهتماً اهتماماً أساسياً بتطوير الإبداع وتنميته وليس بفهمه فقط (5) بوليا، على استخدام عدد متنوع من الاستدلالات لحل المسائل الرياضية ذات الصعاب المتنوعة مثالاً على المنحى العملي، وبناء عليه، يمكن أن يُعد الاستدلال آلية لاتخاذ قرار يقود علماء الرياضيات إلى مسار محدد قد تكون نتائجه مثمرة أو عديمة الجدوى، ويعد الأسلوب الشائع المعروف بالعصف الذهني، مثالاً آخر على تحفيز الإبداع من خلال البحث عن أكبر عدد من الأفكار أو الحلول الممكنة.
المنحى الدينامي - النفسي
يستند المنحى الدينامي النفسي ( Psychodynamic Approach) في دراسة الإبداع إلى فكرة مفادها أن الإبداع يبرز بسبب التوتر بين حقيقة الشعور ومحركات Hadamard, 1945; Poincaré, 1948; Sternberg, 2000; Wallace, 1926( اللاشعور 1945 ,Wertheimer). ويعد نموذج الجشتالت ذو المراحل الأربع ( الإعداد، الحضانة الإشراق، والتحقق) ، مثالاً على استخدام المنحى الدينامي - النفسي في دراسة الإبداع. وتجدر الإشارة إلى أن نموذج الجشتالت هو الذي أطلق شرارة كثير من نماذج حل المشكلات وقد استخدمت المناحي ،)Polya, 1945 Schoenfeld, 1985; Lester, 1985( المعاصرة الدينامية - النفسية الأولى في بناء دراسات حالة المبدعين مشهورين، أمثال ألبرت أنشتاين (Albert Einstein)، غير أن السلوكيين انتقدوا هذا المنحى بسبب صعوبة قياس الأفكار النظرية المقترحة.
منحى القياس النفسي
يتضمن منحى القياس النفسي ( The Psychometric Approach) في دراسة الإبداع، قياس مفهوم الإبداع بالاستعانة بالورقة وقلم الرصاص، وتعد اختبارات تورانس للتفكير الإبداعي (The Torrance Tests Of Creative Thinking) التي طورها تورانس ( 1974 ,Torrance) ، وتستخدمها كثير من برامج الموهوبين في المدارس المتوسطة والثانوية في تحديد الطلاب الموهوبين المبدعين، مثالاً على هذا المنحى، ويشتمل هذا الاختبار على كثير من الواجبات اللفظية والشكلية التي تتطلب استخدام مهارات حل المشكلات والتفكير التباعدي (Divergent Thinking) . صمم الاختبار لقياس مهارات الطلاقة والمرونة والأصالة ( الندرة الإحصائية للاستجابة)، إضافة إلى مهارة التوسع أو التفاصيل (2000 ,Sternberg) ، ويرى ستير تبيرج (2000 ,Sternberg) وجود جوانب إيجابية وأخرى سلبية لمنحى القياس النفسي، ففي الجانب الإيجابي، تتيح هذه الاختبارات المجال للبحث مع الأشخاص غير المشهورين، وهي أيضاً سهلة الإدارة وتعطي علامات موضوعية، في حين يتمثل الجانب السلبي في كون العلامات الرقمية تخفق في الاستحواذ على مفهوم الإبداع لأنها تستند إلى ورقة مختصرة واختبار بقلم الرصاص، ويدعو الباحثون إلى استخدام مزيد من المنتجات المهمة، مثل العينات الكتابية والرسوم وغيرها من أجل تقويمها تقويما موضوعياً من لجنة خبراء بدلاً من الاعتماد على قياسات رقمية فقط.
المنحى المعرفي
يركز المنحى المعرفي ( Cognitive Approach) في دراسة الإبداع على فهم العمليات والتمثيلات العقلية التي تعد أساساً في فكر الإنسان (2000 ,Sternberg, P7). يرى ( ويسبيرج 1993 Weisberg) أن الإبداع يتطلب استخدام العمليات المعرفية العادية ونتائجها في النتائج الأصلية وغير العادية، وتعد هذه المنتجات نتائج للعمليات المعرفية التي تقوم على المعرفة المخزنة أصلاً في ذاكرة الفرد، وهناك دراسات كثيرة في مجال تحاول عزل العمليات المعرفية ،)Birkhoff, 1969; Minsky, 1985( معالجة المعلومات )Machine Metaphors( )1( وتوضيحها بناء على مجاز الآلة )The Social-Personality Approach( يركز
المنحى الاجتماعي-الشخصي
في دراسة الإبداع على الشخصية والمتغيرات التحفيزية على نحو ما هو الحال في البيئة الاجتماعية والثقافية بصفتها مصادر للإبداع، وذكر ستير نبيرج (2000) أن كثيراً من الدراسات قد أجريت على مستوى المجتمع، وأشار إلى أن المستويات المشهورة من الإبداع ترتبط إحصائياً مع مرور الزمن بمتغيرات مثل: الاختلاف الثقافي، والحرب، وتوافر نماذج للأدوار، وتوافر الدعم المالي، إضافة إلى توافر منافسين في مجال ما (ص 9).
ترى معظم الدراسات الحديثة المتعلقة بالإبداع (1988 ,Csikszentmihalyi 2000) أن الإبداع ينتج من; Gruber & Wallace, 2000; Sternberg & Lubart, 1996 النقاء واحد أو أكثر من العوامل أو الفئات الست الآنفة الذكر. وقد اكتسب المنحى التجميعي ( The Confluence Approach) في دراسة الإبداع مصداقية، وتوجد في دراسات البحوث كثير من نظريات التجميع من أجل فهم أفضل لعملية الإبداع، ما يدعو إلى مراجعة نظريات التجميع الأكثر شيوعاً في مجال الإبداع، ويتبع هذا وصف للمنهجية المتبعة في جمع البيانات وتحليلها في هذه الدراسة.
نظريات التجميع في مجال الإبداع
إن أكثر المناحي التجميعية شيوعاً في دراسة الإبداع، هي: منحى النظم ( 1988,2000 ,Csikszentmihalyi) : دراسة الحالة بصفتها منحى نظم متطوراً (Gruber )Sternberg & Lubart )1996( وأخيراً منحى نظرية الاستثمار ،)( Wallace, 2000
منحى النظم
يأخذ منحى النظم (The Systems Approach) في الحسبان الجوانب الثقافية والاجتماعية في الإبداع، بدلاً من الاكتفاء بتصوير الإبداع على أنه عملية فردية نفسية (سيكولوجية) . يدرس منحى النظم التفاعل بين الفرد والمجال (Domain) والحقل (Field). ويشتمل الحقل على أشخاص ذوي أثر في المجال، مثلاً، يكون المحرري مجلات بحوث الرياضيات تأثير في مجال الرياضيات، وبعد المجال بنية ثقافية تحفظ منتجات الإبداع وتنقلها إلى أفراد آخرين في الحقل، ويرى نموذج النظم أن الإبداع عبارة عن عملية يمكن ملاحظتها عند تقاطع تفاعل الأفراد والمجالات والحقول (2000 ,Csikszentmihalyi) ، وتعد المكونات الثلاثة، أي الفرد والمجال والحقل، ضرورية لأن الفرد يعمل ضمن جانب ثقافي أو رمزي (المجال) ، إضافة إلى الجانب (الحقل) الاجتماعي.
ويعد المجال مكوناً ضرورياً للإبداع نظراً إلى استحالة إدخال متغير دون الإشارة إلى نمط قائم، ويصبح الجديد ذا معنى فقط عند الإشارة إلى القديم وهكذا، فإن الإبداع يحدث عندما يحدث الفرد تغييراً في ،)Csikszentmihalyi, 2000( مجال معين، وينقل هذا التغيير مع مرور الوقت، وعادة ما تؤثر خلفية الفرد الشخصية وموقعه في المجال في إمكانية إسهامه، مثلاً ، يمكن أن يعمل عالم رياضيات في مجال حافل بثقافة البحث الجامعي في إنتاج أوراق بحثية بسبب توافر الوقت لديه للتفكير»، إضافة إلى كونه يعمل في بيئة حافلة بثقافة تزدهر فيها الأفكار، ولم يكن وجود إسهامات كبيرة مهمة في تاريخ العلوم من قبل رجال الدين مثل باسكال (Pascal) ومندل (Mendel) مصادفة لأن لديهم من الوسائل ووقت الفراغ ما يعينهم على التفكير. ويرى تتشكر ينتميها لي أن الأفكار الجديدة التي يترتب عليها تغييرات مهمة، لا تحظى بالقبول إلا بعد الموافقة عليها من قبل مجموعة من الخبراء الذين يقررون ما يمكن تضمينه في المجال، وحراس البوابة (الخبراء ) هؤلاء هم الذين يكونون الحقل، فمثلاً ، كان رأي عدد قليل جدا من كبار الباحثين في الرياضيات كافياً للشهادة بصدق إثبات أندرو ويلز (Andrew Wiles) نظرية فيرمات )Fermat's Theorem( الرياضية الأخيرة
هناك أمثلة كثيرة في حقل الرياضيات تقع ضمن نموذج النظم، فمثلاً، عمدت البورياكي (Bourbaki) ، وهي مجموعة من علماء الرياضيات الفرنسيين التي بدأت اجتماعاتها في الثلاثينيات من القرن الماضي، إلى كتابة دليل موحد شامل للرياضيات كلها. وقد كانت البورباكي مجموعة من خبراء الرياضيات حاولت توحيد الرياضيات كلها. وبذلك تصبح هذه المجموعة حارس البوابة لهذا الحقل بوضعها معياراً للدقة والصرامة. وعلى الرغم من أن مجموعة البورياكي قد فشلت في مسعاها، فإن طلاب مجموعة البورباكي الذين يعملون محررين في بعض المجلات الرياضية المشهورة لا يزالون يفرضون درجة عالية من الدقة والصرامة حتى يومنا هذا على المقالات المقبولة للنشر، لذا، فإنهم يقومون بدور حراس البوابة لهذا الحقل.
وهناك مثال آخر مختلف يتمثل في دور البرهان الذي بعد يعد : عملية اجتماعية يتحقق خلالها مجتمع الرياضيات من صحة العمل الرياضي الإبداعي (1991 ,Hanna)، وفي هذا السياق، يرى عالم المنطق الروسي مائن (1977 ,Manin) أن البرهان يصبح مقبولاً بعد تقبل المجتمع له على أنه إثبات، وينطبق هذا على الرياضيات كما في الفيزياء واللغويات والبيولوجيا، وخلاصة القول أن نموذج النظم للإبداء يرى أن الإبداع يتطلب نقل مجموعة من القوانين والممارسات من المجال إلى الفرد، وعندئذ لا بد للفرد أن ينتج متغيراً جديداً ضمن محتوى المجال، ويجب اختيار هذا المتغير من الحقل من أجل تضمينه المجال.
طريقة جروبر ووالاس في دراسة الحالة بوصفها منحى متطوراً للنظم
على النقيض من حجة تشكز ينتميهالي التي تدعو إلى التركيز على المجتمعات التي ينتشر فيها الإبداع، فقد اقترح جروبر ووالاس (2000 ,Gruber & Wallace) نموذجاً يتعامل مع كل فرد بصفته نظاماً متطوراً فريداً من الإبداع والأفكار، وبناء عليه، يجب دراسة كل عمل إبداعي للفرد على حدة وبمعزل عن أعمال الآخرين. وجاءت وجهة نظر هذين الباحثين بصفتها نصراً متأخراً لأتباع مدرسة الجشتالت الذين أعلنوا منذ البداية الشيء نفسه قبل قرن من الزمان تقريباً، ويبدو أن استخدام الباحثين المصطلح الذي يتناغم مع التوجهات الحالية في علم النفس، قد جعل أفكارهما أكثر قبولاً، حيث اقترحا نموذجاً يدعو إلى تحليل مفصل أحياناً، وإلى وصف سردي لكل حالة أحياناً أخرى، إضافة إلى محاولة فهم كل حالة بصفتها نظاماً فريداً ذا فاعلية (2000 ,Gruber & Wallace (93). ومن الأهمية بمكان أن يدرك المرء أن تركيز هذا النموذج لا ينصب على شرح أصول الإبداع ولا على شخصية الفرد المبدع، بل على الكيفية التي يحدث من خلالها العمل الإبداعي (ص. (94). ويمكن القول إن الباحثين أرادا الإجابة عن سؤالين مهمين، هما : 1) ماذا يفعل الأشخاص المبدعون عندما يكونون مبدعين؟ و (2) كيف يستخدم الأشخاص المبدعون الموارد المتاحة في تحقيق شيء فريد؟ وعلى أي حال، فإن العمل الإبداعي وفقاً لهذا النموذج يعرف أنه العمل الجديد ذو القيمة، ويتناغم هذا التعريف مع التعريف الذي Csikszentmihalyi, 2000; Sternberg & Lubart( يستخدمه الباحثون في الإبداع (2000). وكما أشار جروبر ووالاس إلى أن العمل الإبداعي يكون دائماً نتيجة السلوك هادف وأنه عادة ما يمثل مهمة طويلة الأمد قد تمتد شهوراً أو سنين أو عقوداً في بعض الأحيان (ص 94). وعموماً، فإن الكاتب لا يتفق في الرأي مع الادعاء أن العمل الإبداعي دائماً ما يكون نتيجة لسلوك هادف ولعل أحد الأمثلة التي تتبادر إلى الذهن وتدحض هذا الإدعاء هي اكتشاف البنسلين، إذ يمكن أن يعزى اكتشاف البنسلين بوضوح إلى محض المصادفة. وفي الجانب المقابل، فهناك كثير من الأمثلة التي تدعم الادعاء القائل أن العمل الإبداعي يتطلب أحياناً عملاً قد يمتد سنوات، وهناك كثير من الأمثلة على ذلك في مجال الرياضيات. فمثلاً ، كانت قوانين كيبلر Kepler's Laws) للكواكب السيارة نتيجة عشرين عاماً من الحسابات الرقمية. وقد امتدت مهمة إثبات أندرو وايل ( Andrew Wiles) نظرية فيرمات (Fermat Theorem) الرياضية الأخيرة سبع سنوات. وتفيد فرضية ريمان (Riemann) أن جذر دالة زيتا (Zeta Function) ( الأرقام المركبة ، حيث تساوي دالة زينا صفراً) يقع على الخط الموازي للمحور الوهمي (Imaginary Axis) بنصف وحدة إلى يمينه، وربما تعد هذه من أكثر المسائل التي بقيت دون حل في الرياضيات على الرغم مما لها تبعات كثيرة. وقد أجرى المحلل ليفينسون (Levinson) حسابات وهو على فراش الموت، تزيد من مصداقية نظرية ريمان، ويعد هذا مثالاً آخر على العمل الإبداعي الذي يقع ضمن نموذج جروبر ووالاس.
تعد العناصر الآتية من مكونات دراسة الحالة بصفتها نظاماً متطوراً: أولها، أنها تنظر إلى العمل الإبداعي على أنه متعدد الأوجه. لذا، فعند بناء دراسة حالة العمل إبداعي. ينبغي للمرء أن يجمع الوجوه ذات الصلة، ويبني بعد ذلك دراسة الحالة استناداً إلى الوجوه التي اختيرت، وفيما يأتي بعض الأوجه التي يمكن أن يصار إلى استخدامها في بناء نظام متطور لدراسة الحالة: (أ) تميز العمل وتفرده (ب) سرد لما حققه المبدع (ج) أنظمة الاعتقاد (د) المقاييس الزمنية المتعددة ( بناء المقياس الزمني المستخدم في إنتاج العمل الإبداعي): (هـ) حل المشكلات و (و) الإطار السياقي ( الأسرة المدرسة، تأثيرات المعلم) ( 2000 ,Gruber & Wallace)، وخلاصة القول، إن بناء دراسة حالة لعمل إبداعي بصفته نظاماً متطوراً يتطلب شمول أوجه كثيرة اقترحها جروبر ووالاس، ويمكن للمرء أيضاً أن يقوم دراسة حالة تشتمل على عمل إبداعي بالنظر إلى الأوجه المشار إليها أنفاً.
منحى نظرية الاستثمار
ينظر منحى نظرية الاستثمار (The Investment Theory Approach) إلى الأشخاص المبدعين على أنهم مستثمرون جيدون، أي أنهم يشترون بثمن بخس، ويبيعون بثمن باهظ (1996 ,Sternberg & Lubart) . ويشير السياق هنا بطبيعة الحال إلى عالم الأفكار، ويستحضر الأشخاص المبدعون الأفكار التي تكون إما مكروهة وإما أنها تعامل بازدراء، ولكنهم يمضون وقتاً لا بأس به في محاولة إقناع الآخرين بالقيمة الجوهرية لهذه الأفكار (1996 ,Sternberg & Lubart) . وبطبيعة الحال، فإنهم يبيعون يثمن باهظ عن طريق إقناع الآخرين بملاحقة أفكارهم، في حين أنهم يكونون في طريقهم وراء فكرة جديدة. وترى نظرية الاستثمار أن هناك سنة عناصر تتجمع معاً لتكون الإبداع، والعناصر السنة، هي: الذكاء والمعرفة وأنماط التفكير والشخصية والدافعية والبيئة، ومن الأهمية بمكان ألا يخلط القارئ بين كلمة الذكاء وعلامة معامل الذكاء. إذ على النقيض من ذلك. اقترح ستير نبيرج (1985 ,Sternberg) النظرية الثلاثية في الذكاء التي تتألف من القدرة التركيبية ( القدرة على توليد أفكار جديدة أو أفكار ملائمة لمهام محددة ) ، والقدرة التحليلية، والقدرة العملية، وتعرف المعرفة على أنها المعرفة الكافية في ميدان معين للارتقاء به، في حين تعرف أنماط التفكير على أنها تفضيل التفكير بطرق أصيلة يختارها الفرد، والقدرة على التفكير ( شمولية / كلية)، إضافة إلى القدرة على التمييز بين الأسئلة المهمة وغير المهمة، وتتمثل السمات الشخصية التي تعزز الأداء الإبداعي في الرغبة في المخاطرة، والتغلب على الصعاب، وتحمل الغموض، وأخيراً، تعد الدافعية والتحفيز إضافة إلى البيئة الداعمة والمكافئة، عناصر أساسية للإبداع (1985 ,Sternberg).
يشتمل الإبداع في نظرية الاستثمار، على التفاعل بين الشخص والمهمة والبيئة. وبعد هذا المعنى إلى حد ما حالة خاصة من نموذج النظم. وما قد يترتب على تصوير الإبداع على أنه تفاعل بين الشخص والمهمة والبيئة، هو أن ما يعد جديداً أو أصيلاً قد يختلف باختلاف الشخص والمهمة والبيئة. ويرى نموذج نظرية الاستثمار أن الإبداع أكثر من مجرد مجموع بسيط من مستويات الأداء التي تحققت في كل عنصر من العناصر السنة، وبغض النظر عن مستويات الأداء في العناصر الأخرى، فإن الأمر يتطلب مستوى أو بداية معينة من المعرفة التي لا يمكن أن يحدث الإبداع دونها. ويمكن للمستويات العالية من الذكاء والدافعية أن تعزز الإبداع بصورة إيجابية، وبذلك تعوض مكامن الضعف في العناصر الأخرى، مثلاً، قد يكون شخص ما في بيئة غير داعمة للجهود الإبداعية، لكن المستوى العالي من الدافعية يمكن أن يتغلب على ذلك، ويجعله يسعى وراء محاولات إبداعية.
وهذا الاستعراض يلخص نظريات الإبداع الثلاث المثالية الشائعة، خاصة منحى النظم، الذي يرى أن الإبداع عبارة عن عملية ثقافية اجتماعية تشتمل على التفاعل بين الفرد والمجال والحقل ونموذج جروبر ووالاس الذي يتعامل مع كل دراسة حالة بصفتها )Sternberg & Lubart, 1996( نظام تطور فريداً في الإبداع: إضافة إلى نظرية الاستثمار التي ترى أن الإبداع نتيجة اتحاد العناصر السنة والتقائها، وهي: ( الذكاء والمعرفة وأنماط التفكير والشخصية والدافعية والبيئة).
وبعد استعراض دراسات البحوث المتصلة بالإبداع، يتحول التركيز إلى المنهجية المستخدمة في دراسة الإبداع في الرياضيات.
المنهجية
أداة المقابلة
تهدف هذه الدراسة إلى اكتساب معرفة متعمقة في طبيعة الإبداع في الرياضيات. وقد انصب اهتمام الكاتب على تعرف السمات المشتركة المتعلقة بكيفية ابتداع العلماء الرياضيات من أجل تحديد خصائص معينة لعملية الإبداع. وكان الكاتب مهتماً أيضاً باختبار إمكانية تطبيق نموذج الجشتالت. وقد كانت المقابلات الشخصية الطريقة الأساسية المستخدمة في جمع البيانات. ولما كان التركيز الأساسي للدراسة قد انصب على تأكيد الجوانب النوعية للإبداع، فإنه قد اختيرت منهجية المقابلة الرسمية (Formal Interview) . وقد أعدت أداة المقابلة ( الملحق (أ) عن طريق تعديل أسئلة استبانة مجلة تدريس الرياضيات ( L'enseigement Mathematique) وأسئلة وضعها موير (1988 ,Muir) . إن الغرض من استخدام الاستبانة المعدلة هو أولاً، أن الأسئلة كانت عامة بطبيعتها، وهذا ما أتاح لعلماء الرياضيات التعبير عن أنفسهم بحرية، ثانياً، لقد أراد الكاتب أن يختبر ! إلى حد ما إمكانية تطبيق نموذج الجشتالت للإبداع ذيا المراحل الأربع. وبناء عليه، فقد عدلت الأدوات الموجودة من أجل تفعيل نظرية الجشتالت، وإتاحة المجال أمام تدفق الأفكار لتكوين أساس الفرضية يمكن أن تنبثق من هذا الاستكشاف.
خلفية أفراد الدراسة
اختير خمسة علماء رياضيات من كلية العلوم الرياضية ( Mathematical Sciences Faculty) من إحدى الجامعات الكبيرة في الغرب الأوسط من الولايات المتحدة تمنح درجة الدكتوراه. وقد وقع الاختيار على علماء الرياضيات هؤلاء استناداً إلى إنجازاتهم، إضافة إلى تنوع مجالات الرياضيات التي عملوا فيها. وقد قيس ذلك من خلال عدد البحوث المنشورة في مجلات ودوريات بحثية مشهورة، إضافة إلى تنوع ميادين الرياضيات التي أجرى علماء الرياضيات بحوثهم فيها، ومنع أربعة من علماء الرياضيات درجة أستاذ، حيث أمضوا ما يزيد على ثلاثين عاماً بصفتهم علماء رياضيات مبدعين، باستثناء عالم واحد فقط من هؤلاء العلماء كان يحمل رتبة أستاذ مشارك، وهو أصغرهم سناً. وأجريت المقابلات جميعها بصورة رسمية خلف الأبواب المغلقة في مكاتب علماء الرياضيات، وسجلت على أشرطة، ومن ثم كتبت خطياً.
تحليل البيانات
لما كان الإبداع بنية معقدة جداً تشتمل على مدى واسع من السلوكات المتداخلة، فإنه يجب دراستها من الناحية التاريخية بحسب وجهة نظر الكاتب، وقد طبق مبدأ التحليل الاستقرائي (2000 ,Patton) على نصوص المقابلات لاكتشاف الموضوعات البارزة التي تصف السلوك موضوع الدراسة. وبحسب ما يرى باتون (2000 ,Patton) فإن الاستقراء التحليلي، على عكس النظرية المثبتة، يبدأ بافتراضات المحلل أو اعتراضات مستمدة من النظرية، ويعد إجراء للتثبت من النظريات والافتراضات استناداً إلى بيانات نوعية Taylor) (127 1904 ,Bogdan & وباتباع مبادئ الاستقراء التحليلي، حللت البيانات بكل عناية ودقة من أجل استخراج العوامل المشتركة، ومن ثم قورنت الخيوط المشتركة بالأفكار النظرية في الأدب المتوافر، لأغراض واضحة صريحة تهدف إلى تحقق صحة مدى قابلية. تطبيق نموذج الجشتالت على هذه البيانات النوعية، إضافة إلى استخراج موضوعات تصف عملية إبداع علماء الرياضيات، وإذا ما تعذر تصنيف موضوع جديد أو تسميته بسبب تعذر معرفة خصائصه أو أهميته، لجأ الباحث إلى إجراء مقارنة نظرية، وقد بين كل من كورين وستراوس (1988 ,Corbin & Strauss) أن استخدام المقارنات يظهر الخصائص، التي يمكن أن تستخدم بدورها في دراسة الحدث أو الموضوع في البيانات. ويمكن أن تستخلص الأحداث أو الأشياء أو الأفعال المستخدمة في المقارنات النظرية، من الأدب النظري والدراسات السابقة أو من خلال الخبرة، وهذا لا يعني أننا نستخدم الخبرة أو الكتابات. بصفتها بيانات بل تستخدم الخصائص والدلالات المشتقة من الأحداث المقارنة في دراسة البيانات المتوافرة بين أيديناء (ص. 80). ومن الموضوعات التي برزت التفاعل الاجتماعي، والإعداد واستخدام الاستدلال، والتخيل، والحضانة، والإشراق، والتحقق. والحدس والبرهان.
وقد أعيد تناول الرويات القصيرة التي تبرز هذه الخصائص في الجزء اللاحق جنباً إلى جنب مع التعليقات التي تتضمن الحوارات الواسعة ومناقشة الارتباطات بالكتابات الحالية.
النتائج والتعليقات والمناقشات
كان علماء الرياضيات المذكورون جميعهم في هذه الدراسة يعملون أساتذة مثبتين ( Tenured Professor) في كلية علوم رياضية تمنع درجة الدكتوراه، ويمكن وصف محيط عملهم بالأكاديمي، إضافة إلى مهام التدريس والعمل في لجان عمل متخصصة، وكان هؤلاء العلماء يمتلكون الحرية في اختيار مجالات بحوثهم، وكذلك الحال فيما يتعلق بالمسائل والمشكلات التي يعرضونها، وقد عمل أربعة من علماء الرياضيات الخمسة في مشروعات مشتركة أحياناً ونشروا أعمالهم فرادي، في حين أجرى واحد منهم فقط دراسة تعاونية. واسعة. ولم يكرس هؤلاء العلماء أوقاتهم لبحوث الرياضيات إلا واحداً منهم: والأسباب الرئيسة التي برروا بها هذا التقصير كانت الالتزامات العائلية ومسؤوليات التدريس في أثناء العام الدراسي. وقد كان من السهل على علماء الرياضيات جميعهم الاهتمام بالبحوث في أثناء الصيف بسبب قلة المسؤوليات المتعلقة بمجال التعليم أو عدم وجودها، وقد أظهر اثنان منهم ميلاً نحو الرياضيات في مراحل الدراسة الثانوية المبكرة، في حين أظهر الآخرون الاهتمام بالرياضيات في مرحلة متأخرة في أثناء تعليمهم الجامعي، ولم يكن لأي من علماء الرياضيات المشاركين في هذه الدراسة أي تأثير عائلي ذي أهمية في تطورهم في الرياضيات وتذكر أربعة من علماء الرياضيات أنهم قد تأثروا بمعلمين معينين في مراحل مختلفة من تعليمهم، في حين تأثر أحد علماء الرياضيات من أفراد الدراسة بكتاب مدرسي، وقد بذل علماء الرياضيات الثلاثة الذين عملوا أساساً في التحليل، جهداً للتوصل إلى نظرة واسعة في الرياضيات لا علاقة مباشرة لها باهتماماتهم الأساسية. وقد أبدى عالما الجير اهتماماً بمجالات أخرى في الرياضيات، لكنهما كانا فاعلين على نحو رئيس في مجالاتهما المختارة.
