القائمة الرئيسية

كيف تعلّم التلفزيون تسويق نفسه

كيف تعلّم التلفزيون تسويق نفسه
ملخص المقال

بعد الحرب العالمية الثانية، واجه التلفزيون معضلة تسويقية فريدة تمثلت في "حلقة مفرغة" بين تكلفة إنتاج البرامج والإعلانات وجذب الجماهير، ورغم ذلك، وممانعة الأمريكيين لفرض رسوم ترخيص، انتشر التلفزيون بسرعة هائلة. كان الحل في البث المباشر للأحداث الرياضية، التي وفرت محتوى جاهزًا وجذابًا، وأظهرت تفوقها على المشاهدة الحية أحيانًا، ووجدت في الحانات مراكز لانتشارها الأولي. وعلى الرغم من المخاوف الأولية من أن يتسبب التلفزيون في انهيار حضور الفعاليات الرياضية، إلا أن المتفائلين، مثل إد دانفورث، رأوا فيه دعاية مجانية للرياضة. وبعد عقود، أثبت التاريخ صحة هذه التوقعات، إذ استمرت الرياضات في ازدهارها وجذب ملايين المشجعين شخصيًا، كما ظلت الدعامة الأساسية لبرامج التلفزيون بجميع أشكاله، مقدمة ترفيهًا مرئيًا فريدًا يجمع بين الإثارة والنتائج غير المتوقعة، ومواصلة جذب الجماهير إلى الحانات وأماكن المشاهدة.

بحلول أواخر يناير عام 1945، بدا أن نهاية الحرب العالمية الثانية أصبحت أخيرًا وشيكة. وبدأ قادة قطاع الأعمال الأمريكيون التفكير في طرح المنتجات التي تأخر إطلاقها بسبب الحرب. وكان من أكثر المنتجات المنتظرة الجوارب المصنوعة من النايلون، التي ظهرت للمرة الأولى عام 1939، قبل أن يُحوَّل استخدام الألياف الجديدة إلى التطبيقات العسكرية. وكان التلفزيون منتجًا آخر من هذه المنتجات، بعدما سحر زوار المعرض العالمي عام 1939. لكن تسويق هذه الوسيلة الجديدة كان أصعب بكثير من تسويق الجوارب المصنوعة من الألياف المتطورة.

أوضح جاي جاي نانس، أحد المسؤولين التنفيذيين في شركة زينيث راديو، لمحللي وول ستريت أن «التلفزيون يواجه مثلثًا مفرغًا من الحلول». فقد كانت تكلفة إنتاج البرامج التلفزيونية أعلى بكثير من تكلفة إنتاج البرامج الإذاعية، وكان المنتجون بحاجة إلى عائدات الإعلانات لتغطية هذه التكاليف، في حين كان المعلنون يشترطون الوصول إلى جماهير كبيرة. وقال نانس: «لا يمكننا الوصول إلى جمهور جماهيري واسع حتى نوفر للشعب الأمريكي ترفيهًا مستمرًا ومضمونًا، يتمتع من الجاذبية بما يحفّز الملايين على شراء أجهزة الاستقبال». وهكذا نشأت المعضلة: جذب المشاهدين يتطلب إنتاج البرامج، وإنتاج البرامج يتطلب الإعلانات، والإعلانات تتطلب وجود المشاهدين، وهكذا تستمر الحلقة المفرغة.

إنها معضلة تواجهها كل منصة تقنية جديدة، وإن كانت أشد تعقيدًا في حالة التلفزيون. فلكي ينتشر التلفزيون، كان عليه تسويق الأجهزة، وإنشاء المحتوى، وإيجاد مصادر للإيرادات. وقليل من المنصات المعاصرة تضطر إلى القيام بهذه الأمور الثلاثة جميعًا. فمعظمها يعتمد على قاعدة قائمة من الأجهزة، بينما تحصل منصات التواصل الاجتماعي على محتواها مجانًا من المستخدمين.

ومن الناحية النظرية، كان بإمكان التلفزيون تمويل برامجه من خلال فرض رسوم ترخيص على أجهزة الاستقبال، على غرار الضريبة التي لا تزال تموّل هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». لكن الأمريكيين، الذين اعتادوا الاستماع مجانًا إلى البرامج الإذاعية المموّلة بالإعلانات عبر موجات البث العامة، عارضوا بشدة أي اقتراح من هذا النوع.

ومع ذلك، لم تمر سوى عشر سنوات على خطاب نانس حتى أصبح ثلثا المنازل الأمريكية يمتلكان جهاز تلفزيون، وارتفعت النسبة إلى 78 في المئة في المدن. بل إن مسؤولي الإسكان العام كانوا يناقشون، منذ عام 1948، ما إذا كان ينبغي السماح للمستأجرين في الشقق المدعومة حكوميًا باقتناء أجهزة التلفزيون وتركيب هوائياتها. لقد كان التلفزيون واحدًا من أسرع التقنيات انتشارًا في التاريخ.

وللخروج من هذه الحلقة المفرغة، استفادت شركات البث من عروض جاهزة للإنتاج، تمتلك مسارحها الخاصة وقواعد جماهيرية واسعة ونجومًا معروفين بالفعل، وهي العروض الرياضية. فقد كان بث المنافسات الرياضية التطبيق الأكثر قدرة على جذب الجمهور إلى الوسيلة الجديدة وتحقيق نجاحها التجاري. وفي عام 1948، كتب المسؤول عن البرامج الرياضية في محطة «دبليو جي إن» بمدينة شيكاغو: «ستكون التغطية الرياضية، خلال السنوات القليلة المقبلة على الأقل، العنصر الأهم في البرامج التلفزيونية بفارق كبير عن غيره». وأضاف: «من الآمن التنبؤ بأن ما يصل إلى 50 في المئة من ساعات البث التلفزيوني، سواء في البرامج المباشرة أو الأفلام، ستخصص للأنشطة الرياضية».

وكانت المواجهة التي أُقيمت في يونيو عام 1946 بعد الحرب العالمية الثانية بين الملاكمين جو لويس وبيلي كون، وهما من أبرز ملاكمي الوزن الثقيل، من أوائل النجاحات في هذا المجال. فقد نُقلت المباراة من ملعب يانكي في نيويورك، ووصل البث شمالًا إلى ولاية كونيتيكت وجنوبًا إلى واشنطن العاصمة.

وأشاد أحد الصحفيين الرياضيين في ولاية نيوجيرسي بالتجربة قائلًا إن المشاهدين «رأوا كل ما حدث داخل تلك الحلبة التي يبلغ طول ضلعها 24 قدمًا، وشاهدوا التفاصيل بوضوح أكبر بكثير مما أتاحته الرؤية لمعظم الأشخاص البالغ عددهم 45,266 شخصًا الذين دفعوا ثمن تذاكرهم لحضور المباراة». وقدّر عدد مشاهدي التلفزيون بنحو مئة ألف شخص.

وكتب الصحفي: «كان بإمكانك سماع هدير الجمهور، وعدّ الحكم، ورنين الجرس». أما صاحب حانة في بروكلين، فقد حشد 150 مشجعًا لمشاهدة المباراة على جهاز التلفزيون الموجود لديه، وقال إنه اضطر إلى رفض دخول ما لا يقل عن 500 شخص آخرين.

كانت الحانات عنصرًا أساسيًا في نجاح التلفزيون خلال سنواته الأولى. وقال مدير إحدى محطات التلفزيون في شيكاغو: «يشاهد الناس أجهزة التلفزيون في الحانات بأعداد تفوق ما يمكن أن يشاهدوه عادةً في صالات العرض. فالحانات تساعد على بيع الأجهزة للمنازل الخاصة».

وعلى الرغم من شكوى بعض السقاة من أن المشجعين يكتفون بشرب كأس واحدة من الجعة بدلًا من طلب عدة مشروبات، أفاد معظمهم بأن التلفزيون يجذب مزيدًا من الزبائن، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة المبيعات. وفي بعض الأحيان، كانت الحانات تضع عدسة مكبرة كبيرة أمام الشاشة حتى يتمكن الزبائن من رؤية البث بوضوح أكبر من مسافة بعيدة.

قد يصعب على مخيلة إنسان القرن الحادي والعشرين استيعاب مدى جاذبية التلفزيون في بداياته. فقد كانت البرامج تُبث بالأبيض والأسود، بصور ضبابية تعاني من الظلال والتشويش والاهتزاز. وكانت الشاشات صغيرة جدًا، إذ بلغت مساحتها عادةً نحو 52 بوصة مربعة، في حين كان سعر جهاز التلفزيون الأساسي يقارب 325 دولارًا، أي ما يعادل نحو 4,400 دولار بقيمة اليوم.

أما الحانات التي تمتلك ميزانيات استثنائية، فكان بإمكانها التفاخر باقتناء جهاز «يو إس تي تافرن تيلي سيمفونيك»، الذي تميز بشاشة مقاسها 25 بوصة × 19 بوصة، مقابل 1,995 دولارًا، أي ما يقارب 30 ألف دولار بقيمة اليوم. لكن مثل هذه الأجهزة الفاخرة كانت نادرة.

وبفضل اعتماد الملاكمة والمصارعة على المواجهات الثنائية، ومحدودية مساحة الحلبة، كانتا مناسبتين تمامًا للشاشات الصغيرة. وأصبحت التقارير الصحفية تتحدث كثيرًا عن انضمام مشجعين جدد إلى جمهور المصارعة، ولا سيما النساء. فقد لاحظ أحد كتاب الأعمدة الرياضية أن «كثيرًا من النساء النحيلات يستمتعن بمشاهدة داني ماكشين وهو يحطم رأس رجل في عمود فولاذي، ثم يتلقى بدوره ضربة تحطم رأسه». وربما كانت المصارعة رياضة بالمعنى الدقيق للكلمة أو لم تكن كذلك، لكنها كانت بالتأكيد شكلًا من أشكال الترفيه.

وفي ظل المخاوف الواسعة من «انحراف الأحداث»، وعد التلفزيون بإبقاء الأطفال بعيدًا عن المشكلات. وقد أعلن أحد إعلانات أجهزة التلفزيون: «لا مكان لانحراف الأحداث هنا»، عارضًا صورة عائلة تجلس حول جهاز تلفزيون موضوع في غرفة المعيشة.

لكن ارتباط التلفزيون بالحانات كان يتعارض مع هذه الصورة المثالية. فالأطفال والقاصرون لم يكن يُسمح لهم بدخول الحانات، إلا أن المشجعين الصغار كانوا كثيرًا ما يقفون أمام النوافذ محاولين مشاهدة المباريات من الخارج.

واستجابةً لذلك، بدأت الكنائس ونوادي الفتيان ومراكز الشباب وجمعيات الشبان المسيحية في شراء أجهزة التلفزيون الخاصة بها. ففي إحدى أمسيات صيف عام 1948، استقطبت كنيسة ميثودية خارج فيلادلفيا حشدًا بلغ 125 شخصًا، كان معظمهم من المراهقين، لمشاهدة مباراة بيسبول بين فريقي فيلادلفيا فيليز وسينسيناتي ريدز.

وأفاد قساوسة في أنحاء البلاد بأن التلفزيون يجذب الأطفال إلى الكنائس. وقال أحد القساوسة المشيخيين في شيكاغو: «يُستخدم جهاز التلفزيون في كنيستنا أساسًا لمشاهدة مباريات الهوكي والملاكمة وغيرها من الفعاليات الرياضية. ونأسف لأننا لم نفكر في هذه الفكرة من قبل».

كانت الرياضة مناسبة للتلفزيون إلى درجة أن كثيرين خشوا أن تتسبب الوسيلة الجديدة في انهيار مبيعات تذاكر حضور المباريات. فقد أعلن أحد كتاب الأعمدة أن «انهيار الحضور الجماهيري للفعاليات الرياضية حتى يصل إلى مستوى كارثة وطنية أمر لا مفر منه»، مشيرًا إلى أن مسؤولي الملاكمة في العاصمة الأمريكية كانوا يضغطون من أجل إصدار تشريع يُلزم جهات البث بتغطية تكاليف إقامة المباريات.

أما مدرب كرة القدم الأمريكية ريب إنغل، الذي كان يعمل آنذاك في جامعة براون قبل انتقاله قريبًا إلى جامعة ولاية بنسلفانيا، فقد توقع أن يؤدي التلفزيون إلى خروج عدد كبير من الفرق من المنافسة. وقال عام 1949: «لن أتفاجأ إذا لم يتبقَّ سوى عشرة فرق لكرة القدم الأمريكية الجامعية بعد بضع سنوات. فهذا ما سيحدث إذا جرى بث المباريات التي تشارك فيها الجامعات الكبرى على نطاق واسع».

وتوقع آخرون أن يؤدي التلفزيون إلى القضاء على دوري البيسبول للفرق الصغيرة. فلماذا يذهب المشجعون لمتابعة الفريق المحلي التابع لأحد أندية الدرجة الأولى، بينما يمكنهم مشاهدة مباريات الفرق الكبرى على شاشة التلفزيون؟

لكن المتفائلين رأوا أن هذه المخاوف لا أساس لها. فقد استشهد الكاتب الرياضي المخضرم إد دانفورث بالتاريخ والنتائج الأولية، مشيرًا إلى أن ملاك أندية البيسبول كانوا يعارضون التغيير باستمرار. وكتب: «انظروا كيف قاوموا تدفق الأموال الهائل الذي جلبته لهم مباريات البيسبول الليلية». ثم استعرض الفعاليات التي بُثت تلفزيونيًا عام 1947، ومنها بطولة العالم للبيسبول، ومباراة كرة القدم الأمريكية بين جامعتي نوتردام والجيش، ومواجهة الملاكمة بين جو لويس وجيرسي جو والكوت، ومباراة شوغر بول التي شارك فيها فريق كرة القدم الأمريكية بجامعة جورجيا، الذي لم يتعرض لأي هزيمة.

وأشار دانفورث إلى أن جميع هذه الفعاليات سجلت أرقامًا قياسية في الحضور الجماهيري. وكتب: «استقطبت الفعاليات الكبرى جماهير ملأت المدرجات بالكامل، سواء بُثت تلفزيونيًا أم لا». وأضاف أن التلفزيون كان بمثابة «دعاية لهذه الرياضات، ودعاية دُفعت تكلفتها مسبقًا من المصدر». وتوقع أن يسهم التلفزيون في زيادة شعبية الرياضة، لا في تقليصها.

وبعد مرور ثمانية عقود، يمكن القول بثقة إن دانفورث كان على حق. ففي عام 2024، استقطبت الفعاليات الرياضية في الولايات المتحدة عددًا مذهلًا بلغ 292 مليون مشجع حضروا المباريات والفعاليات شخصيًا، وفقًا لشركة «تو سيركلز» المتخصصة في التسويق الرياضي.

وبدلًا من أن تتقلص كرة القدم الأمريكية الجامعية إلى عدد محدود من الفرق، لا تزال مبارياتها تمثل تجربة ثقافية مهمة، كما أنها تتصدر الرياضات الأمريكية من حيث مبيعات التذاكر. وفي الوقت نفسه، لا تزال الرياضة تدعم التلفزيون بمختلف أشكاله.

وسواء شاهد الناس المباريات على شاشة مسطحة ضخمة أم على هاتف لا يتجاوز حجمه كف اليد، فإن الرياضة تقدم شكلًا جذابًا من الترفيه المرئي، يجمع بين رهانات حقيقية ونتائج لا يمكن التنبؤ بها مسبقًا. ولا تزال الرياضة أيضًا تستقطب المشجعين إلى الحانات.

المصدر

مقالات ذات صلة