القائمة الرئيسية

اللغات الأصلية خزائن للمعرفة البيئية

اللغات الأصلية خزائن للمعرفة البيئية
ملخص المقال

تكشف لغات السكان الأصليين عن معرفة بيئية عميقة تراكمت عبر آلاف السنين، إذ لا تقتصر علاقتها بالطبيعة على المفردات، بل تمتد إلى قواعد اللغة والأغاني والأمثال وطرق وصف الاتجاهات والأصوات، كما يظهر في لغة التوفان في سيبيريا التي تتضمن أسماء دقيقة للحيوانات والنباتات والمناظر الطبيعية، ومعايير تحدد كيفية التعامل المستدام مع البيئة. ويشير عالم اللغويات ديفيد هاريسون إلى أن هذه اللغات تحفظ معرفة واسعة بالتنوع الحيوي، تشمل أنواع الكائنات وموائلها ودورات حياتها واستخداماتها الطبية والغذائية، وهي معرفة قد لا تكون موثقة في العلم الغربي، ما يجعل إشراك المجتمعات الأصلية في أبحاث التنوع الحيوي وحمايته أمرًا مهمًا. وفي المقابل، يهدد اندثار آلاف اللغات الأصلية بضياع جزء كبير من هذه المعرفة، لأن ترجمتها أو توثيقها لا ينقل دائمًا المفاهيم الثقافية والبيئية المرتبطة بها، لذلك تبرز أهمية توثيق اللغات وإحيائها، وإنشاء قواميس ومشروعات بحثية تشرك أصحاب المعرفة بوصفهم شركاء ومالكين لها، بما يساهم في الحفاظ على اللغات والثقافات والمعارف البيئية والتنوع الحيوي في آن واحد.

يقال كثيرًا إن اللغة نافذة تطل على العقل البشري. وقد اختبر عالم اللغويات ديفيد هاريسون ذلك بنفسه عندما كان شابًا في تسعينيات القرن الماضي، حين سافر إلى جمهورية توفا الروسية ليقضي عامًا مع مجموعة من الرعاة الرحل. وخلال إقامته مع شعب التوفان، شهد العلاقة الوثيقة بين هؤلاء السكان الأصليين والحيوانات والطبيعة والمناظر الطبيعية التي يتعايشون معها. وهذه العلاقة متجذرة بعمق ليس في ثقافة التوفان فحسب، بل في لغتهم أيضًا، بدءًا من مفرداتها الغنية لوصف مواشيهم والعالم المحيط بهم، وصولًا إلى أصوات اللغة نفسها، التي يمكن أن تحاكي أصوات البيئة الطبيعية من حولهم بدرجة كبيرة.

ومنذ ذلك الحين، درس هاريسون لغات السكان الأصليين في مناطق أخرى من العالم، من جزر المحيط الهادئ في فانواتو إلى مرتفعات فيتنام، واكتشف أن كثيرًا من هذه اللغات تتمحور حول الطبيعة بهذه الطريقة، وتعكس آلاف السنين من المراقبة الدقيقة للعالم الطبيعي. وبدأ الباحثون يدركون بصورة متزايدة أن كثيرًا من هذه اللغات يحمل في بنيته معرفة واسعة بالأنواع والنظم البيئية في العالم، وهي معرفة لا تزال مجهولة للعلم الغربي، ويرى هاريسون أنها قد تكون بالغة الأهمية في حماية الطبيعة وسط أزمة الانقراض العالمية.

ويشير هاريسون إلى أن الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات أقرت منذ فترة طويلة بأن مجتمعات السكان الأصليين غالبًا ما تكون أكثر قدرة على الحفاظ على التنوع الحيوي من الأشخاص الأقل ارتباطًا بالطبيعة. ويقول هاريسون: «إذا كنا مستعدين لأن نتحلى بالتواضع الكافي لنتعلم من السكان الأصليين، فإن ما يعرفونه يمكن أن يساعد في إنقاذ الكوكب».

ويتمثل هدف «اللغويات البيئية» في العمل مع مجتمعات السكان الأصليين لفهم المعرفة البيئية المتجذرة في لغاتهم. ويصف هاريسون هذا المجال البحثي في مقال نشره عام 2023 في مجلة «Annual Review of Linguistics». وتزداد أهمية هذه المهمة إلحاحًا، لأن آلاف اللغات الأصلية في العالم نفسها مهددة بالاندثار، وقد تحل محلها لغات أكثر انتشارًا.

وتحدث هاريسون، الذي يدرّس في جامعة فين في هانوي بفيتنام، مع مجلة «Knowable Magazine» عن دراساته للغة التوفان وما يمكننا تعلمه من اللغات التي تتمحور حول الطبيعة. وقد جرى تحرير المقابلة من أجل الإيجاز والوضوح.

ما الذي يجعل اللغة تتمحور حول الطبيعة؟

كل لغة مرتبطة بالطبيعة. لكن عندما يبتعد الأشخاص الذين يتحدثون اللغة عن العالم الطبيعي، تبدأ تلك المعرفة في الذبول. في اللغة الإنجليزية، كنا نستخدم في الماضي كثيرًا من المصطلحات الخاصة بالحيوانات التي لم نعد نستخدمها كثيرًا. واليوم نقول ببساطة «صغير الحصان»، لأننا لم نعد نتذكر الفرق بين المهرة والمهر.

لكن لغة التوفان، التي يتحدث بها الرحل في سيبيريا، تتمحور حول الطبيعة بصورة خاصة، لأن غالبية أفراد شعب التوفان لا يزالون يعتمدون أساسًا على حيواناتهم وعلى البيئة الطبيعية المحيطة بهم. وهم يعيشون في قلب سيبيريا، وهي واحدة من أقسى البيئات على الأرض، ولذلك فإن اهتمامهم بالطبيعة ليس رفاهية أو هواية، بل مهارة للبقاء.

ويؤمن التوفان أيضًا بأن المناظر الطبيعية تتمتع بالوعي، أي أن لها إرادة وتأثيرًا في حياتهم وفي مواشيهم. ويقدمون القرابين بصورة متكررة للأرواح، ويبنون أكوامًا حجرية تسمى «أوفا» لاسترضاء الأرواح التي يعتقدون أنها تقيم في المناظر الطبيعية. كما يحرصون على احترام البيئة من خلال عدم إلقاء النفايات، والحفاظ على نظافة مواقع التخييم الموسمية، وتقديم الحليب والطعام إلى بعض المواقع المقدسة. وكل هذه الأمور تجعل لغتهم شديدة الارتباط بالطبيعة.

حدثني أكثر عن الفترة التي قضيتها في توفا. ما الذي فاجأك في ثقافة التوفان ولغتهم؟

على الرغم من أن لدى التوفان نظامًا للكتابة، فإن مجتمعهم لا يزال يعتمد بصورة أساسية على التقاليد الشفوية. وكانت لدي بعض التحيزات المسبقة تجاه ذلك. فعندما تنشأ في مجتمع يعتمد على القراءة والكتابة، فإنك تميل تلقائيًا إلى الاعتقاد بأن معرفة القراءة والكتابة تمثل مرحلة أرقى من التطور البشري، وأن الأشخاص الذين لا يعتمدون عليها يعانون نوعًا من النقص. وهذا يجعلنا لا نرى بوضوح المزايا المعرفية للمجتمع الشفهي وقدرته على نقل كميات هائلة من المعلومات من دون كتابة. الأمر يشبه تدريب الأثقال للدماغ.

كان الراوي التوفاني شوجداك أول خوفاليغ يجيد القراءة والكتابة باللغتين التوفانية والروسية، لكنه اعتمد بصورة كاملة على التقاليد الشفوية عندما حفظ عشرة آلاف بيت من ملحمة تحكي قصة بطلة. وتدور القصة حول شامانة شابة تمتلك قدرات سحرية تمكنها من تغيير شكلها، وتنطلق في رحلة لإعادة شقيقها المتوفى إلى الحياة، ويقودها في رحلتها حصانها الحكيم القادر على الكلام. ولكي تنجح في مهمتها، يتعين عليها الفوز في مسابقات الرماية وسباقات الجري والمصارعة.

بالنسبة إلى أولئك الذين يعيشون في مجتمعات تعتمد على القراءة والكتابة، تراجعت قدراتنا إلى درجة تجعل هذا الأمر يبدو أشبه بالسحر. أما أنا شخصيًا، فأكاد لا أستطيع حتى حفظ رقم هاتف. ولدى التوفان قول جميل هو «أوغانغا تونتشو تشوك»، ويعني «العقل لا نهاية له». وهم يؤمنون حرفيًا بأن العقل لا حدود لقدراته، ويبرهنون على ذلك من خلال قدرتهم الهائلة على الحفظ.

وكانت كل محادثة نجريها تتحول في النهاية إلى الحديث عن البيئة، لأن البيئة هي حياتهم ومصدر رزقهم. فالتوفان شديدو الانتباه إلى محيطهم، ويراقبون باستمرار الأفق والطقس وأصوات حيواناتهم. وهناك أشياء دقيقة جدًا قد لا أنتبه إليها أنا، لكنها مهمة بالنسبة إليهم. فقد أنظر إلى ماعزين وأراهما متشابهين، وكلاهما يبدو لي ماعزًا بني اللون. لكن بالنسبة إلى الأسرة التي كنت أقيم معها، كان هناك اختلاف دقيق في اللون أو النمط لم أتمكن من رؤيته بوضوح، وكان لهذا الاختلاف اسم خاص في لغتهم.

إذا كانت لديك تسمية تسمح لك بتمييز ماعز بعينه من بين قطيع يضم 200 ماعز، فهذه تقنية للبقاء. لقد كان اكتشاف أن اللغة يمكن أن تكون مرتبطة بالبيئة بهذه الطرق التي لم أصادفها من قبل تجربة وسعت تصوري للعالم.

هل تنعكس هذه النظرة التي تتمحور حول الطبيعة في المفردات فقط، أم أن هناك طرقًا أخرى ترمز بها لغة التوفان إلى المعرفة البيئية؟

إنها موجودة أيضًا في قواعد اللغة. فعلى سبيل المثال، تشير الطريقة المفضلة لقول «اذهب» في لغة التوفان إلى اتجاه التيار في أقرب نهر، وإلى مسارك أنت بالنسبة إلى اتجاه ذلك التيار. وهم يتتبعون هذه المعلومات باستمرار أثناء تنقلهم في البيئة المحيطة بهم.

عندما استضفت ذات مرة صديقًا من التوفان في مانهاتن، سألني: «أين النهر؟». فأخذته إلى الجانب الغربي من مانهاتن وأريته أحد الأنهار. فسجل موقعه، حتى يتمكن من استخدام أفعال الاتجاهات الطبوغرافية في لغة التوفان بصورة صحيحة داخل مدينة نيويورك.

يمكنك في الواقع العثور على المعرفة البيئية في كل مستوى من مستويات بنية اللغة. فعلى سبيل المثال، يتمتع التوفان بقدرة متطورة جدًا على محاكاة الأصوات الطبيعية المحيطة بهم باستخدام جهازهم الصوتي. وهذه القدرة هي الأساس لفنهم الشهير عالميًا في الغناء الحلقي.

ومن خلال أغانيهم، ينقلون المعرفة المتعلقة بالبيئة حتى على مستوى الأصوات نفسها.

ومن خلال محاكاة أصوات البيئة، يعتقد التوفان أنهم يتواصلون مع الأرواح التي تسكن البيئة المحيطة بهم. لكنهم يستخدمون هذه القدرة أيضًا لإحداث حالات نفسية ملائمة لدى حيواناتهم المستأنسة في مواقف مختلفة. فإذا رفضت ناقة إرضاع صغيرها، فلديهم أغنية تساعد الناقة على الوصول إلى حالة تجعلها مستعدة لإرضاع صغيرها.

كيف كانت تجربتك في تعلم لغة تتمحور حول الطبيعة مثل لغة التوفان؟ وهل غير ذلك نظرتك إلى علاقتنا بالطبيعة؟

بصراحة، لم أكن مهتمًا بالعالم الطبيعي إلى هذه الدرجة في البداية. لكن عندما تكون غالبية المحادثات التي تدور من حولك مرتبطة بالبيئة، تبدأ أنت أيضًا في الاهتمام بها.

على سبيل المثال، لدى التوفان كلمة «إي»، وتُنطق «ee»، وتعني الجانب الأقل انحدارًا من التل. وهذا مفهوم مهم جدًا، لأنك تريد تجنب الجانب شديد الانحدار من التل إذا كنت تمشي أو تركب حصانًا أو ترعى قطيعًا من الماعز.

وبمجرد أن تعلمت اسم هذا الجزء من التل، بدأت أبحث عنه وألاحظه. لكن قبل أن تمنحك اللغة هذا المفهوم، قد لا تنتبه إليه أصلًا. إن تعلم هذه المفاهيم المرتبطة بالطبيعة من خلال اللغة يجعلك ترى البيئة بطريقة مختلفة.

كيف تشكل هذه النظرة التي تتمحور حول الطبيعة الحياة اليومية للناس في توفا؟

ما يمتلكه السكان الأصليون في لغاتهم هو برنامج للاستدامة. فلدى التوفان حدود وضوابط تحدد الاستخدام الصحيح للبيئة، ومنها كيفية صيد الحيوانات أو ذبحها، ومتى يمكن القيام بذلك، والنباتات التي يمكن جمعها، ومتى وأين يمكن جمعها، وكيفية إظهار الاحترام للحيوانات التي يصطادونها، فضلًا عن العديد من الأعراف المتعلقة بكيفية التعامل مع الحيوانات المستأنسة. وهم يؤمنون بعدم أخذ أكثر مما يحتاجون إليه.

وتتجسد هذه المعرفة والمعايير السلوكية في لغة التوفان من خلال الأفعال والأسماء والعبارات والحِكم والأغاني والأقوال المأثورة. فإذا قال أحد التوفان: «ينبغي أن تنظف موقع التخييم الموسمي المقدس»، فقد تبدو العبارة بلا معنى تقريبًا عند ترجمتها إلى الإنجليزية، لأننا لا نمتلك مفهومًا مماثلًا لهذا النوع من المواقع.

لكن كلمة «خوناش» في لغة التوفان تستحضر استجابة عاطفية ووجدانية عميقة لدى المتحدثين بها، الذين يدركون فورًا مجموعة كاملة من المعتقدات والسلوكيات التي ترتبط بهذا المفهوم. فالاستدامة متجذرة في لغتهم ونظرتهم إلى العالم.

ماذا تعلمت من اللغات الأصلية الأخرى فيما يتعلق بالطريقة التي تتضمن بها المعرفة البيئية؟

إنها مشبعة تمامًا بالمعرفة البيئية. وقد تركز عملي الأخير في دولة فانواتو الواقعة في جنوب المحيط الهادئ، حيث أدرس التقويمات البيئية، وهي أنظمة لغوية تستخدم لتتبع الوقت خلال السنة.

وتستند هذه التقويمات إلى دورات طبيعية، مثل إزهار بعض النباتات أو ظهور ثمارها، أو ظهور أنواع معينة من الطيور والحشرات، أو أنماط الطقس. وقد راقب سكان ميلانيزيا، وهم السكان الأصليون لمنطقة أوقيانوسيا، هذه الأنماط لفترة طويلة جدًا لدرجة أنها أصبحت موثوقة تمامًا بوصفها وسيلة لمعرفة الوقت وتحديد فصول السنة.

وهنا في فيتنام، أعمل مع أفراد أقلية البهنار العرقية. وجميع الفنون اليدوية التي ينتجونها، سواء كانت صناعة السلال أو العمارة أو القوارب أو المنسوجات، تمثل أيضًا مؤشرات على حالة البيئة.

هناك سلة معينة أفكر فيها مصنوعة من أربعة أنواع مختلفة من النباتات، لكن أحد هذه النباتات أصبح نادرًا في الآونة الأخيرة بسبب إزالة الغابات وتغير المناخ، ولذلك اضطروا إلى استخدام البلاستيك بدلًا منه. فإذا نظرت إلى السلة، وإلى المفردات المستخدمة للحديث عنها، فإنها تروي قصة عن الحالة الراهنة للبيئة.

ماذا يمكننا أن نتعلم من هذا النوع من المعرفة البيئية المتجذرة في لغات السكان الأصليين؟

إن معرفة السكان الأصليين ببيئاتهم الطبيعية تتجاوز بكثير ما يعرفه العلماء الغربيون، وهي معرفة يعبرون عنها بصورة فريدة من خلال لغاتهم. فعلى سبيل المثال، لم تُصنف معظم الأنواع النباتية في العالم بعد ضمن الإطار العلمي الغربي للتصنيف. لكن عندما تتحدث إلى السكان المحليين، تجد أنهم يعرفون عادة جميع النباتات والحيوانات الموجودة في بيئتهم.

أتذكر أنني التقيت رجلًا يدعى روبن نيريام في فانواتو. قضيت أكثر من أسبوع أعمل معه ومع فريق من علماء النبات من حديقة نيويورك النباتية، وكنا ننظر إلى صور عينات النباتات والعينات نفسها.

وقد تمكن من تسمية أكثر من ألفي نبات، وهو أمر مذهل. ولم يكن يكتفي بتسمية النباتات، بل كان يتحدث عن الأماكن والأوقات التي تنمو فيها، والوقت المناسب لجمعها، وكيفية معالجتها، وما تمتلكه من خصائص طبية وغذائية.

هناك قاعدة هائلة من المعرفة لا تحظى بالتقدير الكافي ولا تزال مجهولة إلى حد كبير بالنسبة إلى العلم الغربي.

كيف يمكن استخدام هذه المعرفة للمساعدة في حماية التنوع الحيوي؟

من أجل حماية التنوع الحيوي، علينا أولًا أن نعرف مقدار التنوع الموجود وأماكن وجوده. وهناك عدد من الأوراق العلمية الحديثة التي تناقش مسألة كيفية قياس التنوع الحيوي أصلًا.

والسكان الأصليون أقرب منا بكثير إلى معرفة مدى غنى بيئاتهم بالأنواع المختلفة، وكيفية استخدامها في الغذاء أو الطب، وكيف تتفاعل هذه الأنواع وتتصرف.

فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة نشرها ديفيد فليك وروبرت فوس عام 2016 أن كثيرًا من الحقائق التي يعرفها شعب الماتسيس في منطقة الأمازون عن سلوك حيوان المدرع لا يعرفها العلماء الغربيون.

ويمكن لهذا النوع من المعرفة أن يساعدنا على فهم التنوع الحيوي. وعلينا أن نتجاوز تحيزنا القائل إن العلم الغربي متفوق على طرق التفكير لدى السكان الأصليين.

هل ترى أي مؤشرات على أن العلم الغربي بدأ عمومًا في الاعتراف بالمعرفة البيئية التي تمتلكها مجتمعات السكان الأصليين؟

هناك مجالات مثل علم النبات العرقي، الذي يكرس اهتمامه بالكامل تقريبًا للمعرفة الأصلية. وأرى أن علم اللغويات يتحرك في الاتجاه نفسه.

لكن للأسف، لا تزال هناك في بعض مجالات العلوم تلك النظرة الاستعمارية القائمة على فكرة الاكتشاف الزائفة. فعلى سبيل المثال، أعلن الصندوق العالمي للطبيعة عام 2023 عن اكتشاف مئات الأنواع الجديدة في فيتنام.

لكن ما لم يفعلوه هو سؤال السكان الأصليين المحليين: «ماذا تسمون هذا الحيوان؟»

كان السكان المحليون سيخبرونهم ليس فقط بالاسم الذي يطلقونه على الحيوان، بل أيضًا بالقصص والأساطير المرتبطة به، وسبب أهميته، ودورة حياته.

لكن يمكننا جميعًا الوصول إلى هذه المرحلة. نحن بحاجة فقط إلى احترام السكان الأصليين والتعامل معهم بوصفهم شركاء متساوين ومعلمين لنا في مجال التنوع الحيوي.

ونحن نعيش لحظة حاسمة في التاريخ. وعلينا أن نتحرك الآن، قبل أن نفقد التنوع الحيوي الذي كان الناس يعرفونه في السابق.

من بين نحو 7000 لغة معروفة، يُعد ما يقارب نصفها مهددًا بالاندثار. ما الذي يمكن فعله للحفاظ عليها وعلى المعرفة الثقافية والبيئية التي تحتوي عليها؟

تتعرض اللغات الأصلية لضغوط هائلة من اللغات العالمية مثل الإنجليزية والصينية، أو بسبب الإهمال، أو القمع المباشر لمجتمعات السكان الأصليين.

كما أن المعرفة البيئية التي تحتوي عليها هذه اللغات لا يمكن نقلها بسهولة إلى لغات أخرى، ولذلك فإن قدرًا كبيرًا منها سيضيع بالتأكيد إذا توقفت اللغة عن التداول، حتى لو جرى توثيقها.

ولهذا تجري حاليًا جهود متعددة الأنواع، من بينها توثيق اللغات والعمل على إحيائها وإعادة استخدامها.

وقد أنشأت منصة إلكترونية تسمى «القواميس الناطقة»، تعمل على جمع المعرفة الأصلية المتعلقة بالبيئة من خلال الكلمات والترجمات والتسجيلات الصوتية والصور الخاصة بالأنواع، وتستضيفها كلية سوارثمور.

فعلى سبيل المثال، يحتوي «القاموس الناطق للغة أنيتيوم»، وهي لغة يتحدث بها سكان الجزيرة الواقعة في أقصى جنوب فانواتو، على قدر كبير من الخبرة النباتية التي يمتلكها روبن.

وقد أنشأنا أكثر من 200 قاموس من هذه القواميس الناطقة، وهي تمثل ملكية فكرية للمجتمعات التي تنتمي إليها.

وفي الآونة الأخيرة، ومن خلال عملي الحالي هنا في فيتنام، أساعد في إطلاق «مركز الذكاء البيئي» في جامعة فين، وهو مركز يضم تخصصات متعددة معنية بالتنمية المستدامة بيئيًا، بما في ذلك أبحاثي الأنثروبولوجية في مجال اللغويات البيئية.

والأهم من ذلك أن المركز يضم خبراء من السكان الأصليين بوصفهم شركاء متساوين وأوصياء على المعرفة المتعلقة بالتنوع الحيوي.

فعلى سبيل المثال، يقرر أفراد شعب البهنار وغيرهم من الخبراء الذين أعمل معهم بأنفسهم أي معرفة يريدون توثيقها ومشاركتها، وتظهر أسماؤهم بوصفهم مؤلفين مشاركين في «قاموس البهنار الناطق» وفي الأبحاث المحكمة التي ننشرها.

كما يعملون مستشارين خبراء بأجر ضمن مشروعي وضمن المركز، ونوفر لهم التدريب والتكنولوجيا حتى يتمكنوا من تنفيذ مشاريع مستقلة.

ومن خلال معاملتهم بوصفهم شركاء متساوين وليسوا مجرد أشخاص خاضعين للدراسة، يمكننا الارتقاء بثقافتهم ومعرفتهم، والمساهمة في بقائهم واستمرار مجتمعاتهم.

المصدر

مقالات ذات صلة