تدفع العوائد المرتفعة على السندات الحكومية في العديد من الاقتصادات المتقدمة البعض إلى التكهن باقتراب أزمة ديون. وتشير الدروس المستفادة من تجربة منطقة اليورو مع اليونان عام 2010 إلى أنه على الرغم من أن أزمة شاملة لم تتبلور بعد، يتعين على البنك المركزي الأوروبي أن يكون مستعدًا للتدخل عند الحاجة.
تشهد أسعار الفائدة طويلة الأجل في معظم الدول الأوروبية والولايات المتحدة ارتفاعًا حادًا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا . ففي 12 أكتوبر، بلغت عوائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات 5.4 في المئة في المملكة المتحدة و5.2 في المئة في الولايات المتحدة، وهي أعلى مستويات مسجلة في العالم الصناعي. ولم تشهد أي من الدولتين مستويات مماثلة منذ 25 عامًا.
وقد كُتب الكثير في تحليل أسباب هذا الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة. وتشمل التفسيرات المحتملة ارتفاع توقعات التضخم، وتزايد الدين الحكومي في عدد من البلدان، بما فيها الولايات المتحدة، والطلب المرتفع على الائتمان من جانب الشركات العملاقة التي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي تعمل على إنشاء المزيد من مراكز البيانات.
يركز هذا المقال على ما يحدث في منطقة اليورو. وكخطوة أولى، يعرض الفوارق بين عوائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات في عينة من دول منطقة اليورو وعوائد السندات الحكومية الألمانية للمدة نفسها. ويعبّر هذا الفارق عن مستوى المخاطر التي يتحملها المستثمرون عند الاحتفاظ بسندات هذه الدول، مقارنة بالمخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بالسندات الألمانية.
تبرز نقطتان أساسيتان. أولًا، تبدو الزيادات الأخيرة في هذه الفوارق ضئيلة مقارنة بالفوارق التي سُجلت خلال أزمة الديون السيادية في الفترة من 2010 إلى 2012، حين بلغت مستويات استثنائية، وكذلك مقارنة بالفترات الأحدث، وتحديدًا عامي 2018 و2019، وفترة موجة التضخم التي امتدت من 2021 إلى 2023. ولذلك، إذا كانت أزمة آخذة في التشكل اليوم، فإنها لا تزال في مراحلها الأولى جدًا. وبالطبع، لا يعني ذلك استحالة تطورها إلى أزمة فعلية.
ثانيًا، يبرز التغير في وضع فرنسا. فقد كانت فرنسا تُصنّف في الماضي ضمن الدول منخفضة المخاطر في منطقة اليورو. وخلال أزمة الديون السيادية، ارتفع الفارق بين عوائد سنداتها وعوائد السندات الألمانية، لكنه ظل أقل بكثير من الفوارق المسجلة في بلجيكا وإسبانيا وإيطاليا، فضلًا عن الفارق اليوناني.
وحتى عام 2024، ظلت فرنسا ضمن مجموعة الدول منخفضة المخاطر. أما الآن، فقد أصبحت صاحبة أعلى فارق في منطقة اليورو، متجاوزة اليونان وإيطاليا وإسبانيا، وهي الدول التي ارتبطت تقليديًا بمستويات مخاطر مرتفعة. وقد دفع ذلك محللين من اتجاهات مختلفة إلى التكهن بأن فرنسا تسير على خطى اليونان، وأن أزمة ديون جديدة تلوح في الأفق.
ولا يزال احتمال وقوع مثل هذه الأزمة مسألة مفتوحة. وهنا أيضًا، من المهم التأكيد على ضرورة النظر إلى الأحداث من منظور تاريخي. فما تزال الفوارق الحالية محدودة مقارنة بالمستويات التي بلغتها خلال أزمة 2010 إلى 2012، حين تجاوز الفارق في عوائد السندات الحكومية اليونانية 25 في المئة. أما الفارق في عوائد السندات الفرنسية اليوم، فيبلغ نحو 1.5 في المئة. وهذا يعني أننا لا نزال بعيدين جدًا عن الظروف التي شهدتها اليونان.
وتؤدي مقارنة المؤشرات الاقتصادية الأساسية في البلدين إلى النتيجة نفسها. فقد بلغ عجز الموازنة اليونانية في عام 2010، عندما بدأت أزمة الديون السيادية، 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين بلغت نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي 145 في المئة. أما عجز الموازنة الفرنسية الحالي، فمن المتوقع أن يصل إلى 5.1 في المئة في أواخر عام 2026، مع بلوغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 119 في المئة. وهذه أرقام مثيرة للقلق، لكنها تظل أفضل بكثير من الأرقام اليونانية عند بداية أزمة 2010 إلى 2012.
ما مدى احتمال اندلاع أزمة جديدة؟
من المؤكد أن وقوع أزمة جديدة في الديون السيادية يظل احتمالًا قائمًا. ويكمن السبب الجوهري في أن منطقة اليورو تعاني هشاشة متأصلة في بنيتها، كما أوضح دي غراو في دراسته المنشورة عام 2011. ويمكن وصف هذه الهشاشة على النحو الآتي.
تصدر حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي ديونًا بعملة لا تملك السيطرة عليها. ونتيجة لذلك، لا تستطيع هذه الحكومات تقديم ضمان مطلق لحاملي السندات بأنهم سيستردون أموالهم عند حلول موعد استحقاقها. فعندما يحين موعد الاستحقاق، قد لا تتوافر لدى حكومات الاتحاد النقدي السيولة اللازمة لسداد مستحقات حاملي السندات وتجديد الديون القائمة بإصدار ديون جديدة. كما لا تستطيع هذه الحكومات اللجوء إلى بنوكها المركزية لتوفير السيولة اللازمة لسداد مستحقات المستثمرين. وهذا يعني أنها قد تنفد من الأموال المتاحة لديها.
ويختلف هذا الوضع عن حال الدول التي تتمتع بالسيادة النقدية الكاملة، مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة. فهذه الدول تلجأ إلى بنوكها المركزية في أوقات الأزمات، وتستطيع إرغامها على توفير السيولة اللازمة. ولا يستطيع حاملو السندات التغلب على الحكومات ذات السيادة الكاملة التي تتحكم في إصدار النقود، لكنهم يستطيعون الضغط على حكومات الاتحاد النقدي التي لا تملك السيطرة على إصدار العملة.
ويدرك حاملو السندات أن السندات الحكومية الصادرة عن دول الاتحاد النقدي تنطوي على مخاطر تتعلق بتوافر السيولة. وعندما تنشأ حالة من انعدام الثقة لدى المستثمرين تجاه السندات الحكومية لدولة معينة، فإنهم يشرعون في بيع سندات تلك الدولة، مما يدفع عوائدها إلى الارتفاع. ونتيجة لذلك، تجد حكومة الدولة المعنية صعوبة متزايدة في الاقتراض بأسعار فائدة معقولة.
وتحدث أزمة السيولة عندما تعجز الدولة عن الحصول على الأموال اللازمة، ولا يكون هناك بنك مركزي قادر على توفير السيولة المطلوبة. وعندئذ، قد تُضطر الدولة إلى التخلف عن سداد ديونها. وهذا ما حدث في الأزمة اليونانية.
ومن المهم الإشارة إلى أن مدى صحة الشكوك التي أطلقت هذه العملية لا يؤثر في جوهر آليتها. ففي حالة اليونان عام 2010، كانت هذه الشكوك مبررة بالتأكيد. لكن يمكن القول إن حالة انعدام الثقة التي اجتاحت دولًا أخرى في منطقة اليورو في ذلك العام، مثل بلجيكا وأيرلندا والبرتغال وإسبانيا، نشأت نتيجة انتقال العدوى من دولة إلى أخرى. والمقصود بذلك انتقال الخوف والذعر بين الأسواق المالية دون أن يستند بالضرورة إلى المؤشرات الاقتصادية الأساسية، بل نتيجة حالة من الهلع الجماعي بين حاملي السندات.
وفي بحث نُشر عام 2013، قدمت يويمي جي وأنا أدلة على حدوث هذه الظاهرة خلال أزمة الديون السيادية. ففي مرحلة معينة، شهدت الفوارق في عوائد السندات لدى عدد من الدول ارتفاعات متزامنة ومترابطة، بمعزل عن المؤشرات الاقتصادية الأساسية، مدفوعة بدلًا من ذلك بمشاعر الخوف والذعر.
كيف يمكن لصانعي السياسات الاستجابة لأزمة ديون جديدة؟
عولجت أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو خلال أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين عندما اضطلع البنك المركزي الأوروبي بدور «المُقرض الأخير». ففي عام 2012، تعهد البنك بأنه سيشتري كميات غير محدودة من السندات الحكومية للدولة التي تواجه أزمة متى اقتضت الظروف ذلك. وقد أدى هذا التعهد إلى حل أزمة الديون في وقت قياسي، إذ اختفت حالة انعدام الثقة فجأة.
وظهرت مشكلات مماثلة خلال جائحة كورونا في الفترة من 2020 إلى 2022، عندما تعرضت دول منطقة اليورو لأزمة كبيرة أخرى. لكن أسواق السندات الحكومية لم تتأثر في هذه الحالة، ولم تظهر أي مؤشرات على حدوث تجزؤ في هذه الأسواق. ويُعزى ذلك أساسًا إلى أن البنك المركزي الأوروبي أنشأ برنامجًا جديدًا لتوفير السيولة، هو برنامج الشراء الطارئ لمواجهة الجائحة (PEPP)، بهدف شراء السندات الحكومية في أوقات الضغوط المالية.
وعلى الرغم من العجز الكبير في الموازنات وارتفاع مستويات الدين، فإن المملكة المتحدة والولايات المتحدة لن تنتهيا إلى أزمة في الديون السيادية. وستُرغم حكومتا البلدين البنوك المركزية على شراء السندات الحكومية. لكن مثل هذا الإكراه غير ممكن في منطقة اليورو، إذ لا تستطيع أي حكومة إجبار البنك المركزي الأوروبي على اتخاذ هذه الخطوة.
وتتمثل مشكلة فرنسا اليوم في نشوء حالة من انعدام الثقة بسبب ارتفاع عجز الموازنة والدين العام. لكن الأسوأ من ذلك هو الجمود السياسي الذي تعانيه البلاد. فهناك عجز عن إعداد موازنة، فضلًا عن احتمال فوز أحزاب متطرفة قد تنتهج سياسات مالية أكثر مجازفة.
ويمكن احتواء عجز في الموازنة يبلغ نحو 5 في المئة، ونسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي تصل إلى 119 في المئة، بسهولة نسبية في الدول التي تُدار شؤونها بكفاءة. لكن الأمر ليس بهذه السهولة في الدول التي تشهد شللًا في عملية صنع القرار السياسي، والتي قد تؤدي التوقعات السياسية المستقبلية فيها إلى تفاقم هذا الخلل.
أما ما سيفعله البنك المركزي الأوروبي إذا اندلعت أزمة ديون في فرنسا، فيظل موضع تكهنات. ومع ذلك، لا يكاد يكون هناك شك في أن البنك المركزي سيضطر إلى التدخل والبدء في شراء السندات الحكومية الفرنسية إذا استمر الفارق في عوائدها في الارتفاع. وإذا رفض البنك المركزي الأوروبي القيام بذلك، فستنشأ أزمة تهدد وجود منطقة اليورو نفسها.
ففرنسا ليست اليونان، التي استطاع البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية ممارسة ضغوط كبيرة عليها عام 2010. ومن الممكن أنه إذا وصل حزب الجبهة الوطنية إلى السلطة في فرنسا، فإن رفض البنك المركزي الأوروبي التدخل قد يدفع مارين لوبان إلى تحقيق حلمها القديم بالخروج من منطقة اليورو. ومن المؤكد أن مثل هذه الخطوة ستؤدي إلى أزمة وجودية لمنطقة اليورو.
ويظل هذا الاحتمال معلقًا فوق منطقة اليورو كسيف ديموقليس، بحيث يمكن لأي محفز بسيط أن يشعل أزمة واسعة النطاق ما دام هذا التهديد قائمًا.
وفي هذا السياق، تتمثل إحدى الأفكار المطروحة حاليًا في أن يوقف البنك المركزي الأوروبي برنامج ما يُعرف باسم «التشديد الكمي» (QT)، الذي يتضمن تقليص حيازاته من السندات الحكومية. وتميل هذه السياسة إلى رفع عوائد تلك السندات، مما يزيد احتمال أن تؤدي محفزات محدودة إلى اندلاع أزمة شاملة.
أما بالنسبة إلى دول أخرى في منطقة اليورو، مثل بلجيكا وإيطاليا، فلا تزال هناك تساؤلات بشأن ما إذا كانت الأسواق المالية تستهدفها بالضغوط. فالأوضاع المالية في هاتين الدولتين تشبه الأوضاع في فرنسا. وكما رأينا خلال أزمة 2010 إلى 2012، كانت آثار انتقال العدوى من دولة إلى أخرى قوية، وأدت إلى أزمة منهجية شملت منطقة اليورو بأكملها.
وعندما يتسلل الخوف إلى الأسواق، قد يتطور إلى موجات من البيع المذعور للسندات الحكومية، بما يترتب على ذلك من آثار يصعب السيطرة عليها في الدول الأخرى. وربما يكون هذا هو السبب الرئيسي الذي سيدفع البنك المركزي الأوروبي إلى التدخل، إذ يتعين عليه احتواء انتقال العدوى إلى الدول الأخرى والحيلولة دون وقوع أزمة منهجية شاملة.
