من نزاع الجماعات إلى التناغم الاجتماعي
القيادة عبر الهويات الاجتماعية المتنوعة المتنازعة
مايكل أ. هوغ
جامعة كليرمنت للدراسات العليا
مدرسة العلوم السلوكية والمؤسساتية
يقدم التاريخ عدداً لا يحصى من الأمثلة على التحديات التي تلازم قيادة الجماعات المتباينة، ومن الأمثلة الناجحة على قيادة هذه الجماعات وعلى التعاون في القرن العشرين التحالف الغربي في الحرب العالمية الثانية، وحلف شمال الأطلسي، واتحاد أمم جنوب شرق آسيا، والاتحاد الأوروبي، أما الأمثلة على عدم كفاية قيادة الجماعات المتباينة فقد تشمل: السعي الإيطالي المستمر إلى حكومة وحدة وطنية مستقرة، وانقسام الهند بعد استقلالها إلى دولة الهند التي غلب فيها الهندوس وقادها نهرو، ودولة باكستان التي غلب فيها المسلمون وقادها محمد علي جناح.
ثمة أمثلة كثيرة أحدث عهداً. وبينما كنت أكتب هذا الفصل، حملت الأنباء أخباراً كثيرة عن النزاع على القيادة في العراق، وعن الحملة الانتخابية الأمريكية لعام 2008م، وعن تغيير رئيس الحكومة في المملكة المتحدة، وكان على القيادة الفاعلة الناجحة في العراق أن تتجاوز تاريخاً طويلاً من النزاع الضاري بين السنة والشيعة والأكراد، أما في الولايات المتحدة فكان ثمة حديث عن انقسام وطني على أسس إيديولوجية: أي الانقسام إلى الحمر والزرق: ما الذي يتعين على المرشح الرئاسي القيام به حتى بعده الناس ممثلاً للجماعتين معاً من غير أن يبدو خائناً في نظر قاعدته الحزبية؟ لقد ظل توني بلير عشر سنين كاملة محتفظاً بقيادة الحكومة لحزبه، حزب العمال، بعد ثمانية عشر عاماً من هيمنة المحافظين، وذلك بتزعمه خطاً قال إنه خط وسط. فهل يستطيع رئيس الحكومة البريطاني الجديد، قائد حزب العمال، جوردون براون أن يكرر هذا الإنجاز؟
إن علوم التنظيم والإدارة، حيث يجري الكم الأكبر من بحوث القيادة، تميل إلى التركيز على العلاقات والتفاعلات بين القائد والعضو، وعلى الطبيعة التحولية الانتقالية للقيادة، وكذلك على دور رئيس مجلس الإدارة أو المدير التنفيذي ) ولعل هذا التركيز المؤسساتي ( المستمد من عالم الشركات) هو ما يشتت الانتباه، ويبعد الأنظار عن حقيقة أن القادة في الحيز العام خاصة، ملزمين على الدوام تقريباً بـ تقديم القيادة إلى جمهور لا يضم أشخاصاً متنوعين فحسب، بل يضم جماعات متنوعة أيضاً، وهي جماعات لا انسجام بينها في حالات كثيرة، وفي أكثر الأحيان. يكون التحدي الكبير الذي يواجه القيادة كامناً في أن يكون المرء قائداً فاعلاً لجماعات متباينة: أي أن يقود كثيراً من الجماعات بحنكة ودهاء وفاعلية، فمثلاً ، إن توفير، القيادة القسم علم النفس في إحدى الجماعات، لا يتضمن المواءمة بين الفوارق الفردية بين أعضاء القسم المختلفين فحسب، بل يتضمن - وهذا أكثر أهمية - المواءمة بين فروق واختلافات شديدة الوضوح بين الجماعات المختلفة، وتجاوزها أيضاً، ومن تلك الجماعات في مثالنا هذا المشتغلون بعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس التطوري، وعلم النفس المعرفي.
ثقة معلم آخر يقل غالباً من شأنه في بحوث القيادة التقليدية: هو وظيفة الهوية الخاصة بالقيادة. إذ إن من الأدوار المهمة للقادة العموميين خاصة تزويد جمهورهم بهوية مشتركة. وفي المقابل، يتطلع التابعون إلى قادتهم من أجل تزويدهم بإحساس بهويتهم، وبما يجب أن يفكروا فيه، وكذلك بالسلوك المتوقع منهم، وكيفية التفاعل مع الجماعات الأخرى، ولقد رأينا - مثلاً - في السباق إلى انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2008م جدلاً كثيراً بشأن الكيفية التي يستطيع بها المرشحون الرئاسيون كافة التحدث إلى الأمريكيين عن معنى أن يكون المرء أمريكياً، وكيف يمكن لهم التقاط الهوية الأمريكية، والتعبير عنها، وإعادة تشكيلها أيضاً، ثمة مثال آخر أكثر وضوحاً وتطرفاً: هو كيفية تجسيد قادة الأنظمة الشمولية ( بول بوت في كمبوديا مثلاً ) ، أو قادة. المذاهب الدينية ( ديفيد كورش وبرانش دافيد يانز مثلاً ) صورة هوية واحدة جامعة من أجل جماعتهم كلها ( يجري هذا عادة عن طريق ممارسات حدية متطرفة).
توحي هذه الأفكار، إذا أخذت كلها معاً، بأن القيادة الفاعلة تتعلق - بدرجات متفاوتة - بالقدرة على صياغة هوية مشتركة تجسد رؤية واحدة، ومجموعة مشتركة من القيم والمواقف والأهداف والممارسات وبوجه عام، تتكون هذه الهوية المشتركة من هويات متعددة تمثل جماعات اجتماعية مختلفة (لا أفراداً مختلفين فقط) لا تدرك إحداها اختلافها عن البقية فحسب، بل تنظر - في حالات كثيرة نظرة عدم ثقة، أو نظرة عدم احترام إليها أيضاً. وفي أكثر الأحيان. يحتم التوصل إلى القيادة الفاعلة أن يكون المرء قائداً فاعلاً لجماعات متباينة، بحيث يمكنه إنشاء هوية شاملة وتطويرها، أو هوية جامعة متعالية موحدة، تتجاوز هويات الجماعات الفرعية بصورة لا تشعر معها الجماعات بأنها تفقد هوياتها الفرعية المتميزة.
فمثلاً، إن القيادة الفاعلة في سري لانكا - بوصفها أمة موحدة - تتعلق بصياغة هوية ومنظومة من الأهداف والقيم والممارسات الوطنية الخاصة بها، بحيث تكون مقبولة بوصفها خصائص قومية محددة ذاتياً، تشمل كلاً من التأميل والسنهاليين ( جماعتان ارتكيت كل منهما فظائع مهولة في حق الأخرى طوال أربعين عاماً على وجه التقريب)، وذلك من غير أن تشعر أي جماعة من هاتين الجماعتين الفرعيتين بأنها تفقد هويتها التي تميزها، وبذلك، يستطيع المرء أن يرى بكل سهولة أن القيادة الفاعلة للجماعات المتباينة ليست أمراً هيئاً: لأنها تقوم على حل النزاعات بين الجماعات المتباينة.
يستطلع هذا الفصل ديناميات قيادة الجماعات المتباينة من زاوية نظرية الهوية الاجتماعية، وهي نظرية في علم النفس الاجتماعي تستكشف العلاقات النفسية بين إدراك الذات، وسلوك بعض الأشخاص في جماعة من الجماعات، وكذلك بين الجماعات أيضاً . وبوجه خاص، فإن التركيز ينصب على نظرية الهوية الاجتماعية الخاصة بالقيادة، وهي نظرية تصف كيفية التوصل إلى أقصى قدر من الفاعلية من جانب القادة الذين يجسدون - من وجهة نظر أفراد الجماعة الخصائص المحددة لهذه الجماعة . ولكن، نظراً إلى أن التحدي الكبير المتعلق بقيادة الجماعات المتعددة يكمن في احتمال عدم موافقة الجماعة على مجموعة واحدة من الخصائص المحددة لها قد تظهر اعتراضات عميقة من جانب الجماعات الفرعية المختلفة)، فإن هذا الفصل يتابع البحث من أجل التركيز على مبادئ نفسية اجتماعية أكثر اتساعاً وقدرة على حل نزاعات الجماعات المتباينة، وإنشاء الهويات العليا الجامعة.
ثمة هدفان عامان اثنان: الأول: تبيان أن العمليات النفسية ذات الصلة بالهوية الاجتماعية وسلوك الجماعات المتباينة، تجعل القيادة الفاعلة لهذه الجماعات أمراً شديد الصعوبة، والثاني: تبيان أن هذه المعرفة العلمية تسمح لنا يتحديد الظروف التي قد تجعل التوصل إلى تحقيق القيادة الفاعلة للجماعات المتباينة أمراً أقل صعوبة وذلك إذا طبقت على نحو إستراتيجي. وسوف تسوق من البراهين والحجج ما يثبت أن التعددية قد تكون شرطاً مهماً من هذه الشروط. ختاماً، يتعين على القادة الفاعلين للجماعات المتباينة إنشاء هوية عليا شاملة جامعة، لا تهدد استقلالية الهويات الفرعية ووحدتها، ويجب أن يكونوا هم أنفسهم تجسيداً لهذه الهوية في نظر أفراد الجماعة كافة.
نظرية الهوية الاجتماعية
طرحت هذه النظرية أوائل العقد الثامن من القرن العشرين، ثم تطورت بعد ذلك بحيث صارت الآن واحدة من أهم تفسيرات علم النفس الاجتماعي العمليات الجماعات والعلاقات بين الجماعات المتباينة، وكذا تصور الفرد لذاته بوصفه فرداً في جماعة.
وتتمثل الفكرة الكامنة في جوهر هذه النظرية في أن الوظيفة الأساسية للجماعات الاجتماعية هي تزويد أعضائها بالهوية الاجتماعية أي تحديد هدفهم فيما يتعلق بمختلف المفاهيم والتصورات والمواقف والقيم والمشاعر والسلوكات المرتبطة بتحديد هذه الماهية. وكلها أمور يتشارك فيها مع بقية أفراد الجماعة، إضافة إلى كونها تميزهم عن أفراد الجماعات الأخرى، ومن هنا، فإن الجماعة الاجتماعية الجمهوريون الأمريكيون، تزود أفرادها بهوية يدركونها هم ويدركها غيرهم. وكذلك بمنظور محدد للتفكير والشعور والفعل على وفق طرائق بعينها .
إن إحساسنا ب من نحن، وكيف يجب أن تتصرف، وكيف سوف يعاملنا الآخرون: كل ذلك أمور أساسية في السلوك الاجتماعي التكيفي وهي تلبي حاجة بشرية أساسية تتمثل في الحاجة إلى تخفيف عدم اليقين فيما يخص الذات، بحيث يصبح المرء قادراً على برمجة سلوكه وتخطيط أفعاله، وتوقع سلوك الآخرين على نحو يطمئن إلى صحته . ونظراً إلى أن الجماعات لا تعرف أنفسها فحسب، بل تقيمها أيضا ونظراً إلى أن الناس يحبون تقييم أنفسهم على نحو إيجابي، ويحبون أن يقيمهم الآخرون بصورة إيجابية أيضاً، فإن الجماعات وأفرادها يبذلون جهداً مضاعفاً، لا من أجل التميز عن الآخرين فحسب، بل من أجل التميز الإيجابي عن الآخرين أيضاً: أي أن يكونوا أفضل من الآخرين، لذا، فإن السلوك المتبادل بين الجماعات المتباينة ليس إلا صراعاً من أجل المكانة والتقدير والتفوق الأخلاقي، وهكذا دواليك . "" ووفقاً لما سبق، فإن عمليات الهوية تعد وثيقة الارتباط بدافع بشري أساسي، ويعمليات معرفية أيضاً. فالناس ينشدون هويات اجتماعية تصف نفسها على نحو إيجابي معيد، ويسعون إلى ترويج هذه الهويات والدفاع عنها، إضافة إلى توفير التشجيع والحماية للجماعات التي تشرف على تحديد هويات من هذا النوع.
ولما كان التعامل مع التنوع الهائل لبني البشر أمراً لا مفر منه، فإن العقل يمثل العالم الاجتماعي على هيئة فئات من الناس ( مثل الجمهوريين، والكنديين، والاقتصاديين واللاتينيون، والهندوس). إن هذه التمثيلات تظهر صوراً نمطية في واقع الأمر، وتعرف الصورة النمطية بأنها مجموعة من الخصائص والخصال ( مثل: المواقف والسلوكات، والملابس. والعادات التي يعتقد أنها تجسد جماعة من الجماعات، فتميزها من الجماعات الأخرى ذات الصلة بالبحث. وعادة ما يوافق الناس في جماعة من الجماعات على الصورة النمطية الخاصة بجماعاتهم ( جماعة نحن) ، وعلى الصور النمطية الخاصة بالجماعات القريبة منهم ( جماعات الأغيار)، وإضافة إلى ذلك، فإن الناس يبالغون - في الأحوال جميعها تقريباً في الفروق القائمة بين جماعتهم وجماعات الأغيار، القريبة منهم، ويبالغون أيضاً في مقدار التماثل والتشابه بين أفراد أي مجموعة من مجموعات الأغيار تلك، ويعد سلوكاً تكيفياً من الناحية النفسية، لأنه يشدد على تميز الفئة التصنيفية، ويبسط العالم الاجتماعي وموقع المرء في هذا العالم.
الفصل السابق