القائمة الرئيسية

في معنى: أن تنسى ذاتك

في معنى: أن تنسى ذاتك
ملخص المقال

يتناول نايجل واربرتون في نصه مسألة فقدان الهوية الشخصية من خلال تجربة والدته التي تعرضت للخرف. يُشير إلى أن الفيلسوف جون لوك يرى أن الهوية تتعلق بالاستمرارية في الذاكرة، حيث يبقى ""الإنسان"" ذاته رغم التغيرات التي تطرأ على جسده، لكن الوعي والذاكرة هما ما يحددان الهوية الشخصية.

بقلم: نايجل واربرتون

هل من المُمكن أن تفقد هويّتك وأنت ما  زلتَ حيًّا؟

نعم، لقد رأيتُ والدتي تفقد هويتها، ومن ثم تستعيد شيئًا منها.  كانت تستطيع يومًا ما حلَّ لغز الكلمات المتقاطعة في جريدة التايمز  إلى أن جاء يوم آخر بعد بضعة أسابيع تُعبّر فيه عن قلقها من وجود أشخاصٍ صغار البنية يزحفون على الطعام في المتجر. لم تمضِ سوى بضعة أسابيع حتى نسيت كيف تتحدث، بل  نسيت كيف تقف وتجلس. صارت مجرد بقايا من ذاتها؛ إذ باتت عاجزة عن التواصل، وانفصلت عمّا كانت عليه  من قبل. أعادت الأدوية والزمن بعض شخصيتها وذكرياتها، وإن كانت إعادة متقطعة ومشوَّشة. لكنَّ الخرف الوعائي شديد القسوة؛ إذ لم يبق منها شيء أبدًا. ولم تعد أبدًا الشخص الذي كانت عليه؛  اللهم إلا حين كانت تبتسم. وقد كانت تتحدث؛ لتخلق قصة متسقة حول ما كان يحدث حولها  حتى تفهم ما يحيط بها، لكنها كانت تهيم بعيدًا عن الواقع، وكثيرًا ما كان حديثها مُشتّتًا غير مترابط.

في القرن السابع عشر اشتهر الفيلسوف جون لوك بقوله: ""إنّ ما يجعل الواحد منا الشخص ذاته  دومًا هو نوع خاص من استمراريّة الذاكرة"". لقد استخدم مصطلحي ""إنسان"" و""شخص"" استخداماتٍ فنية، مشيرًا إلى أنَّ أحدًا ما قد يكون الإنسان ذاته بمرور الوقت، لكنه لا يكون الشخص ذاته.

من وجهة نظر لوك كانت والدتي ""الإنسان"" (أي أحد أعضاء الجنس البشري العاقل) ذاته قبل إصابتها بالخرف؛ إذ إنّ ثَمَّ استمرارية بيولوجية؛ فكان جسدها هو جسدها رغم التغييرات الكبرى التي طرأت على دماغها وعلى أجزاء أخرى منها. لقد كانت ""الإنسان"" ذاته الذي كانت عليه منذ سبعين عامًا، وهو ما يمكن عزوه، مرة أخرى، إلى الاستمرارية. إننا نتغير، وننمو،  ونتدهور، تمامًا كما تفعل شجرة البلوط في الوقت الذي تظل فيه هي شجرة البلوط ذاتها. لكنَّ اهتمام لوك كان مُنصبًّا  أكثر على مسألة الهوية الشخصية؛ أنَّ ما يجعل شخصًا ما الشّخص ذاته بمرور الوقت أمرٌ لا يمكن أن يحدث إلا لكائنٍ واعٍ.

أمَّا لوك فإنه يرى أنَّ الشخص "" كائن عاقل وذكيّ ومفكر، وقادرٌ على التأمل والاحتكام للمنطق،  ويستطيع العودة إلى ذاته باعتبارها هي ذاته التي تفكر في أزمنة وأمكنة مختلفة"". من أجل الحصول على هوية شخصية، فلا بد من وجود نوع من الوعي الذاتي، قدرة على التفكير في  الذات باعتبارها استمرارية  للماضي؛ أي:  امتلاك ما يتجاوز كونه مجرّد هوية جسدية، ويكمن  السر هنا في الاعتراف بأفعالي السابقة باعتبارها أشياءً أتحمل مسؤوليتها، وأفعالًا تخصّني أنا؛ فهي مجموعة من الذكريات المتشابكة التي تشكّل كينونتي.

لو أنَّ أميرًا استيقظ ذات يوم  بذكريات إسكافي فقير، واستيقظ الإسكافي  بذكريات الأمير، فلا بد لنا - والكلام للوك من اعتبار من يحمل ذكريات الأمير مسؤولًا عن كل ما يفعله الأمير، ونعتبر حامل ذكريات الإسكافي مسؤولًا عن كل ما فعله الإسكافي. هكذا سنرى الأمر إذا كنا ذوي نظرةٍ إلهية للأمور.

من الجليّ أنَّ هذه التجربة الفكرية غير واقعية مطلقًا.. بيد أنَّ الهدف منها كان تأكيد إثبات أنَّ الهوية الشخصية ليست مجرد هوية جسديّة، بل إنها – من حيث المبدأ- قابلة  للانفصال عنها؛ مما يجعلُ كُل واحدٍ منا شخصًا مُعيّنًا هو ذكرياتنا عن أنفسنا ومكانتنا في العالم، وما فعلناه، وما فكّرنا في فعله، ومن هم أصدقاؤنا وعائلتنا، والأمور التي نهتم لها.  وقد تمكّن المخرج السينمائي لويس بونويل من التعبير عن هذا المفهوم تعبيرًا بليغًا بارعًا في سيرته الذاتية، حينما قال:"" عليك أن تبدأ في فقدان ذاكرتك، ولو أجزاء صغيرة منها؛ لِتُدْرِكَ أنَّ الذاكرةَ هي ما يشكل حياتنا؛ فالحياة دون ذاكرة ليست حياة أبدًا. إنَّ ذاكرتنا هي اتساقنا، وتفكيرنا، وشعورنا، و أفعالنا.. ومن دونها، فنحن لا شيء"".

أمَّا لوك، فإنه يقول: ""اضطرت والدتي حتى تكون الشخص ذاته الذي أُجلِي في طفولته من لندن إلى ويلتشير خلال الحرب العالمية الثانية،  اضطرت إلى أن تتذكر هذا الحدث الهام كجُزءٍ من حياتها، وكشيءٍ عاشته. لكنَّ فيلسوف القرن الثامن عشر -توماس ريد- وضع بعض العقبات في طريق سرديّة لوك.

لنتصوّر جنديًا تعرض للجلد في المدرسة ذات مرة لسرقة تفاحٍ من أحد البساتين، وفي حملته الأولى -وهو جنديّ- استولى على راية العدو. في تلك المرحلة كان  له أن يتذكّر تعرضه للضرب عندما كان طفلًا، ثمّ عندما أصبح جنرالًا، ثم حينما استولى على الراية، لكنه لم يعد يتذكر حادثة التفاح وما ترتّب عليها. يرى لوك أنه لا بد أن يعني هذا أنّ الصبي هو الشخص الشاب ذاته، وأنَّ الشاب هو الجنرال العجوز ذاته، لكنه - وما زال الكلام للوك أيضًا- لم يكن الشخص ذاته في طفولته، وذلك لأنَّ ذكريات الجنرال العجوز لم تمتد إلى طفولته..

يعطينا هذا الاستنتاج المتناقض الذي مفاده أنَّ الجنرال -كما يرى لوك- كان هو الشخص ذاته عندما كان طفلًا، وأيضًا لم يكن هو الشخص ذاته (رغم أنّه من الجلي أنه الإنسان ذاته بمفهوم لوك للمصطلح)؛ لذا يتضح لنا وجود أمر خاطئ في سردية لوك؛ فلعله  قد وضع معيارًا مرتفعًا جدًّا، وكل ما نحتاجه معيارًا للهوية الشخصية هو نمطٌ متداخل متسلسل للذكريات من النوع الذي وصفه ريد.

كتب كل من لوك وريد  كأنَّ الذكريات دقيقة بالضرورة. لكننا بتنا نعرف الآن كثيرًا عن كيفية عمل الذاكرة، وتؤكد أكثر التفسيرات منطقية على مقدار تغير الذكريات عند استرجاعها، بالإضافة إلى عدم إمكانية الاعتماد على الشهادة فمما يزيد الأمور تعقيدًا؛ إذ كان من الممكن أن تتغير  ذكريات والدتي حول الإجلاء في زمن الحرب بإخبار أطفالها وأحفادها عنها، وحينئذٍ  قد تصبح النسخ الجديدة هذه هي ذكرياتها.

إننا -بمعنى ما- منفصلون عن حقيقة ماضينا بدرجات متفاوتة، ويرجع ذلك إلى الطريقة التي تعمل بها الذاكرة في العادة، كما أنَّ ذكرياتنا غير مستقرة؛ فليس الأمر  سهلًا كأننا نذهب إلى خزانة ملفات، ونصل إلى مجلد يحتوي على سرديات دقيقة  في نظر الشخص الأول، مع صورٍ مُلتقطة  في نظرنا، وبدلًا من ذلك فإننا في كل مرة نذهب فيها للحصول على مستنداتنا من خزانة الملفات هذه، ينتهي بنا الأمر بوضع شيء مختلف قليلًا في المجلد، وأحيانًا ندمج سرديّات أشخاص آخرين فيما نعدُّه ذكرياتنا الخاصّة.

 بالرغم من ذلك -كما كان يرى بونويل-  لا بد أنَّ ذكرياتنا ووعينا بشخصِنا يشكلان ماهيتنا، ويمنحاننا هوياتنا المستمرة وتماسكنا الجلي. لا ريب أنَّ هذا صحيح، ونحن ندرك صحّته ؛ لأننا نرى حجم الخسارة التي يمكن أن يُسببها الخرف؛ فإننا محقون -عند مرحلة معينة- في اعتبار الفقدان الأساسي للذاكرة فقدانًا للهوية الشخصية. لكن إن كانت ذكرياتنا تحمل هذا القدر من عدم الموثوقيّة، والتغير الدائم، فنحن أقرب إلى حكّائين مبدعين لهوياتنا أكثر عادةً مما ندرك أو نود الاعتراف به. جميعنا نختلق القصص إلى حدٍ ما، وبعضنا يختلق أكثر من غيره، وتلك القصص  المُعتمَدة على الذاكرة التي نرويها لأنفسنا وللأشخاص الآخرين حول كينونتنا الحالية وما كُنّا عليه  من قبل، وكيف أصبحنا  هكذا، ليست قصصًا موثوقة ولا مُتزنة، لكنَّ هذا كل ما نملكه، وإذا فقدنا كل هذا، فقد فقدنا أنفسنا حقًا.

مقالات ذات صلة