عندما سُئل الكاتب التشيكي الشهير ميلان كونديرا عن سبب عدم شروعه في كتابة الروايات حتى بلغ الثلاثينيات من عمره، أجاب بأنه لم يكن يمتلك الخبرة اللازمة عندما كان أصغر سنًا. وأضاف: «ذلك الأحمق الذي كنت عليه، لا أرغب حتى في رؤيته».
كثيرون منا ينظرون إلى ذواتهم السابقة ويشعرون بالحرج عندما يتذكرون مدى عدم نضجهم في مراحل سابقة من حياتهم. ونختلف بدرجة كبيرة في مدى شعورنا بالألفة والارتباط مع ذواتنا الماضية، وكذلك مع ذواتنا المستقبلية. ويطلق علماء النفس على هذه السمة اسم «استمرارية الذات»، ويشيرون إلى أنها تؤدي دورًا بالغ الأهمية في تحديد مستوى رفاهنا على المدى الطويل.
خلال السنوات الأخيرة، أظهرت مجموعة متزايدة من الأبحاث أن الشعور بالترابط والانسجام بين ذواتنا الماضية والحاضرة يمكن أن يعزز الصحة النفسية، ولا سيما «المرونة العاطفية». أما ارتباطنا بذواتنا المستقبلية، فيمكن أن يؤثر في قرارات ذات آثار طويلة المدى على رفاهنا في المستقبل، بدءًا من مراقبة نظامنا الغذائي ووصولًا إلى الادخار من أجل التقاعد.
تقول كورينا لوكنهوف، عالمة الشيخوخة في جامعة كورنيل، التي تدرس هذه السمة، إن استمرارية الذات تمنحنا «فهمًا للمكان الذي أتينا منه والمكان الذي نتجه إليه. إنها تمنحنا الاتجاه والهدف والهوية».
جالسون في الحاضر
شبّه عالم النفس في القرن التاسع عشر ويليام جيمس التجربة الإنسانية بالجلوس على سرج «ننظر منه في اتجاهين عبر الزمن». لكن الباحثين المعاصرين وجدوا أن القدرة على النظر بصورة ذات معنى في أي من الاتجاهين، أو حتى الرغبة في ذلك، تختلف من شخص إلى آخر، تمامًا مثل السمات النفسية الأخرى ككون الشخص منفتحًا على الآخرين أو أكثر ميلًا إلى الانطواء.
يقول عالم النفس هال هيرشفيلد من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس: «يشعر بعض الناس بدرجة كبيرة من التشابه والاستمرارية مع ذواتهم المستقبلية، بينما لا يفكر بعضهم الآخر في تلك الذات المستقبلية على الإطلاق، ويبدو الأمر بالنسبة إليهم كما لو أنها شخص غريب تقريبًا».
تركز معظم الدراسات المتعلقة باستمرارية الذات على المستقبل وليس الماضي. وعادة ما يقيس الباحثون استمرارية الذات المستقبلية من خلال سؤال الأشخاص عن مدى شعورهم بالتشابه مع ذات مستقبلية متخيلة. ففي دراسة أجريت عام 2009 وشملت 164 شخصًا، استخدم هيرشفيلد وفريقه سلسلة من مخططات فن، تتكون من دائرتين تتداخلان بدرجات متفاوتة. وطُلب من المشاركين اختيار زوج الدوائر الذي يصف بصورة أفضل مدى التشابه والترابط الذي يشعرون به مع ذواتهم بعد عشر سنوات. وتراوحت إجابات المشاركين بين شعور بوجود تداخل يكاد يكون معدومًا، وشعور بوجود تداخل شبه كامل.
وتعتمد الاختلافات بين الأشخاص على مجموعة متنوعة من العوامل، إلى جانب التأثيرات الأساسية للوراثة والبيئة. فقد أظهرت الدراسات أن كبار السن، الذين تكون آفاقهم الزمنية المتوقعة أقصر، يميلون إلى امتلاك شعور أكبر باستمرارية الذات. وينطبق الأمر كذلك على أفراد الثقافات الشرق آسيوية، التي يرى بعض الباحثين أنها تميل إلى تبني نظرة أكثر شمولًا وترابطًا للعالم. وفي المقابل، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب، أو الفقر، أو صدمات الطفولة، يميلون إلى الشعور بدرجة أقل من الارتباط بذواتهم المستقبلية.
رجل الصباح في مواجهة رجل الليل
يمكن لدرجة الانسجام التي نشعر بها مع أنفسنا عبر الزمن أن تدعمنا أو تعرقلنا. فالأشخاص الذين يمتلكون ارتباطًا أقوى بذواتهم المستقبلية قد يكونون أكثر استعدادًا لتحمل تكاليف قصيرة المدى من أجل الحصول على فوائد مستقبلية، والعكس صحيح.
ويجسد الكوميدي جيري ساينفيلد هذا الصراع في مقطع ساخر يتحدث فيه عن الطريقة التي يتحمل بها «رجل الصباح» دائمًا عواقب تصرفات «رجل الليل» الذي يعيش اللحظة. يقول: «تستيقظ في الصباح، يرن المنبه، وأنت مرهق ومشوش الذهن. فتقول: آه، أنا أكره رجل الليل هذا! أرأيت؟ رجل الليل دائمًا يورط رجل الصباح».
ويظهر التوتر نفسه في مشكلة أوسع وأكثر جدية تتمثل في عدم ادخار كثير من الأمريكيين ما يكفي للتقاعد. ففي استطلاع أُجري عام 2022 وشمل أكثر من 1100 متقاعد، قال 70 بالمئة منهم إنهم تمنوا لو أنهم بدأوا الادخار في وقت أبكر. ويقول هيرشفيلد إن هذه الأزمة المتنامية هي التي دفعته إلى تركيز أبحاثه على استمرارية الذات والنتائج السلوكية المترتبة عليها. وقد وجد هو وباحثون آخرون أن الأشخاص الذين يتمتعون بدرجة أكبر من استمرارية الذات يكونون أكثر ميلًا إلى الانخراط في سلوكيات تحقق فوائد مستقبلية، ولا يقتصر ذلك على الادخار للتقاعد، بل يشمل أيضًا الاهتمام بصحتهم في الوقت الحاضر.
وتشير أبحاث هيرشفيلد أيضًا إلى أن الأشخاص الذين يتمتعون باستمرارية ذات أقوى يكونون أكثر ميلًا إلى التصرف بطريقة أخلاقية ومسؤولة. ففي دراسة أجريت عام 2012، قاس هيرشفيلد وزملاؤه مستوى استمرارية الذات لدى 85 طالبًا من جامعة نورث وسترن، ثم أجروا معهم اختبارًا لاحقًا لتقييم سلوكهم الأخلاقي. ووجد الباحثون أن 50 بالمئة فقط من الأشخاص الذين حصلوا على درجات منخفضة في استمرارية الذات حضروا الاختبار اللاحق، مقارنة بـ73 بالمئة ممن حصلوا على درجات مرتفعة. والأكثر من ذلك أن 77 بالمئة من أصحاب الدرجات المنخفضة الذين حضروا الاختبار كانوا مستعدين للكذب على شريك مجهول الهوية من أجل كسب مزيد من المال عندما خضعوا لما يسمى «لعبة الخداع»، في حين لم يكن مستعدًا لفعل ذلك سوى 36 بالمئة من أصحاب الدرجات المرتفعة.
وقد يدفع الشعور الأقوى بالارتباط بالذات المستقبلية الأشخاص أيضًا إلى تبني سلوكيات أكثر مسؤولية تجاه البيئة. ففي دراسة أجريت عام 2022، استقطب الباحثون 175 طالبًا جامعيًا من جامعة حكومية أمريكية لم يُذكر اسمها، ووزعوهم عشوائيًا على ثلاث مجموعات. طُلب من المجموعة الأولى أن تتخيل نفسها في سن الستين، بينما طُلب من المجموعتين الأخريين أن تتخيلا نفسيهما في الوقت الحاضر أو تتخيلا شخصًا آخر في الوقت الحاضر. بعد ذلك، شارك جميع الطلاب في لعبة يمكنهم خلالها أخذ أسماك افتراضية من بركة.
وأظهرت التجربة أن الطلاب الذين ركزوا على ذواتهم المستقبلية قللوا عدد الأسماك التي يأخذونها في كل جولة، بهدف الحفاظ على مخزون الأسماك لفترة أطول. أما الطلاب الذين ركزوا على الحاضر، فكانوا أكثر ميلًا إلى استنزاف المخزون بسرعة.
اكتب رسالة إلى نفسك، ثم أجب عنها
على مدى أكثر من عقد، بحث العلماء عن طرق للتأثير في مستوى استمرارية الذات لدى المشاركين في الدراسات، بهدف دفعهم إلى التصرف بدرجة أكبر من الحكمة والتروي. وقد أبلغوا عن نجاحهم في استخدام مجموعة متنوعة من الأساليب، من بينها جعل الأشخاص يتفاعلون مع نسخة مولدة بالحاسوب من أنفسهم في سن أكبر، وأحيانًا باستخدام نظارات الواقع الافتراضي.
وفي الآونة الأخيرة، ظهر برنامج جديد يسمى «Future You»، طوره باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ويمنح الشباب فرصة للتحدث عبر الإنترنت مع محاكاة مولدة بالذكاء الاصطناعي لأنفسهم عندما يبلغون الستين من العمر. ووجدت دراسة حديثة شملت 344 مشاركًا أن المستخدمين الذين تفاعلوا مع ذواتهم المستقبلية أفادوا بزيادة «استمرارية الذات المستقبلية»، وربما نتيجة لذلك، سجلوا مستويات أقل بكثير من القلق مقارنة بالأشخاص الذين لم يخوضوا هذه التجربة.
ويُعد برنامج «Future You» نسخة متقدمة تقنيًا من أسلوب مارسه معلمو المدارس الثانوية والمرشدون منذ فترة طويلة، إذ يشجعون الطلاب على كتابة رسائل إلى ذواتهم المستقبلية، كما لو كانوا يكتبون إلى صديق بالمراسلة. وفي دراسة تجريبية شملت طلابًا في المدارس الثانوية في اليابان، ذهبت عالمة النفس الاجتماعي آن إي. ويلسون من جامعة ويلفريد لورييه في أونتاريو، إلى أبعد من ذلك. فقد طلبت هي وزميلها يوتا تشيشيما من الطلاب الذين كتبوا رسالة إلى ذواتهم المستقبلية أن يكتبوا ردًا عليها، متخيلين كيف يمكن أن تجيب ذواتهم المستقبلية.
وجد الباحثون أن كتابة رسالة من المستقبل إلى الحاضر جعلت الطلاب يشعرون بارتباط أكبر بذواتهم المستقبلية. وبعد شهر، أفاد الطلاب الذين كتبوا ردًا من منظور ذواتهم المستقبلية بأنهم أصبحوا أكثر انخراطًا في التخطيط لمسيرتهم المهنية، وأكثر استعدادًا لبذل جهد كبير في الدراسة حتى عندما تواجههم مغريات تشجعهم على عدم القيام بذلك، مقارنة بالطلاب الذين كتبوا الرسالة الأولى فقط، وفقًا لويلسون وتشيشيما.
ومع ذلك، يشير باحثون من جامعة ساوثهامبتون في المملكة المتحدة في مراجعة نشرت عام 2023 في مجلة «المراجعة السنوية لعلم النفس» إلى أن تقصير الأفق الزمني قد يكون مفيدًا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي الشعور القوي جدًا بالاستمرارية مع الذات الماضية إلى إعاقة الجهود المبذولة في الحاضر للتخلي عن «التكاليف الغارقة»، أي الاستثمارات التي سبق إنفاقها على خطة أو مشروع محكوم عليه بالفشل.
وقد ينطبق الأمر نفسه على الإقلاع عن عادة سيئة، مثل إدمان المخدرات. تقول ويلسون: «قد يكون الماضي السيئ أشبه بمرساة لشخص ما. كأن يقول: إذا كنت قد فشلت في هذا الأمر في الماضي، فهذا يعني أنني سأفشل فيه في المستقبل».
وتضيف ويلسون: «لكن من ناحية أخرى، يمكن أن يكون الماضي السيئ شيئًا نتعلم منه، ثم نكتشف استراتيجيات مختلفة للمستقبل حتى لا نستمر في ارتكاب الأخطاء نفسها».
وربما كان ميلان كونديرا مثالًا على ذلك، إذ رفض بصورة شديدة الرجل الذي كان عليه في عشرينيات عمره، ثم توفي عن عمر يناهز 94 عامًا في عام 2023، بعد مسيرة أدبية طويلة وحافلة بالنجاح والشهرة.
أأعيش أم أموت؟ أي ذات هي التي تملك حق الاختيار؟
تتمثل إحدى أكثر القضايا تعقيدًا المرتبطة باستمرارية الذات في الطريقة التي يمكن أن تتغير بها نظرة الإنسان إلى الحياة والموت مع اقترابه من نهاية حياته.
تميل عقولنا إلى التغير في ظل الظروف القاسية. فعندما سأل الباحثون أشخاصًا أصحاء عما إذا كانوا سيوافقون، في حال افتراض تعرضهم للسرطان، على الخضوع لعلاج كيميائي قاسٍ من شأنه أن يطيل حياتهم ثلاثة أشهر، قال 10 بالمئة فقط نعم، وفقًا لعالم النفس هال هيرشفيلد من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. لكن عندما طُرح السؤال نفسه على مرضى السرطان، ارتفعت النسبة إلى أكثر من أربعة أضعاف.
وخلال السنوات الأخيرة، كتب ملايين الأمريكيين المتقدمين في السن توجيهات مسبقة بشأن الرعاية الطبية، حيث تضمنت تعليمات كثير منهم السماح لهم بالموت دون تدخلات علاجية إذا أصيبوا بالمرض بعد معاناتهم من الخرف، انطلاقًا من افتراض أن الحياة في تلك الحالة لن تكون جديرة بالعيش.
لكن ماذا يحدث إذا غيروا رأيهم، كما حدث مع مرضى السرطان؟ ماذا لو أن ذواتهم الأصغر سنًا لم تتمكن من توقع مدى تشبث ذواتهم الأكبر سنًا بالحياة، بل وربما استمتاعها بما تبقى منها؟
يقول هيرشفيلد: «هذا يطرح سؤالًا: بمن ينبغي أن نثق؟ من هي الذات الحقيقية؟ هل هي الذات التي وضعت الخطة، أم الذات الموجودة في أي لحظة زمنية معينة، حتى لو كانت تلك الذات تعاني من الخرف؟»
