القائمة الرئيسية

فجوة أهداف التنمية المستدامة التي لا يستطيع المال سدّها… وما الذي يمكن فعله حيالها

فجوة أهداف التنمية المستدامة التي لا يستطيع المال سدّها… وما الذي يمكن فعله حيالها
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة الفجوة الخفية التي تعرقل تحقيق أهداف التنمية المستدامة، موضحة أن نقص التمويل ليس العقبة الوحيدة، بل إن القواعد التنظيمية القديمة والمعقدة قد تمنع الحلول المبتكرة من التوسع والانتشار. ومن خلال تجارب رواندا في الطائرات المسيّرة الطبية، والمملكة المتحدة في التكنولوجيا المالية، وشرق أفريقيا في تسجيل الأدوية، ومنطقة الكاريبي في تقاسم مخاطر الكوارث، تكشف المقالة كيف يمكن لإعادة تصميم الأنظمة وتنسيق القواعد بين الدول أن يفتح الطريق أمام حلول أسرع وأكثر استدامة قبل حلول عام 2030.

  • يقترب الموعد النهائي لعام 2030 لتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بسرعة، ومع ذلك لا يُتوقع تحقيق سوى 16% منها بحلول ذلك الوقت.
  • في حين أن فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة موثقة على نطاق واسع، فإن ما يحظى باعتراف أو اهتمام أقل هو الفجوة التنظيمية التي تقف إلى جانبها.
  • إلى جانب النظر في التمويل، تحتاج الحكومات إلى فحص القواعد التي تحدد ما إذا كان الحل قادرًا على الانتشار، وعبور الحدود، والاستمرار على المدى الطويل.

في أواخر عام 2016، أقلعت طائرة مسيّرة صغيرة من مركز توزيع في رواندا وهي تحمل شحنة من الدم متجهة إلى عيادة ريفية كان الوصول إليها برًا يستغرق ساعات، في واحدة من أوائل الرحلات من هذا النوع في العالم. وخلال بضع سنوات فقط، تحوّل ذلك المسار إلى واحد من أكثر ممرات الطائرات المسيّرة الطبية تطورًا على مستوى العالم، إذ أصبحت تُنقل عبره، عند الطلب، شحنات الدم والأدوية واللقاحات إلى مختلف أنحاء المناطق الجبلية في رواندا.

ما ميّز رواندا لم يكن التكنولوجيا نفسها، بل الخيارات السياسية والتنظيمية التي وقفت خلفها: قواعد سمحت للخدمة بالعمل، وصنّاع سياسات كانوا مستعدين لمراجعة تلك القواعد مع تطور التكنولوجيا، ونظام قادر على تحويل تجربة واعدة إلى بنية تحتية فعلية.

وهذا الجزء من القصة غالبًا ما يختفي من النقاشات المتعلقة بأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. فعندما يتباطأ التقدم، يبدأ التشخيص عادة بالحديث عن المال، وعن فجوة تمويلية تُقدَّر بتريليونات الدولارات سنويًا.

ولا شك في أن فجوة التمويل حقيقية، لكن إلى جانبها توجد فجوة تنظيمية أقل وضوحًا. وإذا تتبعنا أي قصة نجاح تقريبًا إلى جذورها، فسنجد أن العامل الحاسم لم يكن في كثير من الأحيان رأس المال أو التكنولوجيا أو التمويل، بل وجود قاعدة أو نظام تنظيمي أتاح للحل أن يعمل على نطاق واسع.

ولم يتبقَّ الآن سوى أربع سنوات على الموعد النهائي لعام 2030 لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وما يزال العالم، وفق معظم المؤشرات، بعيدًا عن المسار المطلوب. ولا يعود ذلك ببساطة إلى ما لا تستطيع الحكومات تحمّل تكلفته، بل أيضًا إلى أمور لم تضع الحكومات أصلًا القواعد التي تسمح بتنفيذها أو بنائها أو صيانتها.

إعادة تصميم القواعد التنظيمية

تُظهر تجربة الطائرات المسيّرة في رواندا ما يمكن تحقيقه عندما يتعامل المنظمون مع القواعد القديمة باعتبارها مشكلة قابلة لإعادة التصميم، بدلًا من اعتبارها قيدًا ثابتًا لا يمكن تجاوزه. فقد كان من الممكن أن تمنع قواعد المجال الجوي التي وُضعت قبل عقود، أي قبل ظهور طائرات التوصيل المسيّرة بوقت طويل، هذه الخدمة من الانطلاق من الأساس.

لكن بدلًا من ذلك، ابتكر المنظمون آلية تسمح للطائرات المسيّرة بالتحليق بموجب تصاريح داخل مجال جوي خاضع للرقابة، في ما يشبه مساحة اختبار تنظيمية في السماء، بينما كان الإطار التنظيمي الأوسع يتطور بالتوازي. وبعد بضع سنوات، تبنت غانا نهجًا مشابهًا، مستفيدة من نموذج سبق اختباره في دولة مجاورة.

وفي المملكة المتحدة، أطلقت هيئة السلوك المالي عام 2016 أول بيئة اختبار تنظيمية من نوعها في العالم، مانحة شركات التكنولوجيا المالية مساحة خاضعة للإشراف لاختبار منتجات جديدة. وتمكنت الشركات التي شاركت في هذه البيئة من جمع رؤوس أموال تزيد بنسبة 15% خلال العامين التاليين مقارنة بشركات مماثلة دخلت لاحقًا، وهو ما يقدم دليلًا على أن التجريب التنظيمي لا يحمي المستهلكين فحسب، بل يمنح المستثمرين أيضًا قدرًا أكبر من الثقة.

وفي بعض الأحيان، لا تأتي السرعة من تغيير القواعد، بل من اتخاذ قرار بأن العمل نفسه لا يحتاج إلى التكرار مرات عديدة.

ففي مجموعة شرق أفريقيا، انخفضت المدة اللازمة لتسجيل الأدوية من 24 شهرًا في عام 2012 إلى ما بين 8 و14 شهرًا بحلول عام 2017، بعدما عملت الجهات التنظيمية على توحيد متطلباتها والاعتماد بدرجة أكبر على تقييمات بعضها بعضًا. لم تختفِ المعايير نفسها، وإنما اختفى قدر كبير من الازدواجية والتكرار.

أما بعض المشكلات الأخرى فتتطلب من البلدان التنسيق فيما بينها ضمن إطار تنظيمي ومالي مشترك.

فعلى سبيل المثال، يجمع مرفق التأمين ضد مخاطر الكوارث في منطقة الكاريبي مخاطر الأعاصير والزلازل التي تواجهها حكومات المنطقة، ما يتيح لها شراء التغطية التأمينية بصورة جماعية والحصول على مدفوعات سريعة عند وقوع الكوارث.

ولم يكن الابتكار هنا مجرد ابتكار منتج تأميني جديد، بل وضع القواعد المؤسسية التي جعلت تقاسم المخاطر إقليميًا أمرًا ممكنًا: معايير مشتركة لتقييم الكوارث، وشروط متفق عليها مسبقًا لتفعيل المدفوعات، وترتيبات تسمح بتحريك الأموال بسرعة عبر الحدود. فالمخاطر التي تكون تكلفة تأمينها مرتفعة جدًا عندما يحاول كل بلد التعامل معها منفردًا تصبح أكثر قابلية للإدارة عندما توحّد البلدان قواعدها وتعمل معًا.

لماذا تتأخر الأنظمة التنظيمية حول العالم؟

عند النظر إلى هذه الأمثلة مجتمعة، يظهر نمط واضح: فالأنظمة التنظيمية تميل إلى التأخر، ليس بسبب نقص كفاءة الحكومات بقدر ما يعود ذلك إلى الطريقة التي صُممت بها الأنظمة التنظيمية نفسها.

أولى المشكلات تتمثل في الاختلاف الكبير في سرعة الزمن بين التكنولوجيا والقانون. فقد تتغير التكنولوجيا خلال أسابيع، في حين قد تستغرق القوانين سنوات حتى تُعتمد. وقد طورت الحكومات عدة وسائل للتعامل مع هذه الفجوة، من بينها بيئات الاختبار التنظيمية وبيئات التجربة الخاضعة للرقابة، التي تتيح مساحة للتعلم والتعديل من دون انتظار دورة تشريعية كاملة.

أما المشكلة الثانية فهي الجغرافيا. فالقواعد التنظيمية تتوقف عند الحدود، حتى عندما لا تتوقف المشكلات التي تنظمها عند تلك الحدود. وقد بدأت الحكومات في التعامل مع هذه المعضلة من خلال أدوات مثل مواءمة الأطر التنظيمية والاعتماد على التقييمات المشتركة.

فقد يخضع دواء تمت الموافقة عليه في دولة ما لمراجعة مشابهة بالكامل في الدولة المجاورة، لا لأن الأساس العلمي تغيّر بمجرد عبور الحدود، بل لأن الجهة التي تمتلك سلطة اتخاذ القرار قد تغيّرت.

ثم تأتي مسألة النطاق. ويمكن للحكومات التعامل معها من خلال تجميع المخاطر وإنشاء مؤسسات مشتركة، كما يفعل مرفق التأمين ضد مخاطر الكوارث في الكاريبي، مع ربط المدفوعات بمحفزات أو شروط محددة مسبقًا، بحيث لا تكون هناك حاجة إلى قرار سياسي جديد بعد كل كارثة طبيعية.

ويساعد هذا النهج أيضًا في معالجة تحدٍ إضافي ومعقد، يتمثل في أن كتابة القواعد أثناء الأزمات قد تكون سهلة نسبيًا، لكن إنشاء مؤسسات قادرة على الاستمرار على المدى الطويل ليس كذلك.

وبمجرد جمع هذه الأمثلة معًا، فإنها تكشف نقطة عمياء في الطريقة المعتادة التي يجري بها الحديث عن التنمية. إذ يتركز الاهتمام بصورة كبيرة على ما هو مفقود: مزيد من رأس المال، ومزيد من التكنولوجيا، ومزيد من القدرات.

وكل هذه العناصر ضرورية، لكنها لا تفسر وحدها لماذا تنجح بعض الحلول في الانتشار بينما تبقى حلول أخرى حبيسة مرحلة التجارب والمشروعات التجريبية. فالمال يمكنه أن يضع الحل على الطاولة، لكن القواعد هي التي تحدد ما إذا كان ذلك الحل قادرًا على التحرك، وعبور الحدود، والاستمرار.

كيف يمكن تسريع العمل لتحقيق أهداف التنمية المستدامة؟

هناك سؤال واضح يفرض نفسه عند النظر إلى قصص النجاح هذه: هل يمكن لهذه النماذج أن تنجح في أي مكان آخر؟

لقد استفادت كل من رواندا والمملكة المتحدة وشرق أفريقيا ومنطقة الكاريبي من ظروف خاصة لا يمكن ببساطة إعادة إنتاجها في كل مكان. فالنموذج التنظيمي الذي ينجح في سوق ما قد يفشل في سوق أخرى.

لكن ما يمكن نقله من مكان إلى آخر هو طريقة التفكير التي تقف وراء هذه التجارب. ففي كل حالة، بدأت العملية بقيد بدا وكأنه أمر ثابت لا يمكن تغييره، ثم جرى التعامل معه باعتباره شيئًا يمكن إعادة تصميمه.

ولا تستطيع القواعد التنظيمية أن تجعل القيود الصعبة تختفي، لكن الطريقة التي تعمل بها الحكومات ضمن تلك القيود قادرة على تغيير ما يصبح ممكنًا.

والسؤال الأكبر هو ما إذا كانت الحكومات تنظر بالقدر الكافي من الجدية إلى القواعد التي تقف بين الحلول الموجودة بالفعل وبين الأشخاص الذين يُفترض أن تصل إليهم تلك الحلول.

ووفقًا لأحدث التقييمات، لا يُتوقع تحقيق سوى 16% من مستهدفات أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030. وبينما يجتمع قادة العالم في نيويورك خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد يكون الاتجاه الطبيعي هو البحث عن رقم أكبر: المزيد من المساعدات، أو المزيد من التمويل الميسّر، أو تعهد جديد يضاف إلى قائمة التعهدات السابقة.

وسيظل المال عنصرًا لا غنى عنه. لكن الحالات السابقة تطرح سؤالًا آخر أقل تكلفة بكثير، وربما أكثر تعرضًا للتجاهل: أي الحلول المتعثرة تنتظر فعلًا توفر رأس المال، وأيها تنتظر شخصًا ما يغيّر القواعد التي تحدد ما إذا كان بإمكانها أن تتوسع؟

هذا النوع من العمل نادرًا ما يصنع عنوانًا صحفيًا بارزًا، كما أنه لا يقدم عادة إعلانًا مثيرًا يجذب الانتباه. فهو قد يعني تعديل قاعدة خاصة بالطيران، أو الثقة في حكم جهة تنظيمية في دولة أخرى، أو تجميع المخاطر، أو تصميم نظام يستمر في تقديم النتائج حتى بعد أن ينتقل الاهتمام السياسي إلى قضية أخرى.

لكن مع بقاء أقل من أربع سنوات لتحقيق هذه الأهداف العالمية، قد لا يكون الاختراق المقبل في مسيرة تحقيق أهداف التنمية المستدامة تكنولوجيا جديدة أو تعهدًا آخر بمليارات الدولارات.

قد يكون ببساطة قاعدة تنظيمية أُعيدت كتابتها في الوقت المناسب.

المصدر

مقالات ذات صلة