- لا تعني الأصالة أن تقول كل ما تفكر فيه أو أن «تكون على طبيعتك» فحسب، بل تعني امتلاك مبادئ واضحة والتمسك بها، خصوصاً عند مواجهة الضغوط أو حالة عدم اليقين أو القرارات الصعبة.
- يتصرف القادة الأصيلون بطريقة متوقعة ومتسقة عندما تكون الأمور مهمة، بصرف النظر عن الموقف أو أصحاب المصلحة المعنيين، بحيث يستطيع فريقهم توقّع المبادئ التي سيلتزمون بها تحت الضغط.
- لا يكفي أن تعرف قيمك ونقاط قوتك؛ فالقيادة الأصيلة تتطلب أيضاً فهم الطريقة التي ينظر بها الأشخاص الذين تقودهم إلى سلوكك وكيف يختبرونه في تعاملهم معك.
مع تزايد الدور الذي يؤديه الذكاء الاصطناعي في ما نستهلكه، وفي طريقة تواصلنا واتخاذنا للقرارات، أصبحت الأصالة أكثر ندرة من أي وقت مضى. وبشكل خاص، في ظل اهتمام مختلف أصحاب المصلحة بالتأثير الحقيقي القائم على الهدف، باتت القيادة الأصيلة تحظى باهتمام متزايد.
وفي الأبحاث الأكاديمية ووسائل الإعلام الشعبية على حد سواء، تتباين الآراء بين مؤيد للأصالة ومعارض لها.
يرى بيل جورج، الرئيس السابق لمجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة ميدترونيك والزميل في كلية هارفارد للأعمال، أن القيادة الأصيلة ترتكز على إحساس عميق بالهدف الشخصي وعلى قيم لا تقبل المساومة، بحيث تمثل «البوصلة الداخلية» دليلاً يوجه الخيارات الأخلاقية والمهنية.
كما تناولت مراجعة أكاديمية عدداً من جوانب الأصالة، مثل الأداء الأصيل والشخصية الأصيلة، ووجدت أنها تؤثر إيجاباً في الرفاهية والانخراط في العمل ونتائج الأداء والمسار المهني.
وتنجح القيادة الأصيلة عندما يضع القادة قيمهم الشخصية في صميم قيادتهم، ويشجعون أتباعهم أيضاً على الشعور بالأصالة، أو ما يُعرف بـ«الأتباع الأصيلين». ويسهم هذا الانسجام في تعزيز تحقيق الذات في بيئة العمل، ما يزيد من دافعية الموظفين لتقديم أداء على مستوى مرتفع.
ومع ذلك، ظهرت تحذيرات من إحضار كامل شخصية الفرد إلى بيئة العمل. ففي كتابه «لا تكن نفسك»، كتب توماس شامورو-بريموزيك، الأستاذ في كلية لندن الجامعية وجامعة كولومبيا وكبير علماء المواهب في مجموعة مانباور، أننا قد نقع في «فخاخ الأصالة» التي يمكن أن تضر بقدرتنا على القيادة.
فعلى سبيل المثال، قد يأتي اتباع القلب مهما كانت الظروف بنتائج عكسية عندما يتخذ القائد موقفاً قوياً بشأن قضية ما، لكنه في الوقت نفسه ينفّر أشخاصاً يفكرون أو يشعرون بطريقة مختلفة.
كما يدعو باحثون إلى مفهوم «الأصالة المقيّدة»، حيث يتعين على القيادة الأصيلة أن توازن بين التعبير غير المفلتر عن الذات وبين متطلبات ومسؤوليات الدور الرسمي للقائد.
«الأصالة تعني أن تظل الشخص نفسه عندما تصبح الأمور صعبة للغاية.»
ميرشاد جافان، رئيس أوروبا في مجموعة GoDigital Media Group
ما القيادة الأصيلة؟
ولكن ما المقصود فعلاً بالقيادة الأصيلة؟ وهل هي ببساطة أن «تكون نفسك»؟ خلال جلسة نقاش في المنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان «إعادة النظر في القيادة الأصيلة: ما الذي يصنع تأثيراً حقيقياً؟»، شارك كل من ميرشاد جافان، رئيس أوروبا في مجموعة GoDigital Media Group، ومايكل ريدل، الرئيس التنفيذي لشركة Team Internet، رؤيتهما حول هذا الموضوع.
واستناداً إلى تجاربهما، سواء من خلال الممارسة المباشرة أو مراقبة أساليب قيادة الآخرين، قدم جافان وريدل روايات وتجارب تمنحنا فهماً يتجاوز الأرقام والإحصاءات الواردة في الأبحاث.
1. ما الذي لا تعنيه الأصالة؟
قال ريدل: «الأصالة لا تعني غياب الفلتر؛ بل تعني امتلاك العمود الفقري، وهذا بالنسبة إليّ هو جوهر المسألة». وقد شكّلت هذه الكلمات الإطار الذي انطلقت منه المناقشة حول القيادة الأصيلة.
وتحدى كل من ريدل وجافان بعض جوانب الأبحاث السابقة، مؤكدين أن الأصالة لا تعني التعبير الصريح وغير المقيد عن الذات، أو مجرد اللطف، أو تجسيد عبارة تحفيزية معلّقة على جدار أحدهم. بل تعني الوضوح بشأن القيم العميقة التي غالباً ما تتجلى حقيقتها عندما تتعرض للاختبار.
وقال جافان: «الأصالة تعني أن تظل الشخص نفسه عندما تصبح الأمور صعبة للغاية. عندما يكون هناك ضغط هائل، وعدم يقين، وأموال على المحك، وقرارات صعبة يجب اتخاذها. هل تستمر في التصرف وفقاً لمبادئك؟ هل تظل نزاهتك ثابتة، أم تصبح فجأة قابلة للتفاوض؟»
وأضاف مثالاً من تجربته الشخصية قائلاً: «كان الأمر يتعلق ببيع شركتنا Octiive، التي أصبحت الآن شركة عامة. كنا محظوظين لأننا وجدنا أنفسنا في موقف كانت أمامنا فيه عروض متعددة. لكن في نهاية المطاف، لم يكن تقييم الشركة وحده السبب وراء اختيارنا GoDigital، وهي الشركة التي أمثلها اليوم.
«لقد حُسم الأمر فعلياً بسبب القادة؛ فقد كانوا تماماً كما قدموا أنفسهم لنا، من دون مفاجآت، ولم يكن هناك الكثير من الاستعراض المؤسسي. وهذا بالنسبة إليّ هو أفضل تجسيد للأصالة: عندما تتوافق كلماتك وأفعالك بشكل حقيقي تماماً.»
واتفق ريدل معه، مستشهداً بممارسات فريقه: «الأصالة لا تتعلق بالتعبير عن نفسك، بل بأن تكون قابلاً للتوقع في الأمور التي تهم. يجب أن يكون أفرادي قادرين على تحديد المبادئ التي سألتزم بها تحت الضغط قبل أن أتخذ القرار.
«والاختبار بسيط: هل يستطيع فريقك كتابة مبادئك التشغيلية من دون أن يسألك عنها؟ إذا كان الجواب نعم، فأنت قائد أصيل بالمعنى الوحيد الذي يهم حقاً.»
2. الاتساق هو الأساس
يتخذ القادة الأصيلون قرارات متسقة، سواء كانت كبيرة أم صغيرة. وفي شركة Team Internet، يتم الإعلان بوضوح عن ثلاثة مبادئ أساسية هي: اتخاذ القرارات استناداً إلى الأدلة، وتحمل المسؤولية بشكل لا لبس فيه، والتحرك بسرعة مدروسة.
وعن سبب اعتبار المساءلة الركيزة التي تدعم المبادئ الأخرى، قال ريدل: «القائد الذي يدّعي أنه يعتمد على الأدلة، ثم يلوم الفريق عندما يفشل الرهان القائم على الأدلة، يكون قد علّم الجميع أن المبدأ الأول لم يكن سوى زينة. إن تحمّل المسؤولية بشكل لا لبس فيه هو ما يحافظ على صدق بقية المبادئ.»
ورغم اتفاق الخبيرين على أن مستوى التفاصيل في التواصل قد يختلف باختلاف أصحاب المصلحة، وأن هناك فروقاً دقيقة ينبغي مراعاتها عند التواصل بين ثقافات مختلفة أو داخل شركات متفاوتة الأحجام، فإن المبدأ الأساسي يظل ثابتاً.
ويقول جافان أيضاً: «يمتلك معظم الناس قدرة فطرية على معرفة ما إذا كنت صادقاً فعلاً أم أنك تؤدي دوراً تمثيلياً، بغض النظر عن المكان الذي توجد فيه.»
ولا يعني أن يقدم القائد نفسه بطريقة مختلفة قليلاً بحسب الموقف أو وفق ما يطلبه بعض أصحاب المصلحة أنه غير أصيل أو مزيف، بل يعكس ذلك إدراكه للسلوكيات المتوقعة منه بصفته قائداً.
«الأصالة صفة يمكن ملاحظتها؛ فهي تتجلى في سلوك القائد.»
مايكل ريدل، الرئيس التنفيذي لشركة Team Internet
3. أكمل الوعي بالذات بالوعي بنظرة الآخرين إليك
يُعد الإدراك العميق للذات وللقيم التي يمثلها القائد أحد أبعاد القيادة الأصيلة. ومع ذلك، تشير أبحاث عالمة النفس التنظيمي تاشا يوريتش إلى أن معظم الأفراد لا يتمتعون فعلياً بالوعي الذاتي.
وعلق جافان قائلاً: «هذه الأرقام لا تفاجئني إطلاقاً. أعتقد أن معظم الناس يظنون أن الوعي الذاتي يعني معرفة نقاط قوتنا، بينما أرى أن الوعي الذاتي الحقيقي يتمثل في معرفة كيف يختبر الآخرون التعامل معنا وكيف يروننا.»
وأكمل ريدل هذه الفكرة مؤكداً أن «الأصالة صفة يمكن ملاحظتها؛ فهي موجودة في سلوك القائد. وهي تكمن في قدرة الآخرين على توقع تصرفاتك، وليس في قدرتك على وصف نفسك.»
وتنسجم هذه الأفكار مع الدعوات الحديثة إلى إجراء مزيد من الأبحاث حول السلوكيات التي يمكن ملاحظتها لدى القادة، ومع الفكرة القائلة إن القيادة الأصيلة لا تعني إحضار كامل ذاتك إلى العمل، بل تتطلب ممارسة توازن دقيق.
الأصالة مكلفة، لكنها تستحق الثمن
تتجاوز القيادة الأصيلة مجرد التعبير عن الذات؛ فهي تتطلب تأملاً أعمق في النفس عند مواجهة المواقف الصعبة. والقيم التي تتجلى نتيجة هذا التأمل يمكن، عند تطبيقها بصورة متسقة، أن توفر دافعاً حقيقياً للعمل الجماعي من أجل تحقيق هدف أكبر.
وعلى خلاف الأصالة الاستعراضية أو التي تُستخدم كأداة لبناء الصورة والعلامة الشخصية، فإن الأصالة الحقيقية لها ثمن فعلي. فقد تكلّف الإنسان راحته وشعبيته، كما يجب الوفاء بالقيم حتى عندما يكون الالتزام بها مكلفاً. وعندما ننتقل من أصالة قائمة على التعبير عن الذات إلى أصالة قائمة على القيم، تصبح الأصالة قوة قادرة على إحداث تأثير حقيقي.
