القائمة الرئيسية

كيف نصنّف الآخرين من خلال تفاعلاتنا الاجتماعية؟

كيف نصنّف الآخرين من خلال تفاعلاتنا الاجتماعية؟
ملخص المقال

يستكشف كتاب "التصنيفات في التفاعل الاجتماعي" لكيفن وايتهيد، إليزابيث ستوكو، وجيفري ريموند، الميل البشري إلى وضع الآخرين ضمن تصنيفات مسبقة خلال تفاعلاتنا اليومية، وهي عملية يمكن أن تعزز الصور النمطية وتؤدي إلى التحيز والتمييز. يعتمد الكتاب على تحليل المحادثات وأمثلة واقعية غنية، ويتبنى منظورًا إثنوميثودولوجيًا لفهم كيفية عمل هذه التصنيفات وتأثيراتها الاجتماعية العميقة، بدلًا من مجرد إدانتها. يقدم العمل إسهامًا مهمًا في دراسة التفاعل الاجتماعي، مسلطًا الضوء على العمليات الداخلية والتأثيرات غير المعلنة للأفكار المسبقة، ويتطرق إلى تطبيقات تحليل المحادثة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، مما يجعله مرجعًا قيمًا للباحثين والطلاب.

يستكشف كتاب «التصنيفات في التفاعل الاجتماعي» من تأليف كيفن وايتهيد وإليزابيث ستوكو وجيفري ريموند، الميل البشري إلى وضع الآخرين ضمن تصنيفات مسبقة خلال تفاعلاتنا اليومية، وهي عملية يمكن أن تعزز الصور النمطية وتؤدي إلى التمييز. ويستند الكتاب إلى تحليل المحادثات وأمثلة واقعية غنية، ليقدم إسهامًا مهمًا في دراسة التفاعل الاجتماعي.

كيف نفهم أنفسنا والآخرين؟

كيف نرى أنفسنا؟ وكيف ننظر إلى الآخرين؟ وهل الطريقة التي نرى بها أنفسنا هي نفسها التي يفسرنا بها الآخرون؟

في اللحظة التي نلتقي فيها بشخص جديد للمرة الأولى، نميل إلى وضعه ضمن تصنيفات مألوفة لدينا. والأشخاص الذين نتفاعل معهم لديهم ميل مماثل إلى تصنيفنا وفقًا لمظهرنا وسلوكنا وشخصياتنا، بناءً على وجهات نظرهم وخبراتهم في الحياة. فنحن جميعًا ننتمي، بطريقة أو بأخرى، إلى مجموعة من التصنيفات الموجودة مسبقًا والتي لم نخترها، مثل الأقليات المرئية، والأشخاص الذين تبدو عليهم علامات التعليم، والشباب وكبار السن، وغيرهم.

ويمثل تحليل هذه الظاهرة والتفاعلات الاجتماعية بصورة عامة أحد الجوانب التي تميز علم الاجتماع عن التخصصات القريبة منه، مثل علم النفس. فعلماء النفس يركزون بصورة أكبر على الإدراكات الفردية، بينما يهتم معظم علماء الاجتماع بالتفاعل بين الأفراد وما ينتج عنه من عمليات، ومن ذلك ما يمكن دراسته من خلال تحليل المحادثة.

يستكشف كتاب «التصنيفات في التفاعل الاجتماعي» العمليات الداخلية التي تحدث أثناء التفاعلات الاجتماعية، ويسلط الضوء على آثار المواقف والأفكار المسبقة التي لا تخضع للتساؤل.

تناولت مجموعة من الدراسات الحديثة ديناميكيات التفاعل والأفكار المسبقة التي تشكله. فقد بحث العلماء جوانب مختلفة من هذا الموضوع الواسع، بدءًا من التفاعل الرمزي والسرديات، وصولًا إلى تحليل المحادثة والأشكال الخفية من التمييز.

ويستكشف الكتاب الجديد الذي ألفه كيفن وايتهيد وإليزابيث ستوكو وجيفري ريموند العمليات الداخلية التي تحدث في التفاعلات الاجتماعية، ويسلط الضوء على تأثير المواقف والأفكار المسبقة التي نتعامل معها باعتبارها مسلّمات. ويتخصص المؤلفون الثلاثة في دراسة التفاعل الاجتماعي وتحليل المحادثة، إذ يعمل وايتهيد وريموند في قسم علم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، بينما تعمل ستوكو في قسم العلوم النفسية والسلوكية في كلية لندن للاقتصاد. ويتناول المؤلفون التفاعلات الاجتماعية من زوايا متعددة، مع تبني منظور يجمع بين تخصصات مختلفة.

الميل إلى التصنيف

تؤدي التصنيفات، وبالتالي عمليات التصنيف والميل التلقائي إلى تصنيف الآخرين، دورًا مهمًا في حياتنا اليومية وتجاربنا المختلفة. وحتى عندما لا ندرك ذلك بصورة كاملة، فإننا «نصنف أنفسنا والأشخاص الآخرين، أفرادًا وجماعات، بصورة لا مفر منها وبطرق لا حصر لها خلال تفاعلاتنا اليومية».

لكن التصنيف قد يكون ضارًا بالآخرين ومضللًا لنا أيضًا، لأنه قد يؤدي إلى تكوين الصور النمطية والتحيز والتمييز والتهميش وإقامة علاقات قائمة على تفاوت القوة.

وسواء أحببنا ذلك أم لا، فإن هذه هي الطريقة التي يعمل ويفكر ويتفاعل بها كثير من الناس عندما يتعاملون مع الآخرين، خصوصًا الغرباء. ولذلك، بدلًا من الاكتفاء بإدانة عادة التصنيف أو الحكم على الآخرين، ينبغي لعلماء الاجتماع اليوم فهم هذه الأنماط من التفاعل، التي يمكن أن تقود أحيانًا إلى مشكلات اجتماعية مثل العنصرية والتمييز على أساس العمر وأشكال أخرى من الوصم ونزع الصفة الإنسانية والإقصاء الاجتماعي.

فعلى سبيل المثال، قد يُنظر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارهم أشخاصًا ذوي إعاقة فقط، بدلًا من النظر إليهم باعتبارهم أفرادًا يمتلك كل منهم مجموعة متنوعة من الصفات والهويات والتجارب.

يضم كتاب «التصنيفات في التفاعل الاجتماعي» عشرة فصول، ويستند بدرجة كبيرة إلى المنظور الإثنوميثودولوجي الذي وضع أسسه هارولد غارفنكل. ولا يسعى منهج غارفنكل، على عكس الوظيفية التي تحاول فهم الجماعات والمجتمعات باعتبارها نظامًا متكاملًا يفرض «ضغطًا اجتماعيًا» على الأفراد، إلى النظر إلى المجتمع بهذه الطريقة.

ويُعد كتاب غارفنكل «دراسات في الإثنوميثودولوجيا» الصادر عام 1967، من الأعمال المؤسسة لهذا المجال، الذي يبحث في الطرق التي يستخدمها الناس العاديون لبناء عالم اجتماعي مستقر من خلال أقوالهم وأفعالهم اليومية.

ويتميز الإطار النظري للكتاب بالقوة والوضوح والارتباط بالبحوث المعاصرة. ولا يصدر المنهج الإثنوميثودولوجي حكمًا على الميل إلى التصنيف، وإنما يبحث في كيفية إنتاج هذه المعتقدات وتأثيراتها اجتماعيًا وإعادة إنتاجها.

ويهدف علماء الإثنوميثودولوجيا إلى «تحليل الطريقة التي تعمل بها هذه التصنيفات، بدلًا من استخدامها ببساطة بالطريقة نفسها التي تُستخدم بها في العالم».

ويحضر في الكتاب أيضًا عدد من المنظرين الأساسيين، من بينهم علماء اللغة الاجتماعية هارفي ساكس، الذي نشر الكتاب المؤثر «محاضرات في المحادثة» عام 1992، وإيمانويل شيغلوف، مؤلف كتاب «تنظيم التسلسل في التفاعل» الصادر عام 2007، والذي يستشهد المؤلفون بأعماله على نطاق واسع.

تقدم الفصول الأساسية أمثلة مفصلة عديدة من تحليل المحادثة، إلى جانب استراتيجيات تساعد على اكتشاف مظاهر التصنيف الدقيقة، وأحيانًا الواضحة، التي تقود إلى الصور النمطية والتمييز في المحادثات اليومية.

وتقدم الفصول من الثالث إلى التاسع أمثلة عديدة ومفصلة على تحليل المحادثة، وتعرض استراتيجيات لاكتشاف مظاهر التصنيف التي قد تكون خفية أحيانًا، وواضحة في أحيان أخرى، والتي تؤدي إلى الصور النمطية والتمييز في المحادثات اليومية.

وقد يظهر ذلك في اختزال الأشخاص إلى أصولهم العرقية أو جنسهم، مثل استخدام أوصاف ذات دلالات اجتماعية قوية من قبيل «كبار السن»، أو «السيدة»، أو «امرأة سوداء».

ويشير المؤلفون في إحدى الحواشي إلى تحفظهم على استخدام أساليب بديلة مثل «التحليل التسلسلي»، الذي يركز بدرجة أكبر على المنطق الذي يبدو حاضرًا في تعاقب الأفكار والجمل. ويرى المؤلفون أن هذا الأسلوب يتجاهل نطاقًا أوسع بكثير من البنى والممارسات العامة التي تحدث أثناء التفاعل، ولا يقتصر الأمر فيها على تحليل التسلسلات.

ويرى المؤلفون أن التركيز ينبغي أن يكون على المحادثة نفسها بكل ما تتضمنه من أبعاد معقدة وغير متوقعة وتأثيرات محتملة. فلا توجد محادثات من دون عواقب، ولا يمكن معرفة هذه العواقب مسبقًا.

تدفع الخوارزميات، مثل Siri من Apple وAlexa من Amazon، الباحثين إلى إعادة التفكير في الطرق المعتادة التي نفهم ونفسر بها تفاعلاتنا الاجتماعية، وإعادة ابتكارها وإعادة ضبطها.

ويتميز الكتاب عمومًا بالطابع التعليمي والترابط والحداثة. وفي الفصل الأخير، الذي يحمل عنوان «ماذا الآن وماذا بعد؟»، يتطرق المؤلفون في صفحاته الأخيرة إلى إمكانية تطبيق تحليل المحادثة على أنظمة الذكاء الاصطناعي الحوارية.

فالخوارزميات، مثل Siri من Apple وAlexa من Amazon، تدفع الباحثين بصورة متزايدة إلى إعادة التفكير في الطرق التي يتعاملون بها مع التفاعلات الاجتماعية ونظرياتهم بشأنها. وأصبحت هذه الأجهزة والآلات قادرة بشكل متزايد على التنبؤ بطريقة تفكيرنا واعتراضاتنا عندما نتحدث هاتفيًا مع مؤسسة أو بنك أو جهة حكومية.

المنهجية بدلًا من الأيديولوجيا

يبدو أن الحديث عن الأيديولوجيا غائب إلى حد ملحوظ عن الكتاب. فعلى الرغم من أن باحثين آخرين في تحليل المحادثة، مثل عالم النفس الاجتماعي مايكل بيليغ، يعتمدون في كثير من الأحيان على مفهوم الأيديولوجيا، فإن وايتهيد وستوكو وريموند لا يناقشونه بصورة مباشرة، رغم أن الكتاب يتناول العنصرية وأشكالًا مختلفة من التمييز.

لكن هذه ليست ملاحظة تنتقص من الكتاب، وإنما ملاحظة عامة بشأن منظوره النقدي، وقد تكون أساسًا لدراسة مستقبلية.

وقد بنى عالم اللغة الاجتماعية الكندي ليونيل ميني عددًا من كتبه على العلاقة بين الأيديولوجيات والمحادثات. ويمكن تفسير غياب هذا الجانب في الكتاب، بصورة مبدئية، باختيار المؤلفين الاعتماد على الإثنوميثودولوجيا التي وضعها غارفنكل، والتي لا تترك مساحة كبيرة لمفهوم الأيديولوجيات.

وبالطبع، يدرك وايتهيد وستوكو وريموند طبيعة هذا المنهج، ويؤكدون أن الأشخاص العاديين، عندما يصفون عالمهم أو يفسرونه، يستخدمون مصطلحات وتصورات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها «واقعًا» أو «حقيقة»، بل بوصفها إشارات تكشف عن رؤيتهم غير المنقحة للعالم.

كما يؤكدون أن مواد المقابلات يمكن دراستها بوصفها تفاعلات قائمة بذاتها، أي باعتبارها موضوعًا للدراسة وليس مجرد أداة للحصول على المعلومات، وأنها تمثل مواقع يُظهر فيها الأفراد المعرفة الثقافية التي يستخدمونها لتفسير أنفسهم بوصفهم أعضاء في فئة معينة.

في رأيي، لا يمثل كتاب «التصنيفات في التفاعل الاجتماعي» مجرد عنوان آخر مثير للاهتمام في مجال البحوث الاجتماعية. فإطاره النظري المتين، والأمثلة العديدة والمفصلة لتحليل المحادثة التي تقدمها فصوله الأساسية، تجعله إسهامًا مهمًا في دراسة التفاعلات الاجتماعية.

ويقدم المؤلفون بنجاح الجوانب النظرية والعملية لتحليل المحادثة، وعلى نطاق أوسع، الآليات التي تعمل داخل التفاعلات الاجتماعية اليومية. ولذلك يمكن أن يمثل الكتاب مصدرًا مفيدًا للباحثين والمدرسين وطلاب الدراسات العليا الذين يرغبون في تعميق فهمهم لطبيعة التفاعل الاجتماعي.

المصدر

مقالات ذات صلة