بينما تكشف فيضانات نيبال عن كلفة تشييد البنية التحتية وفق افتراضات مناخية لم تعد قائمة، يتعين على الهند إعادة التفكير في الطريقة التي ترصد بها مخاطر البنية التحتية في جبال الهيمالايا وتنظمها وتُقدّر تكلفتها.
ينبغي أن تكون الفيضانات التي شهدتها نيبال بمثابة تحذير للهند. فالاقتصاد في منطقة الهيمالايا الهندية، الممتدة لنحو 2500 كيلومتر عبر 13 ولاية وإقليماً اتحادياً، والتي يقطنها قرابة 50 مليون شخص وتضم بنية تحتية حيوية للطاقة الكهرومائية والسياحة والربط والنقل، أصبح أكثر عرضة لتداعيات المناخ المتغير.
فقدت منطقة هندوكوش-الهيمالايا نحو 12 في المئة من مساحة أنهارها الجليدية بين عامي 1990 و2020، بينما تضاعف معدل فقدان الجليد منذ عام 2000. وأصبحت العواقب واضحة بالفعل. ففي كارثة تشامولي عام 2021، لقي أكثر من 200 شخص حتفهم وتضرر مشروعان للطاقة الكهرومائية تبلغ قدرتهما الإجمالية أكثر من 530 ميغاواط. وبعد ذلك بعامين، أدى فيضان بحيرة ساوث لونهاك الجليدية إلى تدمير 13 جسراً ومشروع تيستا-3 للطاقة الكهرومائية بقدرة 1200 ميغاواط، ما خلّف أضراراً في ولاية سيكيم قُدرت بنحو 18,555 كرور روبية هندية، وهو مبلغ يفوق الميزانية السنوية للولاية.
ومن دون دمج القدرة على الصمود في عملية التنمية، تخاطر كوارث الهيمالايا بالتحول إلى أزمات متكررة تكلّف الأرواح وسبل العيش والنمو الاقتصادي.
غالباً ما لا تدخل مسألة القدرة على التكيف مع المناخ في الحسبان إلا بعد اتخاذ الخيارات الأساسية بالفعل: أين يُبنى، وماذا يُبنى، وما مقدار المخاطر المقبولة.
تعمل الهند على توسيع نطاق بنيتها التحتية في جبال الهيمالايا في الوقت نفسه الذي أصبحت فيه الافتراضات المناخية التي تستند إليها هذه البنية التحتية أقل موثوقية. فتراجع الأنهار الجليدية، واتساع البحيرات الجليدية، واشتداد الأمطار، وعدم استقرار المنحدرات، كلها عوامل تتفاعل بطرق لا تستطيع السجلات التاريخية التنبؤ بها بصورة كافية.
ومع ذلك، لا تزال الطرق والجسور والأنفاق ومشاريع الطاقة، التي يُتوقع أن تظل عاملة خلال الخمسين أو المئة عام المقبلة، تُخطط إلى حد كبير استناداً إلى أنماط الطقس والهيدرولوجيا السابقة. وغالباً ما لا تؤخذ القدرة على الصمود في وجه تغير المناخ في الاعتبار إلا بعد اتخاذ القرارات الجوهرية المتعلقة بمكان البناء وطبيعته ومستوى المخاطر المقبول.
ولذلك، ينبغي لتجربة نيبال أن تدفع الهند إلى مواجهة سؤال أكثر أهمية: ما مقدار الكارثة المقبلة في جبال الهيمالايا الذي يمكن منعه، وكيف يمكن تحقيق ذلك؟
ويتطلب الأمر ثلاثة تحولات مترابطة: الكشف عن المخاطر، وتنظيم التعرض لها، وتسعير القدرة على الصمود.
أولاً: يجب على الهند تقييم أنظمة الإنذار المبكر وفقاً للوقت الذي توفره للاستجابة، لا وفقاً لعدد التنبيهات التي تصدرها
وسعت الهند بصورة كبيرة قدرتها على رصد المخاطر في جبال الهيمالايا. وتراقب لجنة المياه المركزية 902 بحيرة جليدية ومسطحاً مائياً تزيد مساحة كل منها على عشرة هكتارات، في حين يعمل البرنامج الوطني للتخفيف من مخاطر فيضانات البحيرات الجليدية، الذي تبلغ قيمته 150 كرور روبية، على تعزيز أنظمة الرصد والإنذار المبكر في أربع ولايات ضمن منطقة الهيمالايا.
غير أن فيضان بحيرة ساوث لونهاك الجليدية عام 2023 كشف الفجوة بين تحديد الخطر وتحويل المعلومات المتعلقة به إلى إجراءات تُتخذ في الوقت المناسب. فقد جرى تحديد البحيرة قبل سنوات باعتبارها مصدراً محتملاً للخطر، ومع ذلك لم يصل أي إنذار عملي إلى المجتمعات الواقعة في اتجاه مجرى المياه قبل أن تجتاح الفيضانات وادي تيستا.
وفي أعقاب الكارثة، حددت لجنة المياه المركزية 47 سداً يُحتمل تعرضها لفيضانات ناجمة عن انفجار البحيرات الجليدية، إلا أنه حتى عام 2024 لم تكن الدراسات قد اكتملت سوى بشأن 31 منها.
يتعين على الهند، بالتالي، بناء الحلقة المفقودة بين التنبؤ والتحرك، من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على التنبؤ القائم على الآثار المتوقعة، ووضع بروتوكولات للعمل الاستباقي استناداً إلى التوقعات في أحواض التصريف المائية عالية المخاطر في جبال الهيمالايا.
وينبغي لنمذجة مناطق الغمر والآثار الواقعة في اتجاه مجرى المياه أن تحدد المسار الذي قد تسلكه الفيضانات، والتجمعات السكانية والبنية التحتية الحيوية الواقعة في طريقها، والفترة الزمنية المتاحة للتحذير في المناطق الواقعة أسفل مجرى المياه.
كما ينبغي دمج خرائط التأثير هذه في خطط إدارة الكوارث على مستوى المقاطعات والولايات، وربطها بحدود إنذار محددة مسبقاً وإجراءات تشغيل معيارية لإغلاق الطرق وعمليات الإجلاء وحماية البنية التحتية الحيوية والخدمات الأساسية.
وينبغي كذلك تزويد أنظمة المراقبة في المناطق المرتفعة بأجهزة استشعار احتياطية، ومصادر طاقة بديلة، وقنوات اتصال متعددة، بحيث لا يتمكن الخطر نفسه من تعطيل نظام الإنذار.
ثانياً: يجب على الهند احتساب تكلفة فشل البنية التحتية قبل الشروع في بنائها
تركز عملية تقييم مشاريع البنية التحتية في الهند إلى حد كبير على تكاليف البناء، في حين لا تزال التكاليف الاقتصادية الأوسع المترتبة على فشل البنية التحتية غير ممثلة بصورة كافية في قرارات المشاريع.
وفي جبال الهيمالايا، تتضاعف هذه الخسائر لأن تضرر البنية التحتية يؤدي إلى تعطيل شبكات النقل والربط، وإمدادات الكهرباء، والسياحة، وسلاسل التوريد، والخدمات الأساسية.
ويُقدّر التحالف من أجل بنية تحتية قادرة على الصمود في وجه الكوارث متوسط الخسائر السنوية التي تتكبدها البنية التحتية الهندية نتيجة الكوارث بنحو 32 مليار دولار أمريكي. وفي المقابل، فإن زيادة الاستثمار بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المئة في تصميم بنية تحتية أكثر قدرة على الصمود يمكن أن تحقق عوائد اقتصادية تعادل سبعة إلى اثني عشر ضعفاً من خلال تجنب الخسائر.
لذلك ينبغي للهند إدماج فحص مخاطر المناخ، وحساب التكلفة على مدى دورة حياة المشروع، وتحليل تكاليف ومنافع القدرة على الصمود ضمن تقارير المشاريع التفصيلية وعمليات تقييم الاستثمارات العامة لمشاريع البنية التحتية الكبرى في جبال الهيمالايا.
وينبغي ألا تقتصر المشاريع على احتساب النفقات الرأسمالية، بل يجب أن تشمل أيضاً التكاليف المتوقعة طوال عمر المشروع، بما في ذلك تكاليف إعادة البناء، وفترات توقف الخدمات، والخسائر الاقتصادية المتسلسلة.
ويتيح تحليل التكلفة والمنفعة للقدرة على الصمود، الذي طوره التحالف من أجل بنية تحتية قادرة على الصمود في وجه الكوارث، إطاراً جاهزاً يمكن استخدامه في تقييم المشاريع وتمويلها وعمليات الشراء والتعاقد الخاصة بها.
ويجب أن تكون هذه التقييمات استشرافية، بدلاً من أن تستند فقط إلى معايرة المخاطر وفق البيانات التاريخية. فالبنية التحتية المتوقع أن تظل قيد التشغيل حتى عام 2070 أو 2080 ينبغي إخضاعها لاختبارات ضغط تأخذ في الاعتبار التغيرات المتوقعة في شدة هطول الأمطار، وتدفقات الفيضانات، والتعرض لفيضانات البحيرات الجليدية، وعدم استقرار المنحدرات.
ويجب أن تصبح القدرة على الصمود معياراً استثمارياً أساسياً منذ البداية، بدلاً من أن تتحول إلى تكلفة لإعادة الإعمار بعد وقوع الكارثة.
ثالثاً: يجب على الهند التوقف عن خلق مواطن ضعف جديدة في جبال الهيمالايا
لا تقتصر البنية التحتية القادرة على الصمود في وجه تغير المناخ على تشييد منشآت أكثر قوة؛ ففي بعض الأحيان، تعني أيضاً اتخاذ قرار بشأن الأماكن التي ينبغي عدم البناء فيها.
استقبلت أوتاراخند أكثر من ستة كرور من السياح والحجاج في عام 2025، فيما استقبلت هيماشال براديش 1.81 كرور سائح في عام 2024. ومع هذا النمو، تتوسع البنية التحتية المخصصة للحج والإنشاءات التجارية، وغالباً ما تمتد إلى الوديان الضيقة والمدن الجبلية محدودة المساحة، حيث تكون الأراضي وطرق الإجلاء محدودة.
وقد أكدت مؤسسة نيتي آيوغ نفسها ضرورة إدارة النمو السياحي في منطقة الهيمالايا الهندية وفق القدرة الاستيعابية المحلية.
لذلك، ينبغي للهند إضفاء الطابع المؤسسي على تقسيم المناطق وفق المخاطر المتعددة ضمن خطط استخدام الأراضي الملزمة قانوناً ولوائح ضبط التنمية.
ويتعين على خطط تطوير المقاطعات والمدن أن تجمع في خرائط موحدة بين مناطق القابلية للانهيارات الأرضية، والسهول الفيضية، وممرات تدفق الحطام، ومناطق الغمر المحتملة الناجمة عن فيضانات البحيرات الجليدية من جهة، وبين مواقع التجمعات السكانية والبنية التحتية السياحية وممرات النقل والخدمات الحيوية من جهة أخرى.
وينبغي لهذه الخرائط أن تحدد ما الذي يمكن بناؤه ومدى كثافة البناء المسموح بها: من خلال منع إنشاء مشاريع جديدة عالية الكثافة والإشغال في المناطق شديدة الخطورة، والحد من الكثافة في المناطق ذات المخاطر المتوسطة، وتوجيه النمو نحو مواقع أكثر أماناً.
كما ينبغي لتقييمات القدرة الاستيعابية أن تأخذ في الاعتبار قدرة الإجلاء، بحيث لا يقتصر السؤال على عدد السياح الذين تستطيع وجهة معينة استيعابهم، بل يشمل أيضاً عدد الأشخاص الذين يمكن نقلهم بأمان في حال تعطل طريق أو جسر أو شبكة اتصالات.
الخيار ليس بين التنمية والحفاظ على البيئة، بل بين بنية تحتية مخطط لها وفق مخاطر تاريخية، وتنمية مصممة لتحمل مخاطر المستقبل.
البنية المؤسسية اللازمة موجودة جزئياً بالفعل. فإرشادات الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث بشأن إدارة الانهيارات الأرضية تنص على تقسيم المناطق وفق المخاطر وتنظيم التنمية في المناطق المعرضة للخطر، كما أن تقسيم السهول الفيضية إلى مناطق يخضع منذ فترة طويلة لإطار الحد من مخاطر الكوارث في الهند.
لكن الخطوة المفقودة تتمثل في جعل هذه التقييمات ذات أثر قانوني فعلي على المخططات الرئيسية، وتصاريح البناء، والموافقات الخاصة بمشاريع البنية التحتية. فالخريطة التي تحدد مناطق الهشاشة من دون أن تؤثر في القرارات المتعلقة بمكان البناء أو طريقته تظل مجرد معلومة، وليست وسيلة للحد من المخاطر.
وسيظل استمرار تطوير البنية التحتية في جبال الهيمالايا مهماً لتعزيز شبكات الربط في الهند، ودعم سبل العيش والتنمية الاقتصادية.
غير أن فيضانات نيبال تؤكد ضرورة ضمان أن تراعي البنية التحتية الجديدة واقعاً مناخياً يتغير بوتيرة سريعة. فالخيار ليس بين التنمية والحفاظ على البيئة، وإنما بين بنية تحتية مخطط لها استناداً إلى مخاطر الماضي، وتنمية مصممة لتحمل مخاطر الغد.
