- يتوقع 79% من المشاركين في أحدث إصدار من «توقعات كبار الاقتصاديين» أن تواجه مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مقاومة محلية ملموسة خلال العام المقبل.
- ويشكّل الغضب الموجّه إلى هذه المنشآت، التي تُعد من المحركات الأساسية لتطوير الذكاء الاصطناعي، أحدث حلقة في تاريخ طويل من الثورات التكنولوجية التي قوبلت في بداياتها بمعارضة شديدة.
يبلغ نصيب الفرد من الدخل في مدينة غاري بولاية إنديانا نحو نصف المتوسط المسجل في الولايات المتحدة ككل، فيما يصل معدل الفقر فيها إلى ثلاثة أضعاف المعدل الوطني. كما تشمل جهود التجديد الحضري الجارية حالياً إزالة جزء غير ضئيل من وسط المدينة.
لذلك، عندما ظهرت مؤخراً مخاوف في المدينة من احتمال ارتفاع فواتير الكهرباء التي تتحملها هذه المنطقة التي تعاني أصلاً من صعوبات اقتصادية بسبب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وجدت غاري نفسها في قلب نقاش يتجاوز حدود الولايات المتحدة بكثير.
وقد تتخذ مقاومة الذكاء الاصطناعي أشكالاً مختلفة، إلا أن مراكز البيانات أثبتت أنها هدف ملائم بشكل خاص للغضب الشعبي. فمن جهة، يمكن إجراء استطلاعات في مجتمعات محلية متشككة بشأن هذه المنشآت، لكن من جهة أخرى، فإن بلوغ هذا الاستياء مستوى يجعله جزءاً من تقييم آفاق الاقتصاد العالمي أمر مختلف تماماً.
ويتوقع ما يقرب من ثمانية من كل عشرة من كبار الاقتصاديين الذين شملهم أحدث إصدار من «توقعات كبار الاقتصاديين»، الصادر هذا الأسبوع، أن تواجه خطط التوسع في مراكز البيانات مقاومة «كبيرة» من المجتمعات المحلية خلال العام المقبل.
وللمقارنة، هناك تطورات محتملة أخرى حظيت بدرجات مماثلة من الثقة بين المشاركين، من بينها ارتفاع تكلفة الغذاء، وهو ما يتوقعه 88% منهم، واستمرار الصراعات الجيوسياسية كمصدر لعدم اليقين، وهو ما يتوقعه 97%.
وقدم أحد كبار الاقتصاديين المشاركين في الاستطلاع سياقاً تاريخياً لهذه الظاهرة. وقال غريغوري داكو من شركة EY: «ما نشهده حالياً هو المرحلة الأولى من أي ثورة تكنولوجية، وهذه المرحلة الأولى تكون كثيفة للغاية من حيث الاستثمارات الرأسمالية».
وأضاف داكو: «من الثورة الصناعية إلى ثورة الكهرباء وصولاً إلى عصر الحاسوب، تميل هذه التحولات إلى فرض ضغوط على الموارد، وهو ما يؤدي في بعض الحالات إلى ظهور مقاومة».
فقد أدت طفرة بناء السكك الحديدية خلال الثورة الصناعية بالفعل إلى رد فعل شعبي معارض، وكانت هذه الأجواء خلفية لمشهد في إحدى روايات جورج إليوت المنشورة في ذلك العصر، ظهر فيه قرويون غاضبون يحملون المذاري.
كما أثارت المراحل الأولى من إدخال الكهرباء إلى أجزاء من العالم في القرن التاسع عشر قلقاً عميقاً لدى الجمهور، إلى جانب إشعال اضطرابات عمالية. وشهدت بدايات عصر الحاسوب أيضاً موجة من أعمال التخريب التي استهدفت الحواسيب المركزية. وفي كل حالة من هذه الحالات، يمكن القول إن الاقتصادات استفادت في نهاية المطاف من هذه التقنيات، لكن عملية التكيف معها لم تكن دائماً سهلة أو سلسة.
ويتوقع 78% من كبار الاقتصاديين الذين شملهم أحدث استطلاع، وهي نسبة تكاد تطابق نسبة الذين يتوقعون مقاومة بناء مراكز البيانات الجديدة، أن تسهم الاستثمارات في مراكز البيانات بحصة كبيرة من النمو الاقتصادي العالمي خلال العام المقبل. ويرجع ذلك إلى أن هذه المنشآت باتت مهيأة لتكون محركات لتحول واسع النطاق.
وإذا كانت الإنتاجية ضرورية لتحقيق نمو اقتصادي سليم، فلا أحد يريد أن يجد نفسه متأخراً أو من دون بنية تحتية كافية. ويرى ما يقرب من سبعة من كل عشرة من كبار الاقتصاديين أن اعتماد الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى مكاسب «ملموسة» في الإنتاجية خلال الاثني عشر شهراً المقبلة. وتقع البنية التحتية التي تتيح ذلك داخل صفوف لا تنتهي من رفوف الخوادم المبردة، وقد تثبت أهميتها مستقبلاً كما أثبتت الطرق الصالحة للنقل أو الإضاءة داخل المباني أهميتها في مراحل سابقة.
فهل من الممكن إذن أن الأشخاص الذين يعارضون هذه المنشآت لا يرون الصورة الأكبر؟
ما رأوه حتى الآن هو منشآت جديدة ضخمة من المرجح أن تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه. ويُعد هذا الاستهلاك الكبير أحد الأسباب التي دفعت عدداً من الولايات الأمريكية إلى إعادة التفكير في الإعفاءات الضريبية التي سبق منحها لتشجيع بناء هذه المراكز.
وفي أوروبا، استهدف معارضون مشاريع في النمسا وفرنسا وإيطاليا وإيرلندا، وهي دولة أصبحت مراكز البيانات فيها مسؤولة عن نحو خُمس إجمالي استهلاك الكهرباء بحلول عام 2024. وفي أمريكا اللاتينية، احتج السكان الأصليون على إنشاء أكبر مركز بيانات في البرازيل، بينما اشتكى ناشط في تشيلي قائلاً إن «مراكز البيانات تحظى بالأولوية على حساب السكان».
وفي أستراليا، حذرت منظمة غير ربحية من أن أكثر ولايات البلاد سكاناً قد تشهد ارتفاعاً بنسبة 26% في أسعار الكهرباء بالجملة إذا لم يتم الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لتلبية الطلب المتزايد الناتج عن مراكز البيانات.
مراكز البيانات ليست ظاهرة جديدة، فقد ساهمت في تمكين استخدام الإنترنت على مدى عقود. لكن الاحتياجات غير المسبوقة للذكاء الاصطناعي من القدرة الحاسوبية أطلقت موجة تاريخية من بناء مراكز البيانات. وأصبح امتلاك عدد أكبر منها يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه ميزة تنافسية.
ومن حيث الأرقام، تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 5,000 مركز بيانات في مراحل مختلفة من التطوير، أي ما يقرب من عشرة أضعاف عددها في أي دولة أخرى. وتأتي ألمانيا بعدها بـ529 مركزاً، ثم المملكة المتحدة بـ523 مركزاً، فالصين بـ449 مركزاً.
وعلى المستوى العالمي، كانت هذه المنشآت بحلول أواخر العام الماضي تستهلك من الطاقة ما يكفي لتشغيل ولاية نيويورك عند ذروة الطلب. وقد تتجاوز كمية المياه المستخدمة سنوياً لتبريدها ما يعادل احتياجات مياه الشرب لـ1.2 مليون شخص.
لكن القدرة الحاسوبية الإضافية ليست وحدها ما يجعل هذه المنشآت تبدو استثماراً يستحق العناء، إذ هناك أيضاً الوعد بتوفير وظائف إضافية كلما ظهر مركز بيانات جديد.
إلا أن كبار الاقتصاديين المشاركين في أحدث استطلاع تبنوا رؤية أكثر تحفظاً تجاه هذه الفائدة. إذ لا يتوقع 61% منهم أن تؤدي استثمارات مراكز البيانات إلى توفير حصة كبيرة من فرص العمل العالمية خلال العام المقبل. وتشير بعض التقديرات إلى أن مركز البيانات الواحد لا يحتاج بشكل مباشر إلا إلى ما بين عشرات وعدة مئات من الموظفين الدائمين.
أما بصمتها البيئية فما زالت في طور التطوير والتحسين. فقد بدأت بعض مراكز البيانات باستخدام مياه البحر في عمليات التبريد، والاعتماد على الطاقة المتجددة لتوفير الكهرباء، إلى جانب إيجاد استخدامات أخرى لما يعرف بـ«الحرارة المهدرة» الناتجة عن تشغيلها.
وفي الوقت نفسه، أصبح تنامي خيبة الأمل تجاه مراكز البيانات بمثابة «عقبة نادرة» في مسيرة الذكاء الاصطناعي التي واصلت تقدمها بقوة في معظم الجوانب الأخرى.
وقال غريغوري داكو بشأن طفرة الذكاء الاصطناعي: «لن تكون بالضرورة جيدة بالكامل أو سيئة بالكامل، بل ستكون هناك الكثير من التفاصيل والفروق الدقيقة».
وتُعد مراكز البيانات إحدى أبرز المجالات التي يبدو فيها تعزيز التعاون بين الحكومات والشركات الخاصة أمراً منطقياً.
والواقع أن مدينة غاري في إنديانا لا تضم حالياً أي مراكز بيانات. إلا أن دراسة حديثة أشارت إلى أن بناء مركز بيانات ضخم بشكل خاص في منطقة شمال غرب إنديانا التي تشمل غاري يمكن أن يؤدي إلى توفير ما يقرب من 3,000 وظيفة سنوياً، بما في ذلك الوظائف المرتبطة بخدمات الدعم الخارجية.
لكن السلطات في المدينة اتخذت موقفها، على الأقل فيما يتعلق بالمشاريع الواقعة داخل حدود المدينة وفي الوقت الراهن. ففي الأسبوع الماضي، فرض عمدة غاري تعليقاً مؤقتاً لمدة عام واحد على إنشاء مرافق جديدة لمراكز البيانات.
