توسعت الحماية الاجتماعية المرتبطة بسوق العمل في مختلف أنحاء الجنوب العالمي، لكنها تحتاج إلى التطور لمواجهة التحديات الناشئة والتحولات التي يشهدها عالم العمل.
على مدى العقدين الماضيين، توسعت أنظمة الحماية الاجتماعية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل في الجنوب العالمي، حيث تضاعفت معدلات التغطية بأكثر من مرتين. وجاء هذا التوسع مدفوعاً بالنمو الاقتصادي، والحوافز السياسية، والطموحات الرامية إلى بناء دول الرفاه. وفي بلدان مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، أصبحت الحماية الاجتماعية جزءاً أساسياً من الاستراتيجيات الوطنية للتنمية والنمو الشامل.
وعالمياً، أدى تصاعد عدم المساواة، إلى جانب الآثار المتداخلة لتغير المناخ، وانعدام الأمن الاقتصادي، وتراجع المساعدات الإنمائية، إلى جعل الحماية الاجتماعية أداة لا غنى عنها لتعزيز القدرة على الصمود وحماية الفئات الضعيفة من الصدمات. ويُظهر تقرير الحماية الاجتماعية العالمي 2024-2026 الصادر عن منظمة العمل الدولية أن أكثر من نصف سكان العالم مشمولون بشكل من أشكال الحماية الاجتماعية.
لقد سلكت الحماية الاجتماعية في الجنوب العالمي مساراً مختلفاً عن نظيرتها في الشمال العالمي، وهو مسار تشكل بفعل ضيق الحيز المالي، وانتشار الاقتصادات غير الرسمية، والهياكل الديموغرافية الأصغر سناً والسريعة التغير، وتفاوت قدرات الدول، وتنوع الترتيبات المؤسسية.
وقد أثر ذلك ليس فقط في حجم الحماية الاجتماعية وأساليب تمويلها، بل أيضاً في الطريقة التي صممت بها البلدان برامجها للوصول إلى السكان العاملين خارج نطاق التوظيف الرسمي والاستجابة للصدمات الاقتصادية والمناخية.
وركزت برامج الحماية الاجتماعية في البلدان النامية بشكل كبير على التدخلات في سوق العمل، استجابة للتحولات الهيكلية التي صاحبت انتقال هذه البلدان إلى النماذج النيوليبرالية الموجهة نحو السوق خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وهو ما ساهم في زيادة هشاشة أوضاع العمال وانعدام الأمن الوظيفي.
وتهدف الحماية في سوق العمل إلى حماية الأفراد من البطالة، وفقدان الدخل، وانعدام الأمن الوظيفي. وفي العديد من هذه البلدان، تتسم أسواق العمل بانتشار العمل غير الرسمي، وانخفاض الأجور، والهجرة من الريف إلى المدن، والبطالة، والعمالة الناقصة، والعمل الحر غير المستقر.
ويعمل أكثر من 60 في المائة من عمال الجنوب العالمي، أي نحو ملياري شخص، في القطاع غير الرسمي. وفي العديد من البلدان، بما في ذلك الهند، يمثل العمال غير الرسميين أكثر من 80 في المائة من إجمالي العمالة. كما تواجه هذه البلدان ضغوطاً ناجمة عن التحولات الديموغرافية، بما في ذلك تزايد أعداد الشباب وارتفاع معدلات البطالة بينهم، فضلاً عن الاضطرابات الناجمة عن التكنولوجيا وتغير المناخ.
الحماية والاستعداد والتحول: اتجاهات سياسات سوق العمل
يمكن تحليل الحماية في سوق العمل في الجنوب العالمي من خلال ثلاثة مجالات رئيسية: الحماية، والاستعداد، والتحول.
تعني الحماية تقديم دعم للدخل وتوفير فرص عمل عامة خلال فترات انعدام الأمن الاقتصادي. ويعني الاستعداد تزويد العمال بالمهارات والتمويل والخبرة اللازمة لدخول سوق العمل أو الانتقال داخله. أما التحول فيعني دعم الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي وإعداد العمال للتحولات الهيكلية، مثل التحولين الأخضر والرقمي.
يمكن تحليل الحماية في سوق العمل في الجنوب العالمي من خلال ثلاثة مجالات رئيسية: الحماية، والاستعداد، والتحول.
وتبرز الاتجاهات التالية في التدخلات الحديثة في سوق العمل داخل بلدان الجنوب العالمي:
- التوظيف العام: تقع برامج الأشغال العامة عند نقطة التقاء الحماية الاجتماعية وخلق فرص العمل، إذ تهدف إلى الحد من الفقر وبناء البنية التحتية العامة. ويُعد برنامج «فيكست بهارات – بعثة ضمان التوظيف وسبل العيش في المناطق الريفية» في الهند، الذي يضمن 100 يوم من العمل سنوياً، من أكبر برامج الحماية الاجتماعية في العالم. ومن أبرز ابتكاراته اعتماده نهجاً قائماً على الطلب والحقوق. وقد حقق البرنامج نجاحاً ملحوظاً في تشغيل النساء في المناطق الريفية بالهند. وبالمثل، يوفر برنامج الأشغال العامة الموسع في جنوب أفريقيا دعماً للدخل من خلال العمل المؤقت، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر ضعفاً.
- الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي: تعمل الحكومات على تجربة إجراءات تسجيل مبسطة، وسجلات رقمية للعمال، ومزايا اجتماعية قابلة للنقل، إلى جانب حوافز لتشجيع العمال على الانتقال إلى التوظيف الرسمي والشركات على إضفاء الطابع الرسمي على أنشطتها. ويستهدف برنامج «رائد الأعمال الفردي المصغر» في البرازيل أصحاب المشاريع متناهية الصغر والعاملين لحسابهم الخاص. ومن خلال خفض تكاليف التسجيل وتبسيط أنظمة الضرائب والتأمين الاجتماعي، ساهم البرنامج في معالجة ظاهرة العمل غير الرسمي وتوسيع نطاق الوصول إلى التوظيف الرسمي والحماية الاجتماعية.
- تنمية المهارات: تهدف برامج سوق العمل النشطة الموجهة إلى الشباب إلى دعم انتقالهم إلى سوق العمل. ويوفر برنامج «الشباب يبنون المستقبل» في المكسيك تدريباً في مواقع العمل لمدة تصل إلى 12 شهراً، إلى جانب راتب شهري وتأمين صحي. أما برنامج التعافي والنهوض بعمالة القطاع غير الرسمي في بنغلاديش، فيجمع بين التدريب على المهارات، والتدريب المهني، ودعم ريادة الأعمال، والتمويل الأصغر، والمنح المالية، وخدمات الوساطة في التوظيف لصالح الشباب ذوي الدخل المنخفض.
- العمل الحر وريادة الأعمال: يشكل العمل الحر عنصراً مهماً في برامج سوق العمل في عدد من البلدان النامية. فعلى سبيل المثال، تعمل البعثة الوطنية لسبل العيش الريفية في الهند على تعزيز توليد سبل العيش من خلال مجموعات المساعدة الذاتية النسائية وريادة الأعمال. وبالمثل، يجمع برنامج «يوك كوم كوم» في السنغال بين تعبئة المجتمعات المحلية، والتدريب، ومجموعات الادخار والقروض، والمشاريع الصغيرة.
- وظائف المستقبل: تركز برامج سوق العمل في الجنوب العالمي بصورة متزايدة على تحديد وظائف المستقبل والتنبؤ بها في الاقتصادات الخضراء والرقمية واقتصاد الرعاية. وتجمع الاستراتيجية الوطنية للوظائف الخضراء في غانا بين تنمية المهارات وتطوير المشاريع الخضراء، مع التركيز على الشباب والنساء. كما توضح السياسة الوطنية للرعاية في البرازيل كيف يجري دمج قطاع الرعاية في سياسات سوق العمل، من خلال توسيع خدمات رعاية الأطفال وكبار السن، والاستثمار في تدريب العاملين بأجر في قطاع الرعاية، وتعزيز حقوقهم وحمايتهم الاجتماعية.
إعادة التفكير في سياسات سوق العمل
يتعين على بلدان الجنوب العالمي بناء تدخلات قوية في سوق العمل قادرة على الاستجابة للتحديات الناشئة، بما في ذلك التبني السريع للذكاء الاصطناعي والمخاطر المرتبطة بالمناخ التي تهدد سبل العيش.
ولكي تكون هذه التدخلات فعالة، يجب أن تحمي العمال من الصدمات، مثل جائحة كوفيد-19 التي عطلت سبل العيش وفرص العمل، وأن تدعم انتقالهم بين المهن، وتعالج استمرار العمل غير الرسمي، وتضمن أن تكون وظائف المستقبل لائقة ومنتجة وآمنة.
يتعين على بلدان الجنوب العالمي بناء تدخلات قوية في سوق العمل قادرة على الاستجابة للتحديات الناشئة، بما في ذلك التبني السريع للذكاء الاصطناعي والمخاطر المرتبطة بالمناخ التي تهدد سبل العيش.
غير أن الجنوب العالمي ليس كتلة متجانسة، بل يضم بلداناً تمر بمراحل مختلفة من التنمية. ويواجه العديد منها تحديات في بناء أنظمة حماية فعالة بسبب محدودية الحيز المالي، وتزايد أعباء الديون، وارتفاع مستويات عدم اليقين الاقتصادي.
ولزيادة الحيز المالي، يمكن للبلدان توسيع قاعدة الضرائب المحلية وإعادة توجيه الدعم. كما يمكنها استخدام التكنولوجيا لتطوير أنظمة رعاية اجتماعية تستجيب للصدمات من خلال سجلات اجتماعية ديناميكية وقواعد بيانات قابلة للتشغيل البيني. وفي الوقت نفسه، يمكن تعزيز التعاون بين بلدان الجنوب من أجل تبادل المعرفة، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات.
وبالنظر إلى هذه التجارب مجتمعة، يمكن تحديد ستة تحولات رئيسية ينبغي أن تشهدها حماية سوق العمل في الجنوب العالمي:
- ربط تنمية المهارات بالتوظيف: لا تكفي الأهداف المتعلقة بأعداد المتدربين، بل ينبغي للبرامج أن تعزز أيضاً التدريب المهني، ومطابقة الباحثين عن عمل مع الوظائف، والشراكات مع أصحاب العمل، وتحقيق نتائج فعلية في التوظيف.
- بناء حماية تكيفية: توسيع نطاق الحماية الاجتماعية لتشمل العمال غير الرسميين، والعاملين لحسابهم الخاص، والعاملين عبر المنصات الرقمية، من خلال مزايا قابلة للنقل وإجراءات تسجيل مبسطة.
- الاستعداد للتحولات المستقبلية: استخدام البيانات والتنبؤ بالمهارات المطلوبة لإعداد العمال للتحولات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، وتغير المناخ، والتغيرات الديموغرافية.
- تعزيز الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي: تبسيط الانتقال إلى الوظائف والمشاريع الرسمية، وضمان أن يوفر هذا الانتقال إمكانية الحصول على مزايا مثل التأمين الاجتماعي والتمويل.
- الاستثمار في اقتصاد الرعاية: توسيع خدمات رعاية الأطفال وكبار السن وغيرها من خدمات الرعاية، مع تحسين مهارات العاملين في هذا القطاع وأجورهم وحمايتهم الاجتماعية، ولا سيما النساء.
- إعطاء الأولوية لجودة الوظائف: ضمان أن تؤدي القطاعات الخضراء والرقمية والناشئة إلى توفير عمل منتج ولائق، بدلاً من إعادة إنتاج أنماط العمل غير الرسمي وانعدام الأمن الوظيفي.
ومع تزايد أهمية الوظائف والإنتاجية والنمو الاقتصادي في صميم الاقتصاد السياسي للتنمية، أصبحت سياسات سوق العمل عنصراً محورياً في الطريقة التي تستجيب بها الحكومات للضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
ومن ثم، لا تقتصر مهمة بلدان الجنوب العالمي على توسيع نطاق الحماية في سوق العمل فحسب، بل تشمل أيضاً بناء أنظمة تحمي العمال وتتيح فرص عمل منتجة وقادرة على الصمود في مواجهة الصدمات.
