القائمة الرئيسية

هل ترى شيئًا؟ هل تقول شيئًا؟ علم التحدث والإبلاغ

هل ترى شيئًا؟ هل تقول شيئًا؟ علم التحدث والإبلاغ
ملخص المقال

يعتمد تطبيق القانون بشكل كبير على بلاغات الأفراد، لكن قرار الإبلاغ عن المخالفات هو سلوك اجتماعي معقد يتجاوز الاعتبارات الأخلاقية البحتة. يوضح عالم الاجتماع باتريك بيرغمان، بعد سنوات من البحث، أن هذا القرار يتأثر بولاءات الشخص وتوقعاته للمكافآت أو الانتقام، سواء من السلطات أو الأقران. فبينما يمكن أن يؤدي الصمت إلى بقاء العديد من الجرائم دون عقاب، يمكن للحكومات القمعية استغلال الميل البشري الطبيعي للإبلاغ عن الآخرين - كما حدث في عصر مكارثي أو ألمانيا النازية - كأداة قوية للسيطرة الاجتماعية، مما يثير الخوف ويزعزع الثقة بين أفراد المجتمع. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن فعالية هذا التكتيك قد تكون محدودة، وقد تحدث حالات يرفض فيها الأفراد الإبلاغ، خاصة ضمن المجموعات المتماسكة التي تظهر التضامن.

تعتمد الشرطة على بلاغات الأشخاص العاديين، من شهود وضحايا ومبلّغين عن المخالفات، للتحقيق في 95 بالمئة من الجرائم. وفي بعض الأحيان يكون اتخاذ قرار التحدث والإبلاغ أمرًا سهلًا، لكن في حالات أخرى يختار الناس الصمت، ما يؤدي إلى بقاء عدد لا يحصى من المخالفات دون عقاب. وتشير تقديرات وزارة العدل الأمريكية إلى أن نحو نصف الجرائم العنيفة لا يتم الإبلاغ عنها.

ومع ذلك، شهدت بعض اللحظات التاريخية، مثل الولايات المتحدة في أوائل خمسينيات القرن العشرين، تحوّل المجتمعات إلى أماكن يسارع فيها الناس إلى الوشاية ببعضهم بعضًا، وغالبًا ما يكون ذلك بشكل زائف أو لأسباب تافهة. ففي تلك الفترة، أدى الخوف من الشيوعية إلى العديد من البلاغات الكاذبة ضد أشخاص يعملون في مجالي الترفيه والخدمة العامة.

الوشاية، أو الإبلاغ عن المخالفات، أو التبليغ عن الآخرين، سمّها ما شئت. أمضى باتريك بيرغمان السنوات الخمس عشرة الماضية في دراسة الطرق العديدة التي يُبلغ بها الناس عن بعضهم بعضًا، إذ بحث في كل شيء، بدءًا من بلاغات القرويين الأفغان عن أنشطة حركة طالبان غير القانونية، وصولًا إلى اتهامات المخبرين بالخيانة في روسيا خلال القرن السابع عشر. وفي مقال حديث نُشر في مجلة Annual Review of Sociology، يستكشف الضغوط الاجتماعية التي تؤثر في قرارات الناس بشأن كشف المخالفات أو إخفائها.

ويقول بيرغمان، وهو عالم اجتماع في كلية بول ميراج للإدارة في جامعة كاليفورنيا، إرفاين، ومؤلف كتاب "احكم على جارك: الوشايات في محاكم التفتيش الإسبانية وروسيا الرومانوف وألمانيا النازية"، إن قرار الإبلاغ لا يعكس المخالفة وحدها، بل يعكس أيضًا ولاءات الشخص، وما إذا كان يتوقع الحصول على مكافآت أو التعرض للانتقام من السلطات أو أقرانه.

وتحدث بيرغمان مع مجلة Knowable Magazine عن أسباب إبلاغ الناس عن الجرائم والسلوكيات السيئة، والظروف التي تدفعهم إلى ذلك، وكيف يمكن للحكومات القمعية أن تستخدم تشجيع الناس على الإبلاغ عن جيرانهم وزملائهم في العمل كوسيلة قوية للسيطرة الاجتماعية.

تم تحرير هذه المقابلة من أجل الإيجاز والوضوح.

الرغبة في الإبلاغ عن شخص آخر أمر مألوف جدًا. وهي تعود إلى مرحلة الطفولة، عندما يشي الأطفال بزملائهم في الصف أو بإخوتهم.

من المثير للاهتمام أن نرى إلى أي مدى يُعد هذا السلوك إنسانيًا في جوهره. فقد أُجريت بعض الدراسات على الأطفال الصغار أظهرت أنه بحلول سن الثانية إلى الرابعة، عندما يتحدث الأطفال مع البالغين، فإن الموضوع الأساسي الذي يتحدثون عنه بشأن الأطفال الآخرين هو الأشياء السيئة التي يفعلونها. هم لا يقولون مثلًا: "لقد استمتعت كثيرًا باللعب مع جيمي الصغير في الملعب". وقد وجدت إحدى الدراسات التي تناولت أطفال مرحلة ما قبل المدرسة أن الوشاية شكّلت أكثر من 90 بالمئة من الأحاديث المتعلقة بسلوك الأطفال الآخرين.

ما الذي أثار اهتمامك بهذا الموضوع أول مرة بوصفك عالم اجتماع؟

عندما كنت أبحث عن موضوع لأدرسه في أطروحتي، صادفت موضوع الإبلاغ، وأدركت أن قدرًا كبيرًا من الأبحاث التي أُجريت حوله جاء من علماء النفس ومن أشخاص ينظرون إلى قرار الإبلاغ باعتباره مسألة أخلاقية. لكنني أدركت أن هذا القرار اجتماعي أيضًا إلى حد كبير. فأنت قد تتسبب في إلحاق الضرر بشخص آخر. أعني أنه ربما يكون هذا الشخص مستحقًا للعقوبة تمامًا، لكن مع ذلك، فإنك تقوم بفعل قد يؤدي إلى لفت انتباه السلطات إليه، بحيث تبدأ في التحقيق معه. وهناك أيضًا علاقات اجتماعية أوسع نطاقًا. كيف سينظر الناس إليك وإلى ما فعلته؟ وهل سيوافقون على قيامك بالإبلاغ؟ لذلك توجد عواقب اجتماعية أيضًا.

توجد كلمات كثيرة جدًا لوصف هذا النوع من السلوك. لماذا اخترت مصطلح "الإبلاغ"؟

بعض الناس يسمونه الإبلاغ عن المخالفات. وبعضهم يسميه الوشاية. والوشاية توحي بأنك تفعل شيئًا خاطئًا، وأنك تخون الآخرين. أما الإبلاغ عن المخالفات فيوحي بفعل بطولي يهدف إلى مساعدة المجتمع. بالنسبة إليّ، فإن كلمة "الإبلاغ" هي أكثر الكلمات حيادًا من الناحية القيمية التي استطعت التوصل إليها. فهي لا توحي بما إذا كان الفعل صحيحًا أم خاطئًا. إنها ببساطة تصف الفعل.

ما بعض الفئات الرئيسية للإبلاغ من وجهة نظرك؟

يمكن تصنيف الإبلاغ وفقًا للشخص الذي يقوم بالإبلاغ، مثل الضحية أو أحد المارة، والشخص الذي يتم الإبلاغ عنه، سواء كان شخصًا معروفًا أو غريبًا، والسلوك المزعوم، مثل العنف أو السرقة أو الاحتيال وغير ذلك، وكذلك الجهة التي يتم تقديم البلاغ إليها.

هناك الإبلاغ عن الجرائم، عندما تزعم أن شخصًا ما خالف القانون. وهناك أيضًا الإبلاغ عن سلوك ليس غير قانوني، لكنه يخالف السياسات المعمول بها داخل المؤسسات. وهناك أفعال تمثل انتهاكات من النوعين معًا. وفي هذه الحالات، يتعين على الأفراد أن يقرروا ما إذا كانوا سيبلغون داخليًا إلى السلطات داخل المؤسسة، أم خارجيًا إلى المسؤولين الحكوميين. إن الجدل الذي دار داخل الكنيسة الكاثوليكية بشأن الاعتداءات الجنسية مثال على ذلك. فقد أُبلغ عن كثير من هذه الحالات بالفعل داخل المؤسسة، لكن لم يتم إبلاغ الشرطة بها. وبرأيي، كان ذلك أحد أسباب تمكن هذه الانتهاكات من البقاء مخفية لفترة طويلة.

لكن في بعض الأحيان، لا يرغب الناس في إحراج المؤسسة التي وقعت فيها المخالفة. ويمكن للإبلاغ داخليًا أن يحقق الهدفين المحتملين، لكن بشرط أن تأخذ السلطات داخل المؤسسة البلاغات على محمل الجد وأن تسعى إلى معالجة المشكلة.

وقد توصلت الأبحاث إلى أن معظم الأشخاص الذين يبلغون خارجيًا، مثل إبلاغ الشرطة أو مكتب التحقيقات الفيدرالي، لا يفعلون ذلك إلا بعد أن يبلغوا أولًا داخل المؤسسة ولا يحصلوا على استجابة إيجابية. لا أستطيع التحدث بشكل مباشر عن دوافع آباء الضحايا في قضية الكنيسة الكاثوليكية، لكنني أتخيل أن الناس كانوا يثقون في الكنيسة لكي تتعامل مع الأمور، خصوصًا إذا كانوا يرون القساوسة الذين ارتكبوا المخالفات يختفون من المشهد.

كيف تعثر على البيانات التي تستخدمها في أبحاثك؟

في كثير من الأحيان لا تكون هناك سجلات كثيرة، أو لا يكون هناك اهتمام بمشاركة هذه السجلات. فعلى سبيل المثال، قد لا ترغب المؤسسات بالضرورة في تزويدي بجميع البيانات المتعلقة بالموظفين الذين تم الإبلاغ عن وجود مشكلات في سلوكهم، لأن ذلك قد ينعكس بصورة سلبية عليها.

أود أن أقول إنني أعمل بطريقة انتهازية بمعنى إيجابي. أحاول أن أجد الأماكن التي تتوفر فيها المعلومات بالفعل، ثم أنطلق منها. وقد يكون هذا الأمر محبطًا عندما تكون هناك حالات تريد دراستها. فمن الصعب دراسة شيء لا يمكنك الوصول إلى بياناته.

هل يمكنك أن تذكر لنا موقفًا عثرت فيه مصادفة على كنز هائل من البيانات؟

هناك الكثير من السجلات المتعلقة بمحاكم التفتيش الإسبانية، لكن معظمها عبارة عن ملخصات للمحاكمات، وهذا لا يمثل إبلاغًا.

لكنني كنت أراجع جميع ملاحظاتي القديمة، وأدركت أن هناك مرجعًا لم أتابعه من قبل. كان هذا البحث يحلل وشايات فعلية قُدمت إلى مسؤولي محاكم التفتيش. شعرت بالحماس وقلت: "من أين جاءت هذه البيانات؟"

واتضح أن هناك كتابًا نُشر في ثمانينيات القرن العشرين لشخص ذهب بالفعل إلى الأرشيفات وقام بنسخ مجموعة هذه الوشايات. تمكنت من طلب الكتاب والاطلاع على النصوص الحرفية لأكثر من 400 وشاية، مكتوبة باللغة الإسبانية القديمة في القرن الخامس عشر، حيث كان الكاتب يسجل ما يقوله الأشخاص أثناء حضورهم وتقديم بلاغاتهم. كان يكتب مثلًا أن هذا الشخص ظهر في هذا اليوم، وأنه جاء من هذه القرية. وكانت هذه النصوص عبارة عن ملخص لما كان يقوله المتهمون أو أصحاب البلاغات. كان ذلك اكتشافًا مثيرًا للغاية.

في كتابك، تستكشف كيف كان الأشخاص العاديون يبلغون عن بعضهم بعضًا خلال محاكم التفتيش الإسبانية وألمانيا النازية وروسيا في عهد أسرة رومانوف، إذ كانوا يتهمون زملاءهم وأصحاب الأعمال والمعلمين والجيران. ماذا تعلمت من ذلك التاريخ؟

حددت أنماطًا متشابهة في الطريقة التي تتغير بها الوشايات تبعًا للظروف. في بداية محاكم التفتيش، كان يُقال للناس إنهم إذا أبلغوا عن الأشخاص الذين يعرفون أنهم من الهراطقة، فسوف يحصلون على الحماية من الأذى. لكن هذه القاعدة تغيرت لاحقًا، ولم يعد الإبلاغ يوفر الحماية الشخصية.

أما الحالة الروسية فكانت تنتمي إلى فترة تاريخية وسياق مختلفين بالطبع، لكنني وجدت تباينًا مشابهًا بين مجموعة من الأشخاص الذين كان لديهم شيء يمكن أن يكسبوه، فقد كانوا في السجن ويعتقدون أنهم يستطيعون المساعدة في إطلاق سراح أنفسهم من خلال الإبلاغ عن الآخرين، ومجموعة أخرى من الأشخاص الذين لم يكونوا في السجن ولم يكن لديهم هذا الدافع.

في كلتا الحالتين كان هناك ثلاثة أطراف رئيسية: الشخص الذي يقدم البلاغ، والشخص الذي يتم الإبلاغ عنه، والسلطة. لكن أفعال الناس اختلفت اعتمادًا على ما إذا كانوا يشعرون بأن الإبلاغ سيحسن وضعهم أم لا. وفي الحالات التي كان لديهم فيها هذا الدافع، كانوا يميلون إلى تسمية الأشخاص الذين يعتقدون أنهم سيكونون الأكثر إرضاءً للسلطات.

أما عندما لم تكن لديهم هذه الحوافز، فقد حاول الناس بدلًا من ذلك استخدام الإبلاغ لإلحاق الضرر بمنافسيهم، سواء كانوا منافسين مهنيين أو منافسين عاطفيين أو منافسين سياسيين.

درست أيضًا أمثلة أكثر حداثة على إبلاغ الناس عن بعضهم بعضًا، بما في ذلك المبلغين عن المخالفات داخل الحكومة الفيدرالية. ماذا تعلمت؟

أجريت أنا وزميلي دراسة باستخدام بيانات من وكالة أمريكية تجري استطلاعات على عشرات الآلاف من الموظفين الفيدراليين كل ثلاث أو أربع سنوات. وكانت نسخة عام 2010 من الاستطلاع تتضمن قسمًا يسأل عن تجربة الأشخاص في ملاحظة ارتكاب مخالفات في مكان العمل، وكيف استجابوا لها. ومن بين نحو 40 ألف استبيان تمت إعادته، أشار ما يقرب من 3 آلاف شخص إلى أنهم كانوا على علم بارتكاب أحد زملائهم لمخالفة.

وكان ما يهمني هو معرفة كيفية تأثير الديناميكيات الاجتماعية في استعداد الناس للإبلاغ. وتضمن الاستطلاع سؤالًا يتناول هذا الأمر. فقد طُلب من الأشخاص تقييم مدى موافقتهم على العبارة التالية: "توجد روح من التعاون والعمل الجماعي في وحدة العمل التي أنتمي إليها."

وكانت النتيجة الأولى التي توصلنا إليها هي ما يتوقعه معظم الناس. فكلما كانت مجموعة العمل أكثر تماسكًا، قل احتمال قيامك بالإبلاغ عن أحد أفراد مجموعتك. يشعر الناس بالولاء تجاه زملائهم. وقد يخبرون الشخص بأن يتوقف عن فعل ما يقوم به، لكنهم لا يريدون التسبب في وقوعه في مشكلة.

لكن ما أراه مثيرًا للاهتمام بشكل خاص هو أنه إذا ارتكب شخص من خارج مجموعة العمل مخالفة، فإن الأشخاص الموجودين في الفريق المتماسك يصبحون أكثر استعدادًا للإبلاغ عنه. وربما يرجع ذلك إلى أنك تعرف أن أعضاء فريقك سيدعمونك وسيقولون: "ينبغي أن تستمع إلى هذا الشخص. لا يمكنك الانتقام من هذا الشخص."

وتكشف هذه الديناميكيات عن العمليات الاجتماعية المعقدة التي تدخل في قرارات الإبلاغ عن المخالفات. الأمر لا يعني أن الاعتبارات الأخلاقية لا تلعب دورًا، لكنها بالتأكيد ليست القصة بأكملها.

كيف يمكن لديناميكيات المجموعات أن تؤثر أيضًا في قرارات الإبلاغ؟ على سبيل المثال، أشرت إلى أنه عندما يشعر شخص بالإهانة بسبب نكتة متحيزة جنسيًا، لكن لا يبدي أي شخص آخر في الغرفة رد فعل سلبيًا، فإن الشخص الذي شعر بالإهانة يصبح أقل ميلًا إلى اعتبار هذا السلوك تحرشًا جنسيًا، وأقل ميلًا إلى الإبلاغ عنه. لماذا يحدث ذلك؟

الإبلاغ عملية تتكون من مرحلتين. المرحلة الثانية هي اتخاذ قرار الإبلاغ. أما المرحلة الأولى فهي ببساطة إدراك أن شيئًا ما قد حدث ويستحق الإبلاغ عنه. ونحن نتأثر بالآخرين في كلتا المرحلتين.

يجب أن تفسر شيئًا ما على أنه سوء سلوك أو مخالفة أو سلوك غير قانوني حتى تتمكن من الإبلاغ عنه. وهناك ما يسمى بتأثير المتفرج، حيث ننظر في كثير من الأحيان حولنا ونرى ما يفعله الآخرون، حتى لو كانوا أشخاصًا غرباء. فإذا كانوا يتصرفون وكأن شيئًا لم يحدث، فقد تفكر: "ربما أنا أسيء تفسير الموقف."

ما العوامل التي تسمح بانتشار الإبلاغ الكاذب داخل المجتمع؟

إن ثقافة الإبلاغ الكاذب لا يمكن أن تنتشر فعليًا إلا إذا لم تكن الإجراءات القانونية الواجبة قوية بدرجة كافية. فإذا كانت الحكومة تحقق في كل شيء بعناية شديدة، فلن يكون الإبلاغ الكاذب فعالًا إلى حد كبير. أعني أنه قد تظل هناك بعض المعاناة التي يتعرض لها الشخص المتهم، لكن السلطات ستكتشف في النهاية أن الأمر كان بدافع الحقد أو الانتقام، وستقول إن هذا الاتهام لا يستحق الملاحقة القضائية.

وعندما تكون الإجراءات القانونية الواجبة قوية، غالبًا ما تكون هناك عقوبات أيضًا على من يقدمون اتهامات كاذبة. لذلك أعتقد أن الكثير من فرص توجيه الاتهامات الكاذبة تظهر عندما يبدأ الأشخاص الذين يتم اتهامهم في التعرض للعقاب دون إجراء تحقيق كافٍ، ودون إيلاء اهتمام مناسب لمسألة إدانتهم أو براءتهم.

ظهرت مؤخرًا في الولايات المتحدة قوانين وتوجيهات جديدة تحث الناس على الإبلاغ عن الآخرين، مثل قانون ولاية تكساس لعام 2021 الذي يقدم مكافأة لمن يبلغ عن أي شخص ساعد شخصًا آخر في الحصول على إجهاض، وتوجيه رئاسي حديث يُلزم الموظفين الفيدراليين بالإبلاغ عن زملائهم الذين يواصلون الترويج لمبادرات التنوع. هل يمثل هذا اتجاهًا جديدًا؟

سأبدأ بالقول إن الحكومة لديها تاريخ طويل في محاولة دفع الناس إلى الإبلاغ عن السلوكيات غير المرغوب فيها إلى السلطات. هناك قوانين تسمح للأشخاص الذين يبلغون عن آخرين بسبب الغش على الحكومة بالحصول على جزء من الأموال التي يتم استردادها. وبعد هجمات 11 سبتمبر، ظهرت حملات "إذا رأيت شيئًا، فقل شيئًا". وخلال جائحة كوفيد 19، شجع مسؤولو مدينة نيويورك الناس على الإبلاغ عندما لا يلتزم شخص ما بالتباعد الاجتماعي أو لا يرتدي كمامة للوجه. ووفقًا لبحث أنهيته للتو، أبلغ آلاف الأشخاص عن جيرانهم خلال فترة امتدت لبضعة أشهر.

ومؤخرًا، شجعت إدارة ترامب الناس على الاتصال بخط البلاغات التابع لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك للإبلاغ عن الأشخاص لأسباب عديدة، بما في ذلك إذا كانوا يعتقدون أن هؤلاء الأشخاص موجودون في البلاد بصورة غير نظامية. ما يحدث الآن يشبه في الواقع إلى حد كبير حقبة مكارثي خلال خمسينيات القرن العشرين، عندما شجع أعضاء محافظون في الحكومة الأمريكية المواطنين على الإبلاغ عن بعضهم بعضًا بسبب مشاركتهم في أنشطة ذات توجهات يسارية.

ما رأيك في توسع استراتيجية "الإبلاغ عن جارك"؟

أعتقد أنها تخدم عدة أغراض بالنسبة إلى الحكومة. أولًا، تحاول الحكومة تجنيد المزيد من الأشخاص إلى جانبها، وتحويلهم إلى مشاركين في أي أمر تحاول القيام به. كما يساعد ذلك في الكشف عن أمور قد يكون من الصعب اكتشافها من خلال آليات الشرطة الرسمية. فإذا كان من الصعب تحديد من هو الموجود في البلاد بصورة غير نظامية أو من الذي يحصل على عملية إجهاض، فإن دفع الناس إلى التقدم والإبلاغ عن هذه الأمور يصبح أمرًا منطقيًا من منظور الحكومة.

كذلك، كلما استخدم الناس أنظمة الإبلاغ أكثر، أصبح من الطبيعي والمألوف بشكل أكبر أن يتم التعامل مع هذه الأمور من خلال السلطات، بدلًا من أن يتعامل معها الجيران فيما بينهم أو يتجاهلوها.

كما أن تشجيع الناس على الإبلاغ يمثل وسيلة لإثارة المزيد من الخوف. فإذا بدأت تقلق من احتمال أن يقوم شخص ما بالإبلاغ عنك، ولم تكن تعرف من يمكن أن يفعل ذلك، فإنك تبدأ في فقدان الثقة بجيرانك.

هناك بحث مثير للاهتمام تناول العلاقات الاجتماعية في ألمانيا الشرقية قبل سقوط الشيوعية وبعده. ووجد البحث أن الناس في ألمانيا الشرقية كانوا يبقون معظم دائرتهم الاجتماعية على مسافة، وكان لديهم عدد قليل من الأشخاص الذين يثقون بهم بشدة، وغالبًا ما كانوا من أفراد الأسرة. وكان هذا مختلفًا عن شبكات العلاقات الاجتماعية الأوسع بكثير التي كانت موجودة في ألمانيا الغربية، حيث لم يكن الناس يعيشون في ظل هذا النظام القائم على الخوف والوشاية.

هل يمكن القول إن الحكومات القمعية تستغل الميل البشري الطبيعي إلى الوشاية لتحقيق أهدافها الخاصة؟

أعتقد أن هذا وصف عادل. فالإبلاغ أمر أساسي نقوم به منذ سن مبكرة جدًا، وفي العديد من أنواع البيئات والمواقف، وعبر مختلف المجتمعات. لكن هذا لا يعني أن هذه التكتيكات تحقق دائمًا نجاحًا كبيرًا عندما تستخدمها الحكومات.

في ألمانيا النازية، كان هناك الكثير من النقاشات المتبادلة بين المسؤولين الحكوميين بشأن كيفية التعامل مع كل هذه البلاغات التافهة التي كانوا يتلقونها. كان يتعين على السلطات التعامل مع آلاف وآلاف البلاغات، وكانت تحقق فيها ثم تدرك أنها تتعلق بأمور لا تستحق التعامل معها وفقًا لقواعدها. حتى هتلر نفسه اشتكى من ذلك.

وأوردت اقتباسًا له في بداية كتابي، لأنه من المدهش للغاية أن يصدر مثل هذا الكلام عن شخص ارتكب كل هذا القدر من القسوة. قال: "نحن نعيش في الوقت الحاضر وسط بحر من الوشايات والوضاعة الإنسانية."

ومن ناحية أخرى، كان الأمر لا يزال يستحق العناء بالنسبة إليهم. فالنازيون لم يغيروا نظامهم.

هل توجد أمثلة تاريخية رفض فيها الناس الإبلاغ عن بعضهم بعضًا؟

خلال محاكم التفتيش الإسبانية، كان المحققون يأتون إلى القرى ويقولون: "أخبرونا عن جميع الأشخاص الذين يرتكبون سلوكيات هرطقية ضد الكنيسة حتى نتمكن من معاقبتهم." ووفقًا للمؤرخ هنري كامن، الذي ألّف كتابًا عن تلك الفترة، فعندما كان الناس العاديون يرفضون التعاون، كانت "المحكمة عاجزة". فمن دون المخبرين، يمكن أن تتوقف العملية بأكملها. وعندما تكون لديك مجموعات مترابطة للغاية، حيث يعرف أفرادها بعضهم بعضًا وتربطهم علاقات وثيقة، فإنك عادة ما ترى المزيد من هذا السلوك الوقائي.

مثلًا... في المافيا؟

بالتأكيد. داخل التنظيمات الإجرامية، تكون القواعد المناهضة للوشاية قوية للغاية. لكن يمكنك أن تتخيل أيضًا بيئات أخرى ربما ننظر فيها بصورة أكثر إيجابية إلى عدم الإبلاغ، حيث يُظهر الناس تضامنهم مع بعضهم بعضًا، ويقفون، بمعنى ما، في وجه حكومة قمعية.

المصدر

مقالات ذات صلة