ورقة بحثية صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي، ضمن سلسلة حوارات كبار مسؤولي المخاطر، سبتمبر 2026.
الملخص التنفيذي
إدارة المخاطر المؤسسية التقليدية بحاجة إلى إفساح المجال أمام الرصد الاستباقي للمخاطر وتحليلها بصورة آنية.
تواجه المؤسسات اليوم مشهداً للمخاطر يختلف جذرياً عن ذلك الذي تشكّلت في ظله الأساليب التقليدية لإدارة المخاطر المؤسسية. فقد بات التشرذم الجيواقتصادي، والاضطرابات التكنولوجية، وانعدام الأمن السيبراني، والتقلبات المناخية، والاستقطاب المجتمعي، إلى جانب مخاطر أخرى، تتفاعل فيما بينها بصورة أعمق وتتجسد بوتيرة أسرع مما صُممت الأطر التقليدية للتعامل معه. فعلى سبيل المثال، يمكن للحوادث السيبرانية أن تؤدي سريعاً إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية، في حين قد تتسبب الظواهر المناخية في اضطرابات مفاجئة لسلاسل التوريد وتسهم في زعزعة الاستقرار الاجتماعي.
ويتمثل التحدي الذي تواجهه المؤسسات اليوم في كيفية التكيف واتخاذ قرارات واثقة في بيئة أصبح فيها عدم اليقين سمة هيكلية، لا مجرد ظاهرة عارضة، وأصبحت المخاطر أكثر ترابطاً وتتسم بعلاقات غير خطية على نحو متزايد.
وتشير المشاورات التي أُجريت مع كبار مسؤولي المخاطر إلى وجود قاسم مشترك يتمثل في أن دور إدارة المخاطر يشهد تحولاً جذرياً. ويكشف الاستطلاع الذي أُجري بشأن مستقبل إدارة المخاطر لأغراض إعداد هذه الورقة أن 80% من كبار مسؤولي المخاطر المشاركين يرون أن إدارة المخاطر ستكون بحلول عام 2035 أكثر صعوبة، بدرجات تتراوح بين زيادة محدودة وزيادة كبيرة، مقارنة بالوضع الحالي.
وتاريخياً، صُممت وظائف إدارة المخاطر لحماية المؤسسات من خلال تحديد المخاطر، وضمان الامتثال، والحفاظ على فعالية الضوابط الرقابية. لكنها تتحول بصورة متزايدة إلى قدرات استراتيجية متأصلة في عملية اتخاذ القرار نفسها. وفي المستقبل، سيتعين على فرق إدارة المخاطر مساعدة المؤسسات على تفسير حالات عدم اليقين، ومراجعة الافتراضات بصورة نقدية، وتقييم المفاضلات، وتعزيز قدرتها على الصمود على المدى الطويل.
ولا يصف سوى 10% من كبار مسؤولي المخاطر مؤسساتهم بأنها مستعدة بدرجة كبيرة للاستجابة للمخاطر التي لا يمكن نمذجتها باستخدام البيانات التاريخية.
وتحدد هذه الورقة أربعة تحولات يُرجح أن ترسم ملامح الجيل المقبل من إدارة المخاطر:
1. ستنتقل المؤسسات من التنبؤ إلى الاستعداد. إذ ستعتمد القدرة على الصمود بدرجة أقل على التنبؤ الدقيق بالأحداث الفردية، وبدرجة أكبر على تطوير الحوكمة والقدرات وعمليات اتخاذ القرار اللازمة للاستجابة الفعالة.
2. ستتطور إدارة المخاطر من التركيز على الامتثال إلى تمكين الاستراتيجية. وسيشارك كبير مسؤولي المخاطر مستقبلاً بصورة متزايدة في المراحل المبكرة من اتخاذ القرارات الاستراتيجية، بدلاً من مراجعتها بعد اتخاذها.
3. ستنتقل المؤسسات من المراجعات الدورية إلى الرصد المستمر للمخاطر وإنتاج المعلومات التحليلية بشأنها. وسيحل الاستشعار المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والرصد الآني، والتحليل المتكامل للمخاطر محل دورات إعداد التقارير الثابتة.
4. سيعمل الذكاء الاصطناعي على استكمال الذكاء البشري في المجالات الثلاثة السابقة. وسيتولى أتمتة عمليات الرصد وتجميع المعلومات واكتشاف الحالات غير الطبيعية والمحاكاة. كما سيتيح التقدم في التوائم الرقمية والمحاكاة المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتخطيط الديناميكي للسيناريوهات للمؤسسات اختبار قدرة قراراتها على تحمل الضغوط، واستكشاف مجموعة من السيناريوهات المستقبلية المحتملة، وتعزيز قدرتها على الصمود قبل وقوع الأزمات.
1. لماذا يجب أن تتطور إدارة المخاطر؟
ستجعل المخاطر الجديدة والناشئة والمترابطة إدارة المخاطر في المستقبل أكثر صعوبة بكثير مما هي عليه اليوم.
1.1 قد لا تعود الأطر التقليدية لإدارة المخاطر فعالة بالقدر المطلوب
ظهرت إدارة المخاطر المؤسسية الحديثة خلال فترة اتسمت بتزايد العولمة، واستقرار العلاقات الجيوسياسية نسبياً، وتنامي الثقة باتخاذ القرارات المستندة إلى البيانات. وقد صُممت أطر إدارة المخاطر لتحديد التهديدات، وتقدير احتمالات وقوعها وتأثيراتها، وتطبيق الضوابط اللازمة للحد من التعرض لها. ولا تزال هذه الأساليب ذات قيمة، وتواصل تقديم رؤى مهمة بشأن فئات عديدة من المخاطر.
غير أن الافتراضات التي تقوم عليها إدارة المخاطر التقليدية تتعرض لتحديات متزايدة. فما زالت مؤسسات عديدة تعتمد اعتماداً كبيراً على البيانات التاريخية، وتقييمات الاحتمالات، والمراجعات الدورية للمخاطر. ومع ذلك، قد لا تشبه الاضطرابات المستقبلية تلك التي شهدها الماضي. فالتكنولوجيات الناشئة، والتحولات في الديناميكيات الجيوسياسية، والتغيرات البيئية، وغيرها من العوامل، تولّد مخاطر تفتقر إلى سوابق تاريخية كافية، ولا يمكن قياسها بسهولة باستخدام المنهجيات التقليدية.
ويؤكد كبار مسؤولي المخاطر أنه على الرغم من استمرار فائدة النماذج التاريخية في فهم المخاطر المألوفة، فإن موثوقيتها تتراجع عندما تواجه المؤسسات تهديدات جديدة وناشئة.
وفي هذا السياق، يوضح داميان فوغل، كبير مسؤولي المخاطر في مجموعة يو بي إس، أن إدارة المخاطر المصرفية اعتمدت تقليدياً على معدلات التعثر المسجلة، والسجلات التاريخية للخسائر، والبيانات المتعلقة بفترات الانكماش الاقتصادي. غير أن المخاطر الناشئة، مثل التهديدات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف أنظمة الدفع الآنية، والتشرذم الجيواقتصادي، قد لا تتبع الأنماط المستخلصة من الماضي. فقد تختلف الأزمات المستقبلية عن الأزمات السابقة، وقد تعجز وظائف إدارة المخاطر التي تعتمد اعتماداً مفرطاً على المقارنات التاريخية عن اكتشاف مواطن الضعف إلا بعد أن تتحول بالفعل إلى مشكلات ملموسة.
ومن جانبه، يرى كينيسو مثيمبو، كبير مسؤولي المخاطر في مجموعة بورصة جوهانسبرغ، أن سرعة التغيير وترابط المخاطر يجعلان من الضروري التعامل مع عدم اليقين باعتباره حالة أساسية. ويؤكد ضرورة التخلي عن الافتراض الجوهري القائل إن الأسواق قابلة للتنبؤ وتميل دائماً إلى العودة إلى متوسطاتها. فالتقلبات، سواء في الوقت الحاضر أو في المستقبل، أصبحت ظاهرة هيكلية وليست مجرد أحداث عارضة.
وتشير مونيكا موراتا فيديرا، رئيسة إدارة المخاطر المؤسسية في شركة ساب، إلى أن المؤسسات تواجه بصورة متزايدة تحدي السرعة، إلى جانب مجموعة من التعقيدات الأخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن للتطورات الجيوسياسية والتغييرات التنظيمية والحوادث السيبرانية والاضطرابات التكنولوجية أن تتجسد خلال ساعات، بدلاً من أشهر أو سنوات. وبالتالي، لن يتحدد مستقبل إدارة المخاطر بطبيعة المخاطر نفسها فحسب، بل أيضاً بسرعة تطورها وانتشارها.
وقد تجد تقييمات المخاطر التي تُجرى سنوياً، أو حتى كل ثلاثة أشهر، صعوبة في مواكبة التطورات المتسارعة. فتدفقات المعلومات أصبحت أسرع، وتوقعات الأطراف المعنية تتغير بوتيرة أعلى. ونتيجة لذلك، يجب أن توفر إدارة المخاطر رؤى آنية بدلاً من الاكتفاء بالتقييمات الدورية.
وقد أُجري استطلاع شمل أعضاء مجتمع كبار مسؤولي المخاطر التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي بهدف قياس تصوراتهم بشأن مستقبل إدارة المخاطر. وأظهر الاستطلاع أن 10% فقط من كبار مسؤولي المخاطر يصفون مؤسساتهم بأنها مستعدة بدرجة كبيرة للاستجابة للمخاطر التي لا يمكن نمذجتها باستخدام البيانات التاريخية. وفي المقابل، يرى 80% منهم أن إدارة المخاطر ستكون بحلول عام 2035 أكثر صعوبة، بدرجات متفاوتة، مقارنة بالوضع الحالي.
1.2 المخاطر أصبحت أكثر ترابطاً
يمثل الترابط المتزايد بين المخاطر تحدياً رئيسياً. فقد اعتادت المؤسسات تصنيف المخاطر ضمن مجالات منفصلة، مثل المخاطر التشغيلية والمالية والجيوسياسية والتكنولوجية والبيئية. ورغم استمرار فائدة هذه التصنيفات، فإنها أصبحت عاجزة بصورة متزايدة عن استيعاب التفاعلات المعقدة بين فئات المخاطر المختلفة.
وقد أظهرت السنوات الأخيرة مدى السرعة التي يمكن أن تنتقل بها الاضطرابات من نظام إلى آخر، إذ لا تحدث المخاطر بمعزل عن بعضها، بل تتفاعل وتتسبب في تضخيم تأثيرات بعضها بعضاً.
ومع ذلك، لا تتميز البيئة الحالية بمجرد وقوع أزمات متعددة في الوقت نفسه، بل تنطوي على حالات تتفاعل فيها اضطرابات مختلفة، مثل التوترات الجيوسياسية، والحوادث السيبرانية، والصدمات المناخية، واضطرابات سلاسل التوريد، والتغيرات التكنولوجية، وعدم الاستقرار الاقتصادي، وتتسبب في تعزيز تأثيرات بعضها بعضاً، مما يولّد تداعيات متسلسلة يصعب توقعها أو إدارتها باستخدام الأساليب التقليدية.
وعندما يحدث ذلك، غالباً ما تؤدي تداعيات أحد الاضطرابات إلى تغيير احتمالات وقوع اضطراب آخر، أو شدته، أو مسار تطوره. فقد يتسبب هجوم سيبراني في تعطيل بنية تحتية حيوية، مما يؤدي إلى اختناقات في سلاسل التوريد، تزيد بدورها الضغوط التضخمية وتثير استجابات سياسية. وقد تؤثر كارثة مرتبطة بالمناخ في أنظمة الطاقة وأسواق السلع الأساسية وأنماط الهجرة في الوقت نفسه.
وما يجعل هذه الحالات صعبة بصورة خاصة هو أن المؤسسات لا تستجيب لحدث منفرد، بل لنظام ديناميكي من الصدمات المتفاعلة.
ويمثل ذلك خروجاً جوهرياً عن الافتراضات التي تستند إليها أطر تقليدية عديدة لإدارة المخاطر. فالأساليب التقليدية غالباً ما تقيّم المخاطر بصورة منفردة. غير أن التهديدات الأشد خطورة قد لا تنشأ عن المخاطر الفردية نفسها، بل عن التفاعلات القائمة بينها.
ونتيجة لذلك، قد تجد المؤسسات نفسها معرضة لمواطن ضعف يصعب تحديدها من خلال تقييمات المخاطر المنفصلة أو سجلات المخاطر الثابتة.
وقد أكد كبار مسؤولي المخاطر مجدداً ضرورة أن تركز إدارة المخاطر المستقبلية بدرجة أقل على فئات المخاطر الفردية، وبدرجة أكبر على فهم علاقات الاعتماد المتبادل بينها. وتحتاج المؤسسات إلى فهم كيفية تأثير مواطن الضعف في أحد المجالات على المجالات الأخرى، وكيف يمكن للاضطرابات الخارجية أن تنتشر عبر أنظمة تزداد ترابطاً.
وأشار أكثر من 70% من كبار مسؤولي المخاطر المشاركين في الاستطلاع إلى أن العجز عن إدارة المخاطر المترابطة، والاعتماد المفرط على البيانات والنماذج التاريخية، يندرجان ضمن أبرز ثلاثة أوجه قصور في الأساليب الحالية لإدارة المخاطر.
1.3 يجب أن يصبح الاستعداد، لا التنبؤ، الركيزة الأساسية لإدارة المخاطر المستقبلية
مع تزايد عدم اليقين نتيجة ظهور مخاطر جديدة ومترابطة، يصبح الاستعداد أكثر أهمية من التنبؤ.
ولا يعني ذلك أن على المؤسسات التخلي عن التوقعات أو النمذجة الكمية، بل ينبغي استكمال هذه الأدوات بقدرات تمكّن المؤسسات من الاستجابة بفعالية عندما تثبت الافتراضات عدم صحتها وتقع أحداث غير متوقعة.
ويوضح داميان فوغل، كبير مسؤولي المخاطر في مجموعة يو بي إس، أن إدارة المخاطر المستقبلية ستعتمد بدرجة أقل على التنبؤ بالأزمات، وبدرجة أكبر على ضمان استعداد المؤسسات للاستجابة بفعالية عند وقوعها.
ويشبّه قدرة المؤسسات على الصمود بسلامة الطيران؛ فالطيارون لا يستطيعون توقع جميع حالات الطوارئ المحتملة، لكنهم يتلقون التدريب اللازم للاستجابة لها من خلال إجراءات واضحة وهياكل حوكمة محددة وبروتوكولات لاتخاذ القرار.
وبالمثل، لا تستطيع المؤسسات التنبؤ بجميع الاضطرابات. لكن بإمكانها تطوير القدرات والعمليات والانضباط اللازم في اتخاذ القرارات، بما يتيح لها التكيف سريعاً مع الأحداث غير المتوقعة.
1.4 التطور إلى ما هو أبعد من الجذور المشتركة للحوكمة والمخاطر والامتثال
توضح ديان دويرينغ، الرئيسة العالمية لإدارة المخاطر المؤسسية في شركة تاكيدا، أن الدور المستقبلي لإدارة المخاطر المؤسسية لا يقتصر على تحديد المخاطر أو تنسيق التقارير، بل يتمثل في الجمع بين الوظائف التي غالباً ما تعمل بصورة مستقلة، بدءاً من الامتثال والأمن السيبراني، وصولاً إلى استمرارية الأعمال والاستراتيجية.
فعلى مدى معظم العقود الثلاثة الماضية، اشتركت إدارة المخاطر والامتثال في تاريخ مؤسسي واحد، وكثيراً ما جرى تنظيمهما ضمن إطار موحد للحوكمة والمخاطر والامتثال.
وكان الامتثال أول الوظائف التي بلغت مرحلة النضج، مدفوعاً بالتشريعات وآليات الإنفاذ والالتزامات المحددة بوضوح. وفي المقابل، ظلت إدارة المخاطر مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسجلات المخاطر، واختبار الضوابط الرقابية، وأنشطة التحقق وتقديم الضمانات.
ولا تزال هذه الأسس ضرورية، لكن ما تغير هو الأهمية النسبية لكل من المجالين. ففي بيئة أصبح فيها عدم اليقين ظاهرة هيكلية لا عارضة، تحولت إدارة المخاطر إلى إحدى القدرات الحاسمة لنجاح الشركات على المدى الطويل، ولم تعد مجرد امتداد لوظيفة الامتثال، بل أصبحت وظيفة استراتيجية قائمة بذاتها.
ومع ذلك، تختلف مخاطر عديدة ستشكل ملامح العقد المقبل اختلافاً جوهرياً عن تلك التي صُممت الأطر التقليدية للتعامل معها.
فالتشرذم الجيوسياسي، والتهديدات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وإعادة التشكيل العاجلة لسلاسل التوريد، تمثل أمثلة على مخاطر لا يمكن إدارتها بالاعتماد حصرياً على الضوابط الرقابية أو إجراءات الامتثال أو التقييمات الدورية.
فهذه المخاطر تنطوي على خيارات استراتيجية، ومستقبل غير مؤكد، ومفاضلات معقدة. ونتيجة لذلك، تحتاج المؤسسات بصورة متزايدة إلى وظائف لإدارة المخاطر تتجاوز مجرد رصد مستويات التعرض لها، وتساعد فرق القيادة على التعامل مع عدم اليقين قبل اتخاذ القرارات.
ولا يعني تجاوز الامتثال والرقابة التخلي عن مسؤوليات الإشراف، بل توسيع دور إدارة المخاطر من حماية القيمة إلى المساهمة في خلقها والحفاظ عليها.
وعملياً، يتطلب ذلك دمج وجهات النظر المتعلقة بالمخاطر في التخطيط الاستراتيجي، وتخصيص رأس المال، والاستثمارات التكنولوجية، وقرارات دخول الأسواق، ومبادرات تحول الأعمال.
وتدعم الأبحاث السوقية الحديثة هذه التوجهات، إذ تشير دراسات عديدة إلى أن إدارة المخاطر تنتقل من كونها قدرة دفاعية إلى مصدر للقيمة الاستراتيجية، مع قيام المؤسسات الرائدة بدمج اعتبارات المخاطر مباشرة في خطط التحول والابتكار.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى تحول أوسع في طريقة التفكير.
فتاريخياً، غالباً ما نُظر إلى إدارة المخاطر باعتبارها آلية للحد من عدم اليقين ومنع النتائج السلبية. لكن المؤسسات تدرك بصورة متزايدة أن عدم اليقين لا يمكن القضاء عليه دائماً، وأن فرصاً استراتيجية عديدة تنشأ تحديداً بسبب وجوده.
وبالتالي، فإن الدور المستقبلي لإدارة المخاطر لا يتمثل فقط في مساعدة المؤسسات على تجنب المخاطر، بل أيضاً في تمكينها من التعامل مع عدم اليقين بمزيد من الثقة والقدرة على الصمود والوضوح الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، ترى ليزا بيشتولد، كبيرة مسؤولي المخاطر في شركة نستله، أن إدارة المخاطر تنتقل من وظيفة تركز بدرجة كبيرة على الامتثال إلى أداة استراتيجية لتمكين الأعمال، تسهم في خلق القيمة وتحقيق النمو وتعزيز القدرة على الصمود.
ويؤكد توربن أويدر، رئيس إدارة المخاطر في مجموعة فولكس فاغن، أن إدارة المخاطر لم يعد بإمكانها البقاء محصورة ضمن الهياكل التقليدية للحوكمة والمخاطر والامتثال. ففي حين تركز وظائف الامتثال غالباً على الالتزامات قصيرة الأجل والمتطلبات الإلزامية، يجب أن تتبنى إدارة المخاطر المستقبلية منظوراً أطول أجلاً وأكثر استراتيجية.
2. الدور المتطور لكبير مسؤولي المخاطر
سيعمل كبير مسؤولي المخاطر بحلول عام 2035 على تعزيز قدرة المؤسسة على التكيف مع المخاطر، مع المشاركة الوثيقة في صياغة الاستراتيجيات واتخاذ القرارات التجارية.
يتطور دور كبير مسؤولي المخاطر بالتوازي مع هذه التغيرات. فقد كان كبار مسؤولي المخاطر يُنظر إليهم تقليدياً باعتبارهم حراس الانضباط المؤسسي، والمسؤولين عن مراقبة مستويات التعرض للمخاطر وضمان تطبيق الضوابط المناسبة.
لكن المؤسسات تتوقع منهم بصورة متزايدة المساهمة المباشرة في المناقشات الاستراتيجية والتخطيط طويل الأجل.
وفي الاستطلاع الذي شمل كبار مسؤولي المخاطر، أشار 40% من المشاركين إلى أن الاضطلاع بدور أكبر في اتخاذ القرارات الاستراتيجية سيمثل أهم تطور في ممارسات إدارة المخاطر المستقبلية. في المقابل، رأى 33% أن التحول نحو الاعتماد بصورة أكبر على التكنولوجيا والبيانات سيكون أهم متطلب في الوصف الوظيفي المستقبلي لكبير مسؤولي المخاطر.
2.1 المساهمة في صياغة الاستراتيجية بدلاً من الاكتفاء بمراجعتها
مع تزايد مشاركة كبار مسؤولي المخاطر مستقبلاً في صياغة الاستراتيجيات نفسها، سيتمثل دورهم في مراجعة الافتراضات بصورة نقدية، وتقييم المسارات البديلة، وتحديد مواطن الضعف قبل اعتماد القرارات الكبرى بصورة نهائية.
ويرى 80% من كبار مسؤولي المخاطر المشاركين في الاستطلاع أن دمج اعتبارات المخاطر في عملية اتخاذ القرارات الاستراتيجية يمثل إحدى أهم ثلاث قدرات حاسمة لمستقبل إدارة المخاطر.
وتؤكد ناتاشا فيلدز، كبيرة مسؤولي المخاطر في منظمة التجارة العالمية، ضرورة مشاركة قيادات إدارة المخاطر في المناقشات الاستراتيجية منذ بدايتها، بدلاً من استشارتها فقط خلال مراحل التخفيف من المخاطر.
ومن جانبه، يرى توربن أويدر، رئيس إدارة المخاطر في مجموعة فولكس فاغن، أن إدارة المخاطر يجب أن تصبح أكثر ارتباطاً بالرئيس التنفيذي والوظائف الاستراتيجية، إذا أرادت خلق قيمة للأعمال بدلاً من التركيز أساساً على تلبية متطلبات التدقيق والحوكمة.
2.2 إنتاج معلومات تحليلية بشأن المخاطر وتمكين تسريع الأعمال
في البيئات التي تتسم بالتغيير المستمر، تتجه المؤسسات بصورة متزايدة نحو أساليب ديناميكية تركز على الاستشعار المستمر والرصد الآني والتحليل الاستشرافي.
وسيُتوقع من كبار مسؤولي المخاطر مستقبلاً توفير معلومات تحليلية مستمرة بشأن المخاطر، من خلال تحديد الإشارات المبكرة والضعيفة، وتفسير التطورات الناشئة، ومساعدة فرق القيادة على فهم كيفية تأثير التحولات الخارجية في الأولويات الاستراتيجية.
ويعني ذلك أن دور كبير مسؤولي المخاطر سيتحول من مجرد حصر المخاطر وتصنيفها إلى إنتاج رؤى قابلة للتطبيق.
وسيساعد هذا الانتقال من الدور التفاعلي إلى الدور الاستباقي كبير مسؤولي المخاطر على أن يصبح عاملاً مساهماً في تسريع وتيرة الأعمال.
ويوضح بول غيبسون، الشريك في شركة هايدريك آند ستراغلز، أن تقييم كبار مسؤولي المخاطر مستقبلاً قد لا يقتصر على قدرتهم على حماية المؤسسة، بل سيشمل أيضاً مدى فعاليتهم في تمكينها من التحرك.
فمع تقلص دورات تطوير المنتجات، واعتماد الميزة التنافسية بصورة متزايدة على سرعة طرح المنتجات في الأسواق، ستواجه وظائف إدارة المخاطر توقعات متنامية بتسريع عملية اتخاذ القرار بدلاً من تأخيرها.
ويمثل ذلك تحولاً جوهرياً في معايير تقييم الأداء، إذ قد يُقاس أداء كبار مسؤولي المخاطر مستقبلاً باستخدام مؤشرات مثل الوقت اللازم لاتخاذ القرارات، والنتائج المحققة للعملاء، والكفاءة المؤسسية، إلى جانب المقاييس التقليدية لفعالية إدارة المخاطر.
2.3 التحقق من صحة الافتراضات بدلاً من الاكتفاء بتقييم المخاطر
تركز الأطر التقليدية لإدارة المخاطر على تقدير احتمالات وقوع المخاطر المحددة وتأثيراتها.
غير أن عدداً من كبار مسؤولي المخاطر المشاركين في الاستطلاع أكدوا أن قدرة المؤسسات على الصمود مستقبلاً ستعتمد بدرجة أقل على التقييم الرقمي الدقيق للمخاطر، وبدرجة أكبر على فهم الافتراضات التي تستند إليها الاستراتيجيات المؤسسية.
وفي هذا السياق، توضح باربرا بادوينو، رئيسة الأخلاقيات المؤسسية والمخاطر والامتثال في شركة نوفارتيس، أن الشركة اعتمدت منهجية لتدقيق الافتراضات، تقوم على التحديد المنهجي للافتراضات التي تدعم القرارات الاستراتيجية وإخضاعها لاختبارات التحمل.
ولا يقتصر دور كبير مسؤولي المخاطر على طرح سؤال: «ما المخاطر؟»، بل يشمل أيضاً البحث في سؤال آخر: «ما الشروط التي يجب أن تظل قائمة حتى تنجح هذه الاستراتيجية؟».
2.4 بناء القدرات اللازمة للتكيف مع الاضطرابات، وليس مجرد التخفيف من آثارها
تاريخياً، غالباً ما جرى تقييم إدارة المخاطر استناداً إلى قدرتها على الحد من الخسائر أو تجنب النتائج السلبية.
لكن في عالم يتسم بأزمات متعددة وسريعة التطور ومترابطة، لم يعد منع جميع الاضطرابات هدفاً واقعياً.
ويجب أن يمتلك كبار مسؤولي المخاطر مستقبلاً القدرة على توضيح حالات عدم اليقين لصناع القرار، وتحويل المعلومات المعقدة المتعلقة بالمخاطر إلى رؤى قابلة للتنفيذ.
وسيركزون بصورة متزايدة على بناء قدرة المؤسسات على التكيف، من خلال تعزيز الحوكمة، وعمليات اتخاذ القرار، وقدرات الاستجابة للأزمات، والقدرة المؤسسية على الصمود.
2.5 الذكاء الاصطناعي لاستكمال الذكاء البشري، لا لاستبداله
سيؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً متزايداً في تعزيز إدارة المخاطر من خلال تحديد الأنماط، ورصد مستويات التعرض للمخاطر، وتوليد رؤى تنبؤية.
غير أن كبار مسؤولي المخاطر شددوا على أن المسؤولية والممارسة التقديرية ستظلان من اختصاص البشر.
وسيؤدي كبير مسؤولي المخاطر المستقبلي دور المنسق بين الذكاء الآلي وعملية اتخاذ القرارات التنفيذية.
ولن تتمثل مهمته في منافسة أنظمة الذكاء الاصطناعي، بل في تفسير مخرجاتها، وتوفير السياق المناسب لها، ومراجعة استنتاجاتها بصورة نقدية، وضمان استمرار توافق القرارات مع أهداف المؤسسة وقيمها.
وتؤكد ليزا بيشتولد، كبيرة مسؤولي المخاطر في شركة نستله، أنه رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز الإمكانات التحليلية بدرجة كبيرة، سيواصل البشر أداء دور حاسم في الربط بين الإشارات المتفرقة، وتقييم الحالات الغامضة، وتحمل مسؤولية القرارات الاستراتيجية.
2.6 مديرو أعمال، وليسوا مجرد مديري مخاطر
يؤكد بهاسكار ميهتا، كبير مسؤولي المخاطر في مجموعة جي إف إتش المالية، أن كبير مسؤولي المخاطر المستقبلي يجب أن يسهم في إصدار الأحكام التجارية، إلى جانب تقديم وجهات النظر المتعلقة بالمخاطر.
ويُتوقع من قيادات إدارة المخاطر بصورة متزايدة المشاركة منذ المراحل الأولى في قرارات الاستثمار والاستحواذ والمبادرات الاستراتيجية، وتقييم جدوى الفرص في ظل سيناريوهات مختلفة للمخاطر.
ويمثل ذلك تحولاً كبيراً عن النماذج التقليدية التي كانت فرق إدارة المخاطر تراجع بموجبها القرارات بعد إعدادها.
ولذلك، سيحتاج كبار مسؤولي المخاطر مستقبلاً إلى فهم نماذج الأعمال وديناميكيات الأسواق والقرارات الاستثمارية بالعمق نفسه الذي يفهمون به أطر إدارة المخاطر.
وترى مونيكا موراتا فيديرا، رئيسة إدارة المخاطر المؤسسية في شركة ساب، أن من الضروري تصور تطور أوسع قد يصبح فيه كبير مسؤولي المخاطر المستقبلي مستشاراً موثوقاً، ومندمجاً بصورة مباشرة في عملية اتخاذ القرارات التجارية.
فكيف سيبدو يوم العمل بالنسبة إلى كبير مسؤولي المخاطر بعد عقد من الآن؟
قد يبدأ يومه بتفحص منصة ديناميكية للمعلومات التحليلية، ترصد باستمرار التطورات الجيوسياسية، والمؤشرات المناخية، والتهديدات السيبرانية، والتغييرات التنظيمية، والأداء التشغيلي، إلى جانب مؤشرات أخرى.
وحتى في حال عدم وقوع أزمة كبرى، ستظل مراجعة الافتراضات المختلفة التي تقوم عليها استراتيجية المؤسسة أمراً مهماً.
وقد يحمل كل يوم وضعاً معقداً جديداً؛ فقد تصدر تشريعات جديدة في سوق رئيسية، أو تقع ظاهرة مناخية متطرفة في منطقة إنتاج مهمة، أو تؤثر التوترات الجيواقتصادية في سلاسل التوريد الحيوية.
وستكتشف أنظمة المؤسسة هذه التطورات تلقائياً، بينما يتمثل دور كبير مسؤولي المخاطر في فهم دلالاتها وتفسيرها.
3. بناء مؤسسة مستعدة لمواجهة المخاطر
ستستخدم المؤسسة المستعدة لمواجهة المخاطر الذكاء الاصطناعي في الاستشعار والرصد واكتشاف الحالات غير الطبيعية، بينما سيحتفظ البشر بمسؤوليات التفسير وإصدار الأحكام وتحمل المسؤولية.
يتطلب بناء مؤسسة مستعدة لمواجهة المخاطر أكثر من مجرد تعزيز وظيفة إدارة المخاطر وحدها. فهو يستلزم تطوير قدرات جديدة تمكّن المؤسسة من استشعار التغيير بصورة مستمرة، والتدرب على مواجهة الاضطرابات المستقبلية، ومراعاة السياقات الإقليمية، والجمع بين الذكاء الاصطناعي والحكم البشري.
وتوضح القدرات التالية كيف بدأت المؤسسات الرائدة بإعادة تصميم إدارة المخاطر لتتناسب مع هذه البيئة التشغيلية الجديدة.
3.1 الاستشعار المستمر والإنذار المبكر
يتمثل أحد أبرز التحولات التي ترسم ملامح مستقبل إدارة المخاطر في الانتقال من التقييمات الدورية إلى الاستشعار المستمر.
فالأساليب التقليدية تعتمد على المراجعات السنوية، والتحديثات الفصلية، والتقارير التي تستعرض الأحداث السابقة.
ومع ازدياد ديناميكية بيئات المخاطر، تتجه المؤسسات بصورة متزايدة إلى استكمال هذه العمليات بقدرات تتيح لها الرصد المستمر للمخاطر الناشئة والظروف المتغيرة.
وقد أتاح التقدم في الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتحليل البيانات للمؤسسات تتبع التطورات التي تشهدها سلاسل التوريد والأسواق والتشريعات والأمن السيبراني والجغرافيا السياسية والرأي العام بصورة شبه آنية.
وبدلاً من انتظار دورات التقييم الرسمية، أصبح بإمكان فرق إدارة المخاطر تحديد الحالات غير الطبيعية، واكتشاف الإشارات المبكرة والضعيفة، وتصعيد المخاوف الناشئة بالتزامن مع تطور الظروف.
فعلى سبيل المثال، تدمج نماذج المخاطر المعززة بالذكاء الاصطناعي في شركات الخدمات المالية الرائدة المؤشرات الاقتصادية الآنية، وإشارات الأسواق، وتدفقات الأخبار الخارجية، ضمن عمليات التنبؤ واختبارات التحمل.
والأهم من ذلك أن الاستشعار المستمر يتجاوز نطاق العمليات الداخلية.
فالأساليب الناشئة تدمج المعلومات الخارجية، بما في ذلك التطورات الجيوسياسية، والتغييرات التنظيمية، والنزاعات العمالية، والمؤشرات المتعلقة بالسمعة.
وتستطيع الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي معالجة كميات هائلة من المعلومات وتسليط الضوء على التطورات التي قد تكون لها تداعيات على الاستراتيجية أو العمليات أو القدرة على الصمود.
وفي هذا السياق، ترى ليزا بيشتولد، كبيرة مسؤولي المخاطر في شركة نستله، أن التحليلات التنبؤية وأنظمة الإنذار المبكر المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتمتع بأهمية كبيرة، لأنها تربط البيانات عبر سلاسل التوريد والمؤشرات المناخية والأداء التشغيلي.
وتشير باربرا بادوينو، رئيسة الأخلاقيات المؤسسية والمخاطر والامتثال في شركة نوفارتيس، إلى حدوث انتقال من الدورات السنوية لإدارة المخاطر نحو الرصد المستمر للإشارات والافتراضات.
ومن جانبها، تؤكد ناتاشا فيلدز، كبيرة مسؤولي المخاطر في منظمة التجارة العالمية، أن مستقبل إدارة المخاطر يرتبط بدرجة أقل بالحفاظ على سجلات المخاطر، وبدرجة أكبر بإنتاج معلومات تحليلية تساعد صناع القرار على تفسير عدم اليقين بصورة آنية.
وتوضح مونيكا موراتا فيديرا، رئيسة إدارة المخاطر المؤسسية في شركة ساب، أن تحولاً ملحوظاً سيحدث من إدارة المخاطر القائمة على طلب المعلومات، حيث تُحدد المخاطر من خلال التقييمات الدورية أو الطلبات، إلى نماذج استباقية تُظهر المخاطر الناشئة باستمرار وتُصعّدها مع تغير الظروف.
وترى ناتاشا فيلدز أن المؤسسات لم يعد لديها، بصورة متزايدة، الوقت الكافي للتنبؤ بالمخاطر ثم الاستعداد لها بصورة متتابعة. وبدلاً من ذلك، يجب عليها تطوير القدرة على التقييم المستمر لكيفية تأثير التطورات الناشئة في ظروف التشغيل المستقبلية.
وتؤكد باربرا بادوينو ضرورة أن تصبح المؤسسات أكثر استعداداً لاستكشاف عدم اليقين، بدلاً من محاولة القضاء عليه.
وفي الواقع، يرى 70% من كبار مسؤولي المخاطر الذين استجابوا للاستطلاع أن المعلومات التحليلية الآنية بشأن المخاطر تمثل إحدى أهم ثلاث قدرات حاسمة لمستقبل إدارة المخاطر.
3.2 التخطيط للسيناريوهات والتوائم الرقمية
تاريخياً، ساعدت السيناريوهات والتمارين المكتبية واختبارات التحمل المؤسسات على استكشاف الاضطرابات المحتملة ومراجعة الافتراضات بصورة نقدية.
ورغم أهمية هذه التمارين، فإنها غالباً ما تكون ثابتة ومحدودة النطاق.
ومع تزايد صعوبة قياس عدم اليقين، تتجه المؤسسات بصورة متزايدة إلى البحث عن أساليب تتجاوز النهج التقليدية للتخطيط للسيناريوهات.
ومن المرجح أن يصبح الجيل المقبل من التخطيط للسيناريوهات أكثر ديناميكية واستمرارية واعتماداً على البيانات.
فالتقدم في التوائم الرقمية وغيرها من تكنولوجيات المحاكاة يتيح للمؤسسات الانتقال من عدد محدود من السيناريوهات المحددة مسبقاً إلى بيئات مستقبلية تتطور بصورة مستمرة.
وبدلاً من مطالبة فرق القيادة بالاختيار بين ثلاثة أو أربعة سيناريوهات مستقبلية بديلة، أصبح من الممكن توليد واختبار آلاف التركيبات التي تجمع بين التطورات الجيوسياسية، والتحولات التنظيمية، والأحداث المناخية، والاضطرابات التكنولوجية، والتغيرات السوقية.
ويتمثل أحد التطورات الواعدة في ظهور التوائم الرقمية للمخاطر، وهي تمثيلات افتراضية ديناميكية لمشهد المخاطر الذي تواجهه المؤسسة، تجمع بين البيانات الآنية، وعلاقات الاعتماد المتبادل بين الأنظمة، والأحكام المستندة إلى خبرات المختصين، وقدرات المحاكاة.
وعلى خلاف نماذج المخاطر التقليدية، التي غالباً ما تقيّم المخاطر بصورة منفردة، صُممت التوائم الرقمية للمخاطر لاستيعاب التفاعلات بين المخاطر، والكشف عن مواطن الضعف الخفية، ومحاكاة كيفية انتقال الاضطرابات بصورة متسلسلة عبر الأنظمة المعقدة.
ولا تكمن أهمية هذه التكنولوجيات في التنبؤ بأحداث محددة، بل في تمكين المؤسسات من إجراء تجارب آمنة ومنهجية للتعامل مع عدم اليقين.
فيمكن لفرق إدارة المخاطر اختبار أداء التدخلات المختلفة في ظل ظروف متعددة، واستكشاف عواقب عدم تحقق الافتراضات، وتحديد مواطن الضعف قبل ظهورها في الواقع.
وتشير الأبحاث إلى أن عمليات المحاكاة هذه تتمتع بقيمة خاصة في فهم التأثيرات غير الخطية، والإخفاقات المتسلسلة، والنتائج الثانوية التي غالباً ما تُغفلها التقييمات التقليدية للمخاطر.
وقد أكد عدد من كبار مسؤولي المخاطر ضرورة اعتماد أساليب متقدمة للتخطيط للسيناريوهات.
وتشير هذه التوجهات إلى مستقبل تركز فيه إدارة المخاطر بدرجة أقل على التنبؤ بأحداث محددة، وبدرجة أكبر على الاستكشاف المستمر للكيفية التي يمكن أن تتطور بها السيناريوهات المستقبلية المختلفة.
وفي هذا السياق، يؤكد كينيسو مثيمبو، كبير مسؤولي المخاطر في مجموعة بورصة جوهانسبرغ، ضرورة دمج سيناريوهات تحاكي تهديدات متعددة في الوقت نفسه، مثل المخاطر السيبرانية والجيوسياسية والسوقية، بهدف تحسين الاستعداد للأحداث المتسلسلة وبناء قدرات فعالة للإنذار المبكر.
وتُستخدم بالفعل التوائم الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتعزيز الاستعداد، من خلال تمكين المؤسسات من محاكاة الاستجابات للفيضانات، وأعطال البنية التحتية، وغيرها من الاضطرابات المعقدة، قبل وقوعها.
ومن المرجح أن يتزايد تطبيق أساليب مماثلة على سلاسل التوريد، ونماذج الأعمال، ومستويات التعرض للمخاطر الجيوسياسية.
ويتمثل الغرض من هذه القدرات في التدريب على الاستجابة.
فمع ازدياد ترابط المخاطر وتقلبها، قد يعتمد الاستعداد بدرجة أقل على التنبؤ بأحداث محددة، وبدرجة أكبر على الاختبار المستمر لكيفية استجابة المؤسسات في حال تحقق سيناريوهات مستقبلية مختلفة.
3.3 إدراك الخصوصيات الإقليمية ودمجها
تحتاج المؤسسات إلى تطوير قدرات لإدارة المخاطر تراعي الواقع والخبرات الإقليمية.
فالتعرض للمخاطر في منطقة معينة يسهم في تشكيل القدرات المؤسسية والأطر المعتمدة لإدارة المخاطر.
ويوضح بهاسكار ميهتا، كبير مسؤولي المخاطر في مجموعة جي إف إتش المالية، أن المناطق المختلفة تمتلك تجارب تاريخية متباينة في إدارة المخاطر.
فقد أسهم التاريخ المصرفي الطويل لسويسرا في تطوير خبرات عميقة في إدارة مخاطر الأطراف المقابلة ومخاطر الائتمان.
وفي المقابل، أسهمت تجربة اليابان مع فقاعات الأصول خلال الفترة الممتدة من عام 1986 إلى عام 1991، وما أعقبها من ركود طويل الأمد، في تشكيل أساليب متطورة للتعامل مع مخاطر الانكماش السعري ومخاطر الميزانيات العمومية.
ويؤدي هذا الاختلاف الجغرافي في التعرض للمخاطر إلى ظهور ثقافات متميزة لإدارة المخاطر؛ فما يُعد أولوية في منطقة معينة قد يكون غائباً تماماً عن نطاق اهتمام منطقة أخرى.
ويجب مراعاة هذا التنوع الإقليمي عند النظر في مجمل المخاطر المحتملة.
كما ينبغي أن يؤثر في أنواع الخبرات التي تطورها فرق إدارة المخاطر بمرور الوقت، بحيث يعمّق كل فريق إقليمي خبراته في المجالات التي يتعرض فيها للمخاطر بصورة مباشرة.
وتُعد المخاطر المناخية الخاصة بكل منطقة مثالاً على المجالات التي تستدعي اهتماماً خاصاً.
وفي هذا السياق، يشير كريستوس كريستو، كبير مسؤولي المخاطر في مجموعة لولو المالية القابضة، إلى تزايد الترابط بين الذكاء الاصطناعي والمخاطر المناخية.
فمع تسارع اعتماد الذكاء الاصطناعي، سيزداد الطلب على قدرات مراكز البيانات، والبنية التحتية للطاقة والتبريد.
وبالتالي، سيتعين على إدارة المخاطر المستقبلية ألا تقتصر على النظر في المخاطر الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، بل أن تشمل أيضاً علاقات الاعتماد البيئية والمتعلقة بالبنية التحتية التي يقوم عليها النظام البيئي للذكاء الاصطناعي نفسه.
ويجب على المؤسسات العاملة في المناطق التي تواجه ضغوطاً أكبر على موارد الطاقة، أو التي تتأثر بصورة أشد بتغير المناخ، أن تولي اهتماماً لاستهلاك أنظمة الذكاء الاصطناعي للطاقة والموارد.
ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن البيئات التنظيمية تختلف اختلافاً كبيراً بين المناطق.
ومع احتمال استمرار المواجهة الجيواقتصادية، أو حتى تفاقمها خلال السنوات المقبلة، ستزداد الحاجة إلى مراعاة التباعد بين الأنظمة التنظيمية ضمن عمليات إدارة المخاطر.
ويؤكد كينيسو مثيمبو، كبير مسؤولي المخاطر في مجموعة بورصة جوهانسبرغ، أن التحديات المرتبطة بتحقيق التوازن بين الابتكار والامتثال التنظيمي تختلف من سوق إلى أخرى.
ومن المهم إشراك الجهات التنظيمية في المراحل المبكرة من عملية الابتكار، والعمل معها على التطوير المشترك وصياغة الممارسات، لإظهار الكيفية التي ستحمي بها ممارسات إدارة المخاطر المستقبلية الأسواق وتحافظ على نزاهتها.
3.4 تحقيق التوازن بين الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري
من غير المرجح أن يحل الذكاء الاصطناعي محل مديري المخاطر. والأرجح أنه سيعيد تشكيل كيفية توزيع أعمال إدارة المخاطر بين الآلات والبشر.
وقد أظهرت جميع المشاورات مع كبار مسؤولي المخاطر تصوراً متسقاً مفاده أن الذكاء الاصطناعي سيتولى بصورة متزايدة مسؤوليات الرصد وتجميع المعلومات والتعرف على الأنماط، بينما سيظل البشر مسؤولين عن التفسير وإصدار الأحكام وتحمل المسؤولية.
ورأى عدد من قيادات إدارة المخاطر أن القيمة الكبرى للذكاء الاصطناعي تكمن في المجالات التي تتطلب المعالجة المستمرة لكميات هائلة من المعلومات.
فاستشعار المخاطر، واكتشاف الحالات غير الطبيعية، ورصد التهديدات السيبرانية، ومراقبة مخاطر الأطراف الثالثة، ومتابعة التطورات التنظيمية، أصبحت جميعها أنشطة تعتمد بصورة متزايدة على البيانات.
ومن المتوقع أن تتحسن قدرة الذكاء الاصطناعي على تجميع المعلومات، وتحديد الأنماط، واكتشاف الحالات غير الطبيعية عبر مجموعات البيانات الضخمة بصورة شبه آنية، خلال العقد المقبل.
فعلى سبيل المثال، تحلل أنظمة مكافحة الاحتيال التابعة لشركة ماستركارد مليارات المعاملات سنوياً، وتُنتج تقييمات للمخاطر خلال أجزاء من الألف من الثانية.
ويجري تطبيق أساليب مماثلة بصورة متزايدة في مجالات المراقبة السيبرانية، والمرونة التشغيلية، وإدارة مخاطر الأطراف الثالثة.
ومن المرجح أيضاً أن يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً متزايد الأهمية في الربط بين المعلومات المجزأة المتعلقة بالمخاطر.
فغالباً ما تحتفظ المؤسسات بتقييمات منفصلة للأمن السيبراني، والخصوصية، والامتثال، والمرونة التشغيلية، والمناخ، والتكنولوجيات الناشئة.
وترى ديان دويرينغ، الرئيسة العالمية لإدارة المخاطر المؤسسية في شركة تاكيدا، أن أحد أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي الواعدة يتمثل في دمج وجهات النظر المختلفة، وتحديد النقاط العمياء، ومجالات التداخل، وعلاقات الاعتماد المتبادل التي قد تغفلها الفرق الفردية.
وبدلاً من إنشاء طبقة إضافية من التقارير، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي بصورة متزايدة دور النسيج الذي يربط مختلف أجزاء المؤسسة بعضها ببعض.
ويوضح بول غيبسون، الشريك في شركة هايدريك آند ستراغلز، أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على إحداث تغيير جذري في كيفية وصول مؤسسات إدارة المخاطر إلى المعلومات، من خلال جمع المتطلبات التنظيمية والسياسات الداخلية والضوابط الرقابية ومستوى تقبل المؤسسة للمخاطر ضمن بيئة معرفية موحدة.
وسيتيح هذا التكامل تطوير قدرة تحليلية أكثر توحيداً، مع الحد بدرجة كبيرة من ازدواجية الجهود.
ومن المرجح أن تحقق الأتمتة أكبر تأثير لها في الأنشطة شديدة التنظيم، مثل الاختبارات، ومراقبة الجرائم المالية، وضمان الجودة.
وقد ظلت هذه العمليات منذ فترة طويلة مرشحة للأتمتة، ويؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تسريع هذا التحول بدلاً من إطلاقه من الصفر.
وتؤكد ليزا بيشتولد، كبيرة مسؤولي المخاطر في شركة نستله، أن الذكاء الاصطناعي يستطيع توليد رؤى وأداء دور حاسم في تعزيز اتخاذ القرارات البشرية، لكن البشر يظلون مسؤولين عن توفير السياق، وتفسير النتائج، وضمان توافق القرارات التجارية مع الأهداف الاستراتيجية والقيم المؤسسية.
ومع ذلك، توجد جوانب من إدارة المخاطر من غير المرجح بدرجة كبيرة تفويضها إلى الذكاء الاصطناعي.
ويوضح بهاسكار ميهتا، كبير مسؤولي المخاطر في مجموعة جي إف إتش المالية، أنه رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على تحديد المخاطر، فإنه لا يستطيع استيعاب السياقات الجغرافية الفريدة، أو الحقائق التجارية، أو المفاضلات الأخلاقية استيعاباً كاملاً.
ويرى توربن أويدر، رئيس إدارة المخاطر في مجموعة فولكس فاغن، أن قيادات إدارة المخاطر المستقبلية ستؤدي بصورة متزايدة دور المفسر للرؤى التي يولدها الذكاء الاصطناعي، بما يساعد الفرق التنفيذية على التمييز بين الإشارات المهمة والضوضاء المعلوماتية.
وتؤكد مونيكا موراتا فيديرا، رئيسة إدارة المخاطر المؤسسية في شركة ساب، أن الذكاء الاصطناعي يكون أكثر فعالية عند تطبيقه على عمليات مصممة جيداً وبيانات عالية الجودة. فالعمليات الضعيفة التي تعتمد على بيانات رديئة لا تتحسن بمجرد أتمتتها، بل تصبح أسرع في تنفيذ أوجه القصور نفسها.
وهناك أيضاً تحدٍّ آخر لا يحظى بالقدر الكافي من النقاش، يتمثل في الحفاظ على الخبرات البشرية في بيئة تتزايد فيها الأتمتة.
فثمة مخاوف بشأن الكيفية التي سيطور بها المهنيون مستقبلاً المهارات اللازمة لمراجعة المخرجات التي يولدها الذكاء الاصطناعي بصورة نقدية، إذا أصبحوا يعتمدون اعتماداً مفرطاً على الأنظمة الآلية.
ولذلك، من غير المرجح أن ينطوي مستقبل إدارة المخاطر على مجرد مفاضلة بسيطة بين البشر والآلات.
وبدلاً من ذلك، سيؤدي إلى تقسيم جديد للعمل.
فسيتولى الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة المهام التي تتطلب القدرة على التعامل مع نطاق واسع من العمليات، والسرعة، والرصد المستمر.
أما البشر، فسيواصلون ممارسة الحكم التقديري، ومراجعة الافتراضات بصورة نقدية، وتقييم المفاضلات، وتحمل مسؤولية القرارات.
ومع ازدياد تعقيد بيئات المخاطر، قد لا تنشأ الميزة التنافسية من امتلاك المزيد من أنظمة الذكاء الاصطناعي، بل من معرفة كيفية الجمع بين الذكاء الآلي والخبرة البشرية بأكبر قدر من الفعالية.
وفي هذا السياق، يوضح كريستوس كريستو، كبير مسؤولي المخاطر في مجموعة لولو المالية القابضة، أن التكنولوجيات الناشئة تُحدث تغييرات في البنية التحتية المادية التي تعتمد عليها المؤسسات.
فالتقدم في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية سيتطلب قدرات حوسبية أكبر بكثير، إلى جانب المزيد من قدرات تخزين البيانات والبنية التحتية للطاقة.
وتُدخل هذه التطورات فئات جديدة من المخاطر تتجاوز نطاق البرمجيات، وتشمل قدرة الأجهزة على الصمود، وتوافر الطاقة، وقدرات التبريد، والاستدامة البيئية.
وفي هذا السياق، يجب أن تراعي إدارة المخاطر المستقبلية بصورة متزايدة قدرة البنية التحتية الرقمية التي تتيح التحول التكنولوجي على الصمود.
الخاتمة: نحو عام 2035 – اعتبارات استراتيجية
على مدى عقود، ساعدت إدارة المخاطر المؤسسية المؤسسات على تعزيز الحوكمة، وتحسين الشفافية، والحماية من الخسائر المالية والتشغيلية.
وقد كشفت المشاورات التي أُجريت مع كبار مسؤولي المخاطر لإعداد هذه الورقة أنه رغم استمرار ضرورة هذه الوظائف، فإنها لن تكون كافية لإدارة المخاطر خلال العقد المقبل.
وسيتعين على المؤسسات التي تحقق النجاح خلال العقد القادم أن تزدهر في بيئات تتسم بالاضطرابات المستمرة، وتتفاعل فيها المخاطر عبر الأنظمة المختلفة، وتتزايد فيها الحاجة إلى اتخاذ القرارات الاستراتيجية في ظل معلومات غير مكتملة.
وقد برزت رسالة واضحة في جميع المشاورات، بصرف النظر عن المنطقة الجغرافية أو القطاع، مفادها أن كبير مسؤولي المخاطر المستقبلي سيتحول تدريجياً من مراقب للمخاطر إلى مفسر لحالات عدم اليقين.
وسيُعيد الذكاء الاصطناعي، وبيئات المحاكاة، والأنظمة البيئية للبيانات المترابطة بصورة مستمرة، تشكيل كيفية اكتشاف المؤسسات للمخاطر وتحليلها ونمذجتها.
ومع ذلك، أكد كبار مسؤولي المخاطر مجدداً أن قيمة هذه التكنولوجيات ستعتمد في نهاية المطاف على الحكم البشري.
فكلما أصبحت الآلات أكثر كفاءة في معالجة المعلومات، ستتمثل الميزة النسبية لكبير مسؤولي المخاطر بصورة متزايدة في قدرته على التفسير والتواصل وإصدار الأحكام الأخلاقية، والربط بين الرؤى المستخلصة من مختلف الوظائف والأطراف المعنية والأولويات الاستراتيجية.
وسيؤدي هذا التطور أيضاً إلى تغيير الطريقة التي يُقاس بها نجاح إدارة المخاطر.
فتاريخياً، كان النجاح يُعرّف غالباً من خلال الامتثال، أو تجنب الخسائر، أو فعالية الضوابط الرقابية.
أما مستقبلاً، فقد يُقاس النجاح بصورة متزايدة بمدى فعالية وظيفة إدارة المخاطر في تمكين اتخاذ قرارات استراتيجية أفضل، وتسريع الابتكار المسؤول، وتعزيز قدرة المؤسسة على الصمود.
وبهذا المعنى، لن يكون كبير مسؤولي المخاطر مجرد حارس للمؤسسة، بل سيصبح محفزاً لقدرتها على التكيف وتنافسيتها على المدى الطويل.
ويتمحور مستقبل إدارة المخاطر حول الاستشعار المستمر للتغيير، ودراسة السيناريوهات المستقبلية البديلة، ودمج المعلومات التحليلية عبر مختلف الوظائف، واتخاذ قرارات أفضل في ظل عدم اليقين.
وفي نهاية المطاف، لن تكون المؤسسات التي ستزدهر بحلول عام 2035 هي الأكثر قدرة على التنبؤ بالمستقبل، بل تلك الأكثر استعداداً للتعامل معه.
