- شهد العام الماضي رقماً قياسياً بلغ 1.5 مليار مسافر دولي، بينما حمل هذا العام معه طائرات متوقفة عن التحليق، ومجالات جوية مغلقة، وموجات حر وحرائق غابات.
- أصبح النمو والاضطراب يحدثان في الوقت نفسه، والوجهات التي تتقدم اليوم هي تلك التي تبني قدرتها على الصمود بالتوازي مع نمو الطلب.
- يحدد «مؤشر تنمية السفر والسياحة» خمس أولويات لتحويل الطلب القياسي إلى قيمة مستدامة، بدءاً من تنويع أسواق المصدر وصولاً إلى معالجة فجوة في القوى العاملة تتجاوز 43 مليون شخص.
استقبل العالم في العام الماضي رقماً قياسياً بلغ 1.5 مليار سائح دولي، وساهم قطاع السفر والسياحة بنحو 11.6 تريليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي. أما هذا العام، فقد شهد بالفعل توقف طائرات عن التحليق، وإغلاق مجالات جوية، وموجات حر وحرائق غابات.
يتزايد الطلب، لكن الصدمات والضغوط الهيكلية التي يمكن أن تعرقل هذا النمو تتزايد أيضاً، بدءاً من الظواهر الجوية المتطرفة ووصولاً إلى الاكتظاظ وارتفاع التكاليف. وهذا يعني أن التحدي الرئيسي أمام أي شخص يدير وجهة سياحية أو شركة طيران أو فندقاً أو أي نشاط سياحي آخر يتمثل في القدرة على مواصلة العمل في ظل ظروف لا تتوقف عن التغير.
ويبحث أحدث إصدار من «مؤشر تنمية السفر والسياحة» في كيفية تعامل 110 اقتصادات مع هذا الواقع. والوجهات التي تحقق تقدماً ليست بالضرورة الأسرع نمواً، بل تلك القادرة على امتصاص الصدمات، والحفاظ على ثقة المسافرين، والتكيف مع الظروف المتزايدة تعقيداً. وهناك خمسة عوامل رئيسية تميز هذه الوجهات.
1. تنويع الأسواق
قدمت جائحة كورونا دروساً باهظة الثمن بشأن مخاطر الاعتماد على سوق واحدة أو موسم واحد أو نوع واحد من المسافرين. وقد بدأت وجهات عديدة بالفعل في الاستفادة من هذه الدروس.
وتعد اليابان المثال الأوضح على ذلك. فقد كان تنويع أسواقها المصدّرة للسياح وتوزيع الطلب على مناطق مختلفة من البلاد من الأسباب الرئيسية التي ساعدتها على الانتقال من المركز الثالث إلى المركز الأول في «مؤشر تنمية السفر والسياحة 2026». واستقبلت اليابان 42.7 مليون زائر دولي العام الماضي، في الوقت الذي عملت فيه بصورة متعمدة على توسيع قاعدة قطاعها السياحي من خلال استقطاب مسافرين من عدد أكبر من الدول، وتشجيعهم على زيارة مناطق خارج طوكيو وكيوتو وأوساكا.
وارتفع عدد الزوار إلى المناطق الإقليمية في اليابان بنسبة 14% مقارنة بالعام السابق، كما ارتفعت حصة الوافدين من الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا والشرق الأوسط إلى 18%، مقارنة بـ14% في عام 2019.
ولم تكتفِ اليابان بجعل قطاعها السياحي أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات، وفقاً لمؤشر عام 2026، بل نجحت أيضاً في توسيع قاعدتها السياحية، ما يوضح أن «الانفتاح والترابط وتطوير الوجهات» يمكن أن تسهم في بناء منظومة سياحية أكثر توازناً وقدرة على التكيف.
2. حماية سهولة الوصول، مادياً ورقمياً
لطالما كانت القدرة على نقل الأشخاص بصورة موثوقة عاملاً يميز الوجهات القوية عن الضعيفة. ويظهر هذا الفارق بوضوح أكبر في البنية التحتية للنقل الجوي، حيث تتفوق الاقتصادات العشرون الأولى في مؤشر 2026 على متوسط المؤشر بفارق أكبر مقارنة بمعظم المعايير الأخرى.
لكن سهولة الوصول لا تقتصر على مدارج المطارات. فهي تشمل أيضاً إدارة الحدود، وسياسات التأشيرات، وتوفير معلومات دقيقة يسهل العثور عليها أينما بحث عنها المسافرون، سواء عبر محركات البحث أو منصات الحجز أو مساعدي الذكاء الاصطناعي.
وقد أدركت ألمانيا، التي تحتل المرتبة السادسة، أهمية ذلك في وقت مبكر. إذ تجمع «قاعدة المعرفة» الخاصة بها أكثر من 500 ألف سجل من البيانات المفتوحة التي تشمل أماكن الإقامة والفعاليات والمعالم السياحية ضمن مصدر واحد تستطيع محركات البحث ومنصات الذكاء الاصطناعي قراءته والاستفادة منه.
ويصف «مؤشر تنمية السفر والسياحة 2026» بيانات الوجهات السياحية بأنها أصبحت «بنية تحتية رقمية أساسية، وليست مجرد أداة تسويقية».
3. المنافسة على أساس القيمة وليس السعر
السعر ليس العامل الذي يحسم النجاح. فالاقتصادات السياحية العشرون الأولى تسجل في الواقع نتائج أقل من المتوسط في القدرة التنافسية من حيث الأسعار. وتنجح بعض الوجهات رغم ارتفاع أسعارها، بينما تحقق أخرى النجاح بتكاليف أقل. لكن الأهم هو ما إذا كانت التجربة وسهولة الوصول ومستوى الخدمة تجعل الرحلة مستحقة لما يدفعه الزائر.
ولا تزال القدرة على تحمل التكاليف تمثل ميزة مهمة. فقد حققت ألبانيا أكبر تحسن بين جميع الاقتصادات، إذ تقدم الكثير مما توفره الدول الأوروبية المجاورة لها ولكن بتكلفة أقل. ومع ذلك، وفي ظل الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة، يظل الاعتماد على السعر وحده استراتيجية هشة.
وتقدم كوستاريكا نموذجاً بديلاً، إذ يمكن لزيادة محدودة في أعداد الزوار أن تحقق قيمة أكبر بكثير. وتحتل كوستاريكا المرتبة الرابعة في «مؤشر تنمية السفر والسياحة 2026» من حيث الاستدامة، بعدما اختارت إعطاء الأولوية لحماية البيئة بدلاً من النمو القائم على السياحة الجماهيرية.
وزاد عدد الوافدين الدوليين إليها بنسبة متواضعة بلغت 1% فقط في العام الماضي، لكن متوسط إنفاق الزائر ارتفع من نحو 1,602 دولار إلى 1,848 دولاراً.
4. جعل النمو يعود بالنفع على المجتمعات المحلية
من المتوقع أن تصل مساهمة السفر والسياحة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 16 تريليون دولار بحلول عام 2034، أي ما يزيد على 11% من الاقتصاد العالمي. لكن المكان الذي تذهب إليه هذه الأموال لا يقل أهمية عن حجمها.
وقد تراجع أداء الركيزة الاجتماعية والاقتصادية في مؤشر تنمية السفر والسياحة هذا العام، وهو ما يمثل إشارة تحذيرية. فعندما ينمو القطاع السياحي بوتيرة أسرع من قدرة المجتمعات المحلية على الاستفادة من عوائده، يبدأ الدعم الشعبي للسياحة في التراجع.
ويحمل ذلك آثاراً عملية مباشرة، لأنه يؤثر في ما تستطيع الحكومات الموافقة عليه وفي ما يمكن للشركات تطويره وبناؤه.
وتعمل تركيا، التي تحتل المرتبة السادسة والثلاثين، على معالجة هذه المسألة منذ إطلاق برنامج وطني للسياحة المستدامة في عام 2022. وأصبح أكثر من 2,000 مقدم لخدمات الإقامة معتمداً الآن وفق معايير تتعلق بالأثر البيئي وتحقيق الفائدة للمجتمع المحلي، فيما تحسنت نتيجة البلاد في مؤشر الأثر الاجتماعي والاقتصادي بنسبة 8.3% خلال الفترة نفسها.
5. معالجة تحدي القوى العاملة
قد يواجه القطاع نقصاً يزيد على 43 مليون عامل بحلول عام 2035. ونحو 20 مليوناً من هذه الوظائف لا يمكن أتمتتها، ما يعني أن الاستثمار في البنية التحتية لن يحقق الكثير إذا لم يتوافر أشخاص لاستقبال الضيوف وتقديم الخدمات لهم.
وقد تحركت المملكة العربية السعودية بوتيرة أسرع من معظم الدول الأخرى، إذ سجلت ثاني أكبر تحسن في ركيزة الموارد البشرية وسوق العمل ضمن «مؤشر تنمية السفر والسياحة 2026».
وتدير وزارة السياحة السعودية برامج للمنح الدراسية والتدريب والتلمذة المهنية بالتعاون مع مؤسسات دولية متخصصة في قطاع الضيافة، إلى جانب تقديم الدعم للأشخاص الراغبين في بناء مسارات مهنية طويلة الأجل في هذا القطاع.
وتجاوز عدد العاملين في قطاع السياحة مليون وظيفة خلال العام الماضي، وشكلت النساء 47% من العاملين في هذه الوظائف، مقارنة بنسبة 5% فقط في عام 2018.
بناء القدرة على الصمود مسؤولية مشتركة
لا تستطيع أي مؤسسة بمفردها تنفيذ هذه الأولويات الخمس. فلا يمكن لأي وجهة أن تنافس على أساس القيمة من دون توفر الأشخاص القادرين على تقديم هذه القيمة، كما لا يمكنها إدارة النمو من دون ثقة السكان المحليين، ولا حماية سهولة الوصول إليها ما لم تعمل شركات الطيران والفنادق والجهات التنظيمية وشركات التكنولوجيا والجهات المسؤولة عن إدارة الوجهات وفق خطة مشتركة.
ولهذا السبب يجب بناء القدرة على الصمود من خلال الشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمعات التي تستضيف الزوار.
وستكون الوجهات التي تحقق أفضل أداء خلال السنوات المقبلة هي تلك القادرة على الحفاظ على عمل منظوماتها، والتكيف مع تغير الظروف، والاستمرار في تقديم تجربة ذات قيمة للمسافرين والشركات والمجتمعات التي تستضيفهم.
وهذا هو المعنى الحقيقي للانتقال من مرحلة التعافي إلى مرحلة بناء القدرة على الصمود، وهي عملية يجب أن تبدأ قبل وقوع الاضطرابات، وليس أثناء حدوثها.
