القائمة الرئيسية

علم شرود الذهن

علم شرود الذهن
ملخص المقال

تشير أبحاث شرود الذهن إلى أنه ليس مجرد تشتيت للانتباه، بل قد يكون آلية يستخدمها الدماغ لاسترجاع الذكريات وفهم الماضي والاستعداد للمستقبل، إذ تميل الأفكار أثناء الشرود إلى الانشغال بالماضي والمستقبل والمواقف الاجتماعية. وترتبط هذه العملية بشبكة الوضع الافتراضي في الدماغ، التي يبدو أنها تؤدي دورًا أساسيًا في التفكير المعتمد على المعلومات المسترجعة من الذاكرة. وقد يكون شرود الذهن مفيدًا عندما يمنح العقل مساحة لحل المشكلات والتخطيط وتوليد الأفكار، لكنه قد يصبح ضارًا عندما يتحول إلى اجترار متكرر لمشكلات الماضي التي لا يمكن تغييرها، وهو ما يرتبط بالمزاج السلبي والاكتئاب. لذلك يرى الباحثون أن الأهم ليس التخلص من شرود الذهن، بل فهم الظروف التي يكون فيها مفيدًا أو ضارًا والقدرة على التحكم فيه، ويمكن لليقظة الذهنية والعلاج السلوكي المعرفي أن يساعدا في الحد من أشكاله غير المفيدة، بينما قد يكون ترك العقل يسرح في المهام السهلة وسيلة لاستثمار الوقت في التفكير في أمور أخرى مهمة.

عندما بدأ عالم النفس جوناثان سمولوود دراسة شرود الذهن قبل نحو 25 عامًا، لم يعتقد كثير من زملائه أن ذلك كان فكرة جيدة. كيف يمكن للمرء أن يدرس أفكارًا عفوية وغير متوقعة تظهر عندما يتوقف الناس عن الانتباه إلى ما يحيط بهم وإلى المهمة التي يؤدونها؟ أفكار لا يمكن ربطها بأي سلوك خارجي قابل للقياس؟

لكن سمولوود، الذي يعمل حاليًا في جامعة كوينز في أونتاريو بكندا، مضى قدمًا في أبحاثه. واستخدم في ذلك مهمة حاسوبية مملة للغاية، صُممت لإعادة إنتاج أنواع شرود الانتباه التي قد تجعلنا، مثلًا، نسكب الحليب في فنجان شخص طلب قهوة سوداء. وبدأ بطرح مجموعة من الأسئلة الأساسية على المشاركين في الدراسات، بهدف معرفة متى ولماذا يميل الذهن إلى الشرود، وما الموضوعات التي يتجه إليها عندما يشرُد. وبعد فترة، بدأ أيضًا في تصوير أدمغة المشاركين، على أمل إلقاء نظرة على ما يحدث داخلها أثناء شرود الذهن.

اكتشف سمولوود أن العقول غير السعيدة تميل إلى الشرود نحو الماضي، بينما تميل العقول السعيدة غالبًا إلى التفكير في المستقبل. وأصبح مقتنعًا أيضًا بأن التنقل بين ذكرياتنا أمر بالغ الأهمية لمساعدتنا على الاستعداد لما سيأتي. ورغم أن بعض أشكال شرود الذهن، مثل الاستغراق في مشكلات لا يمكن حلها، قد ترتبط بالاكتئاب، يعتقد سمولوود الآن أن شرود الذهن نادرًا ما يكون مضيعة للوقت. فهو ببساطة محاولة من الدماغ لإنجاز بعض العمل عندما يعتقد أنه لا توجد أمور أخرى كثيرة تستحق الانشغال بها.

ويُعد سمولوود، الذي شارك في تأليف مراجعة مؤثرة لأبحاث شرود الذهن عام 2015 في مجلة Annual Review of Psychology، أول من يقر بأن العديد من الأسئلة لا تزال بحاجة إلى إجابات.

وقد عُدلت هذه المحادثة من حيث الطول والوضوح.

هل شرود الذهن هو الشيء نفسه مثل أحلام اليقظة، أم أنك ترى أنهما مختلفان؟

أعتقد أنهما يستخدمان عملية متشابهة في سياق مختلف. عندما تكون في عطلة ولديك الكثير من وقت الفراغ، قد تقول إنك تحلم في اليقظة بما تود أن تفعله لاحقًا. لكن عندما تكون تحت ضغط لإنجاز مهمة ما، فإنك قد تعيش الأفكار نفسها على هيئة شرود ذهني.

أعتقد أن الحديث عن العمليات الأساسية الكامنة وراء الظاهرة أكثر فائدة، مثل التفكير العفوي، أو انفصال الانتباه عن الإدراك الحسي، وهو ما يحدث عندما تنفصل أفكارنا عن إدراكنا للبيئة المحيطة. تحدث كلتا العمليتين أثناء شرود الذهن وأحلام اليقظة.

غالبًا ما يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن ندرك أننا شاردو الذهن. كيف يمكنكم رصد شرود الذهن لدراسته لدى أشخاص آخرين؟

في البداية، كنا نعطي الناس مهام تجريبية مملة جدًا، حتى يحدث شرود الذهن كثيرًا. وكنا نسألهم من وقت إلى آخر: «هل أنت شارد الذهن؟» بينما نسجل نشاط الدماغ باستخدام جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.

لكن ما أدركته بعد إجراء مثل هذه الدراسات لفترة طويلة هو أنه إذا أردنا معرفة كيفية عمل التفكير في العالم الحقيقي، حيث يشاهد الناس التلفاز أو يخرجون للجري مثلًا، فإن معظم البيانات التي جمعناها لن تخبرنا بالكثير عن ذلك.

لذلك نحاول الآن دراسة هذه المواقف. وبدلًا من إجراء تجارب نسأل فيها فقط: «هل أنت شارد الذهن؟»، أصبحنا نطرح على الناس الكثير من الأسئلة المختلفة، مثل: «هل أفكارك مليئة بالتفاصيل؟ هل هي إيجابية؟ هل تشتت انتباهك؟»

كيف ولماذا قررت دراسة شرود الذهن؟

بدأت دراسة شرود الذهن في بداية مسيرتي المهنية، عندما كنت شابًا وساذجًا.

لم أفهم في ذلك الوقت حقًا لماذا لم يكن أحد يدرسه. كان علم النفس آنذاك يركز على السلوك الخارجي القابل للقياس. وكنت أفكر في نفسي: هذا ليس ما أريد أن أفهمه عن أفكاري. ما أريد معرفته هو: لماذا تأتي هذه الأفكار؟ ومن أين تأتي؟ ولماذا تستمر حتى عندما تتداخل مع انتباهي لما يحدث هنا والآن؟

وفي الوقت نفسه تقريبًا، كانت تقنيات تصوير الدماغ تتطور، وكانت تخبر علماء الأعصاب بأن شيئًا ما يحدث في الدماغ حتى عندما لا يكون منشغلًا بمهمة سلوكية. وكانت مناطق كبيرة من الدماغ، التي نطلق عليها الآن اسم شبكة الوضع الافتراضي، تفعل العكس تمامًا. فعندما تعطي الناس مهمة، ينخفض النشاط في هذه المناطق.

وعندما ربط العلماء بين نشاط الدماغ وشرود الذهن، أصبحت الفكرة رائجة في الأبحاث. كنت محظوظًا جدًا، لأنني لم أكن أتوقع شيئًا من ذلك عندما بدأت دراسة الدكتوراه في جامعة ستراثكلايد في غلاسكو. لكنني شاهدت كل هذه التطورات تحدث أمامي.

هل يمكن القول إذن إن شرود الذهن هو الوضع الافتراضي لدماغنا؟

اتضح أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك. في البداية، كان الباحثون واثقين جدًا من أن شبكة الوضع الافتراضي نادرًا ما يزداد نشاطها أثناء أداء المهام. لكن هذه المهام كانت جميعها تركز على العالم الخارجي، أي إنها كانت تتطلب من الشخص القيام بشيء في البيئة المحيطة به. وعندما طلب الباحثون لاحقًا من الناس أداء مهمة لا تتطلب منهم التفاعل مع بيئتهم، مثل التفكير في المستقبل، وجدوا أن ذلك ينشط شبكة الوضع الافتراضي أيضًا.

وفي الآونة الأخيرة، اكتشفنا مهام أبسط بكثير تنشط شبكة الوضع الافتراضي أيضًا. فإذا جعلت الناس يشاهدون سلسلة من الأشكال، مثل المثلثات أو المربعات، على شاشة، ثم فاجأتهم بين الحين والآخر بسؤال مثل: «في المحاولة السابقة، على أي جانب كان المثلث؟»، فإن مناطق داخل شبكة الوضع الافتراضي تزداد فيها درجة النشاط عندما يتخذون ذلك القرار. وهذه ملاحظة يصعب تفسيرها إذا كنت تعتقد أن شبكة الوضع الافتراضي ليست سوى نظام خاص بشرود الذهن.

لكن ما تشترك فيه الحالتان هو أن الشخص يستخدم معلومات من الذاكرة. وأعتقد الآن أن شبكة الوضع الافتراضي ضرورية لأي تفكير يعتمد على المعلومات المسترجعة من الذاكرة، وهذا يشمل شرود الذهن.

هل سيكون من الممكن إثبات أن هذا هو ما يحدث بالفعل؟

في دراسة حديثة، بدلًا من سؤال الناس عما إذا كانوا ينتبهون، ذهبنا خطوة أبعد. كان المشاركون داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي يقرؤون جملًا قصيرة تتضمن معلومات واقعية على شاشة. وفي بعض الأحيان، كنا نعرض عليهم رسالة تقول «تذكّر»، يتبعها عنصر من قائمة أشياء من ماضيهم كانوا قد قدموها لنا في وقت سابق. وهكذا، بدلًا من مواصلة القراءة، كانوا يتذكرون الشيء الذي عرضناه عليهم. وبذلك أصبح بإمكاننا دفعهم عمدًا إلى التذكر.

وجدنا أن صور الدماغ في هذه التجربة تبدو شبيهة بشكل لافت بما نراه أثناء شرود الذهن. وهذا أمر مهم، لأنه يمنحنا قدرًا أكبر من التحكم في نمط التفكير مقارنة بما يحدث عندما يظهر شرود الذهن بصورة عفوية وطبيعية. وبالطبع، يمثل ذلك نقطة ضعف أيضًا، لأنه لم يعد عفويًا. لكننا أجرينا بالفعل عددًا كبيرًا من الدراسات حول شرود الذهن العفوي.

عندما نجعل الناس يتذكرون أشياء من القائمة، فإننا نعيد إنتاج قدر كبير مما رأيناه أثناء شرود الذهن العفوي. وهذا يشير إلى أن جزءًا من النشاط الذي نراه عندما تشرد أذهاننا يرتبط بالفعل باسترجاع الذكريات. ونعتقد الآن أن انفصال الانتباه عن الإدراك يحدث لأن الناس يسترجعون ذكرياتهم.

هل سألتم الناس إلى أين يتجه شرود أذهانهم؟

يبدو أن الماضي والمستقبل يهيمنان بدرجة كبيرة على تفكير الناس. وأعتقد أن أشياء مثل شرود الذهن هي محاولات من الدماغ لفهم ما حدث، حتى نتمكن من التصرف بصورة أفضل في المستقبل. وأعتقد أن هذا النوع من التفكير يمثل جزءًا متجذرًا بعمق في الطريقة التي تمكن بها جنسنا البشري من السيطرة على العالم. فما نفعله في أي لحظة تقريبًا لا يمكن اعتباره أمرًا مهمًا لتلك اللحظة وحدها.

وهذا يمثل اختلافًا أساسيًا. ولا أقصد بذلك أن الحيوانات الأخرى لا تستطيع تخيل المستقبل، لكن عالمنا قائم على قدرتنا على القيام بذلك، وعلى التعلم من الماضي لبناء مستقبل أفضل. وأعتقد أن الحيوانات التي ركزت على الحاضر فقط تفوقت عليها، على مدى ملايين السنين، حيوانات أخرى تتذكر ما حدث في الماضي ويمكنها التركيز على أهداف مستقبلية، إلى أن ظهر البشر، وهم نوع مهووس بأخذ ما حدث واستخدامه لاستخلاص قيمة إضافية للسلوك في المستقبل.

كما أن الناس كثيرًا ما تشرد أذهانهم حول المواقف الاجتماعية. وهذا منطقي، لأننا نحتاج إلى العمل مع الآخرين لتحقيق جميع أهدافنا تقريبًا، والآخرون أقل قابلية للتنبؤ بكثير من شروق الشمس في الصباح.

رغم أن العودة إلى قضايا الماضي تبدو مفيدة بوضوح، أليس من المحبط أيضًا أن نستمر في العودة إلى مشكلات حدثت سابقًا؟

بالتأكيد يمكن أن تكون كذلك. وجدنا أن شرود الذهن حول الماضي يرتبط غالبًا بالمزاج السلبي.

دعني أعطيك مثالًا على ما أعتقد أنه قد يحدث. بالنسبة إلى عالم مثلي، فإن التوصل إلى حلول إبداعية لمشكلات علمية من خلال شرود الذهن أمر مجزٍ للغاية. لكن يمكنك أن تتخيل أنه إذا تغير وضعي وأصبحت أواجه مجموعة من المشكلات التي لا أستطيع حلها، فقد تصبح عادة مراجعة الماضي مرارًا وتكرارًا أمرًا يصعب كسره. سيستمر دماغي في تنشيط نظام حل المشكلات، حتى لو لم يكن قادرًا على فعل أي شيء لإصلاح المشكلة، لأن مشكلاتي أصبحت مثل الطلاق، أو أن شريكي لم يعد يريد الاستمرار معي. إذا حدث شيء كهذا، ولم يكن لدي سوى نظام ذهني مخصص لحل المشكلات، فلن يساعدني ذلك، بل سيجعلني أشعر بالسوء. وفي هذه الحالة، عليّ ببساطة أن أترك الأمر.

وهنا أعتقد أن اليقظة الذهنية يمكن أن تكون مفيدة، لأن فكرة اليقظة الذهنية تتمثل في توجيه انتباهك إلى اللحظة الراهنة. لذلك، لو كنت أكثر ممارسة لليقظة الذهنية، فسأدخل في وضع حل المشكلات بصورة أقل.

وإذا أمضيت وقتًا كافيًا في ممارسة الحضور في اللحظة الراهنة، فربما يصبح ذلك عادة. الأمر يتعلق بالقدرة على التحكم في شرود الذهن. كما أن العلاج السلوكي المعرفي للاكتئاب، الذي يهدف إلى مساعدة الناس على تغيير طريقة تفكيرهم وسلوكهم، يمثل وسيلة أخرى لتقليل شرود الذهن الضار.

في الوقت الحاضر، يبدو أن كثيرًا من اللحظات التي كانت عقولنا تشرد فيها سابقًا أصبحت تُقضى الآن في تصفح هواتفنا. كيف تعتقد أن ذلك قد يغير طريقة عمل أدمغتنا؟

أعتقد أن الأمر المثير للاهتمام بشأن وسائل التواصل الاجتماعي وشرود الذهن هو أنهما قد تكون لهما دوافع متشابهة. شرود الذهن ذو طبيعة اجتماعية بدرجة كبيرة. ففي دراساتنا، نعزل الناس داخل مقصورات صغيرة ونجعلهم يؤدون هذه المهام، ثم يخرجون باستمرار ويقولون: «كنت أفكر في أصدقائي». وهذا يخبرنا بأن البقاء على اتصال بالآخرين ومتابعة ما يحدث لهم أمر مهم جدًا بالنسبة إلى الناس.

المجموعات الاجتماعية مهمة جدًا بالنسبة إلينا كنوع بشري، لدرجة أننا نقضي معظم وقتنا في محاولة توقع ما سيفعله الآخرون. وأعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي تملأ جزءًا من الفراغ الذي يحاول شرود الذهن ملأه. إنها تشبه الحصول على جرعة مباشرة من المعلومات الاجتماعية. يمكنك أن تحاول تخيل ما يفعله صديقك، أو يمكنك ببساطة معرفة ذلك عبر الإنترنت. لكن هناك بالطبع فرق مهم، فعندما تشرد ذهنيًا، فإنك ترتب أفكارك بنفسك، بينما تصفح وسائل التواصل الاجتماعي أكثر سلبية.

هل يمكن أن تكون هناك طريقة لقمع شرود الذهن في المواقف التي قد يكون فيها خطرًا؟

يمكن أن يكون شرود الذهن نعمة ونقمة في الوقت نفسه، لكنني لا أعتقد أننا نعرف حتى الآن، بدرجة كافية من الثقة، متى يكون من الأفضل إيقافه. نحاول حاليًا في دراساتنا رسم خريطة للطريقة التي يفكر بها الناس عبر مجموعة واسعة من أنواع المهام المختلفة. ونأمل أن يساعدنا هذا النهج على تحديد الحالات التي يكون فيها شرود الذهن مفيدًا على الأرجح أو غير مفيد، ومتى ينبغي لنا محاولة التحكم فيه ومتى لا ينبغي ذلك.

فعلى سبيل المثال، وجدنا في دراساتنا أن الأشخاص الأكثر ذكاءً لا تشرد أذهانهم كثيرًا عندما تكون المهمة صعبة، لكنهم يستطيعون السماح لأذهانهم بالشرود بدرجة أكبر عندما تكون المهام سهلة. ومن المحتمل أنهم يستخدمون أوقات الفراغ التي لا يتطلب فيها العالم الخارجي انتباههم للتفكير في أمور مهمة أخرى. وهذا يسلط الضوء على عدم اليقين المحيط بفكرة أن شرود الذهن أمر سيئ دائمًا، لأن مثل هذه النتائج تشير إلى أنه من المحتمل أن يكون مفيدًا في ظروف معينة.

وأصبحت هذه الخريطة، التي توضح كيف يفكر الناس في المواقف المختلفة، مهمة جدًا في أبحاثنا. وهذا هو العمل الذي سأركز عليه الآن، وربما لبقية مسيرتي المهنية.

المصدر

مقالات ذات صلة