توسّع بكين برامج التبادل الشبابي المدعومة بسخاء، ما يفتح أمامها قنوات متزايدة للتأثير في التصورات، وبناء شبكات من العلاقات، وتعزيز رواياتها السياسية داخل تايوان.
لا تقتصر استراتيجية الصين تجاه تايوان على الإكراه العسكري والبحري. فقد جذبت برامج التبادل التي تدعمها بكين بشكل كبير أعدادًا متزايدة من المشاركين التايوانيين، ولا سيما الشباب، وهو اتجاه أثار قلقًا متزايدًا في تايبيه. ويطرح ذلك سؤالين رئيسيين: ما الذي تسعى الصين إلى تحقيقه من خلال هذه البرامج؟ وكيف استجابت تايوان لها؟
نموذج التبادل المدعوم
في السنوات الأخيرة، أصبحت أنشطة التبادل الشبابي عبر مضيق تايوان التي تدعمها الصين موضوعًا يحظى بنقاش متزايد في تايوان بسبب تداعياتها على الأمن القومي. وعلى الرغم من أن برامج التبادل هذه قد تظهر بأسماء مختلفة وتركز على موضوعات متنوعة، فإن العديد منها يتبع أنماطًا متشابهة. ومن أبرز سماتها تكلفتها المنخفضة بصورة غير اعتيادية. ففي كثير من الأحيان، لا يُطلب من المشاركين سوى دفع ثمن تذكرة الطيران الخاصة بهم أو رسوم تسجيل رمزية، في حين تتولى منظمات صينية دعم أو تغطية تكاليف الإقامة والوجبات والنقل المحلي والجولات السياحية المصحوبة بمرشدين وغيرها من الأنشطة.
فعلى سبيل المثال، عُرضت إحدى رحلات التبادل إلى سيتشوان لمشاهدة حيوانات الباندا مقابل 5900 دولار تايواني جديد فقط، أي ما يعادل نحو 185 دولارًا أمريكيًا. وفي حالة أخرى جرى تداولها، قيل إن معلمين تايوانيين استُهدفوا بعمليات استقطاب عبر وسطاء محليين للمشاركة في برنامج مدته ثمانية أيام يحمل اسم "جولة شباب جانبي المضيق في شمال شينجيانغ". وكان على المشاركين شراء تذاكر الطيران بأنفسهم ودفع رسوم تسجيل لا تتجاوز 4000 دولار تايواني جديد، أي نحو 125 دولارًا أمريكيًا، بينما كانت تكاليف الإقامة والوجبات والبرنامج المحلي مغطاة.
ومن السمات البارزة الأخرى اتساع نطاق الفئات التي تستهدفها هذه البرامج. فهي لا تقتصر على طلاب الجامعات أو الشباب، بل تشمل أيضًا معلمي المدارس ورجال الأعمال وأعضاء غرف التجارة، إلى جانب السياسيين المحليين وممثلي المجتمعات المحلية. ويشير تنوع المشاركين إلى أن هذه التبادلات لا تستهدف قطاعًا واحدًا من المجتمع التايواني، بل تعمل عبر شبكات اجتماعية ومهنية متعددة.
وقد ارتفع عدد طلاب المدارس الابتدائية الذين سافروا إلى الصين للمشاركة في برامج التبادل من 38 طالبًا فقط عام 2022 إلى 1045 طالبًا عام 2025، أي بزيادة تجاوزت 27 ضعفًا. كما ارتفع عدد طلاب المرحلة الإعدادية المشاركين في مثل هذه التبادلات من صفر عام 2022 إلى 1021 طالبًا. أما بين طلاب المرحلة الثانوية، فقد ارتفع العدد من 676 إلى 1021 طالبًا خلال ثلاث سنوات، بينما تضاعف عدد طلاب الجامعات بأكثر من مرتين، من 2196 إلى 5745 طالبًا. كما تضاعف تقريبًا عدد المعلمين المرافقين، إذ ارتفع من 661 إلى 1281 معلمًا. وتشير هذه البيانات، الصادرة عن "هيئة الرقابة" في تايوان، وهي أعلى هيئة رقابية وتدقيقية في البلاد، إلى أن الفئة العمرية المستهدفة في برامج التبادل الصينية توسعت لتشمل حتى طلاب المدارس الابتدائية.
وقد يكون أحد التفسيرات المحتملة للاهتمام المتزايد بالمشاركين الأصغر سنًا هو أن الأطفال قد تكون لديهم قدرة أكثر محدودية على التعرف إلى الرسائل السياسية المضمّنة في أنشطة التبادل أو تقييمها بشكل نقدي. وفي الوقت نفسه، تتعرض الأجيال الأصغر سنًا في تايوان بصورة متزايدة لمنصات التواصل الاجتماعي الصينية والمحتوى الرقمي الصيني. وقد يقلل هذا التعرض من إحساسهم بالمسافة التي تفصلهم عن الثقافة الشعبية الصينية، ويجعل الروايات الثقافية الصينية تبدو لهم مألوفة بدلًا من أن تكون غريبة.
تركّز هذه البرامج في البداية على بناء الروابط الشخصية بين المشاركين التايوانيين ونظرائهم المحليين، قبل تقديم روايات أوسع مثل "جانبا مضيق تايوان أسرة واحدة". وتوضح هذه الممارسات كيف يمكن للسياحة والتبادلات الشخصية التي تبدو غير سياسية أن تكتسب تدريجيًا بُعدًا سياسيًا.
الرسائل السياسية و"السياحة الحمراء"
إلى جانب زيارة المعالم السياحية المعروفة، تتضمن بعض البرامج أيضًا زيارات إلى مواقع "السياحة الحمراء" المرتبطة بتاريخ الحزب الشيوعي الصيني. وقد تُستخدم صور الطلاب المشاركين لاحقًا كمواد ترويجية للتعريف ببرامج التبادل هذه، بما قد يخدم أهدافًا دعائية أوسع.
ووفقًا لتشانغ يو-مينغ، الأمين العام لجمعية شباب تايوان من أجل الديمقراطية، قد تتضمن هذه الجولات أيضًا أشكالًا أكثر مباشرة من الرسائل السياسية والمراقبة. ويُقال إن المشرفين على المجموعات يسجلون الأنشطة اليومية للمشاركين ويرفعون تقارير عنها إلى مسؤوليهم.
وفي إحدى الحالات، وصف طالب تايواني زيارته إلى الصين بأنها سفر "إلى الخارج"، فجرى تصحيحه على الفور وطُلب منه استخدام تعبير "مغادرة الإقليم" بدلًا من ذلك، وهو تمييز لغوي يتجنب وصف الصين بأنها دولة أجنبية.
ويرى تشانغ أيضًا أن هذه البرامج تركز أولًا على بناء علاقات شخصية بين المشاركين التايوانيين ونظرائهم المحليين، ثم تبدأ في طرح روايات أوسع مثل "جانبا مضيق تايوان أسرة واحدة". وتوضح هذه الممارسات كيف يمكن للسياحة والتبادلات الشخصية التي تبدو غير سياسية أن تكتسب تدريجيًا بُعدًا سياسيًا.
استجابة تايوان
وفقًا لتشيو تشوي-تشنغ، وزير مجلس شؤون البر الرئيسي في تايوان، ينبغي أن تظل التبادلات عبر المضيق، بما فيها التبادلات الرياضية، بعيدة عن التسييس وخالية من المخاطر. كما أعربت الحكومة التايوانية عن قلقها إزاء مشاركة المعلمين والطلاب والمنظمات عن قصد في أنشطة مرتبطة بجهود "الجبهة المتحدة" الصينية وأجندتها الأوسع المتعلقة بـ"التنمية المتكاملة" عبر المضيق.
ولا تزال مهمة مراقبة كيفية عمل هذه التبادلات على أرض الواقع تمثل تحديًا. ويتطلب فهم هذا التحدي التنظيمي إلقاء نظرة أكثر قربًا على الإطار القانوني القائم في تايوان، ولا سيما قانون تنظيم العلاقات بين شعب منطقة تايوان ومنطقة البر الرئيسي.
وقد سُن قانون تنظيم العلاقات بين شعب منطقة تايوان ومنطقة البر الرئيسي اعترافًا بالطبيعة الفريدة للعلاقات عبر المضيق، وهو ينظم التبادلات والتفاعلات بين الأفراد على جانبي المضيق. وتحظر المادة 33-1 من القانون التعاون غير المصرح به بين أفراد أو منظمات تايوانية وبعض الكيانات السياسية أو العسكرية أو الإدارية أو المرتبطة سياسيًا في البر الرئيسي الصيني. كما تنظم أوجه التعاون التي تتضمن محتوى سياسيًا.
وبموجب هذه المادة، إذا شاركت هذه الجماعات أو الكيانات القانونية أو المنظمات الأخرى في تبادلات مع الصين تنتهك القانون، فيجب تقديم بلاغ قبل البدء في فتح قضية. وبعد تلقي البلاغ، تجري الجهة المختصة تحقيقًا، يشمل جمع إفادات الأطراف المعنية إلى جانب المعلومات والأدلة الأخرى ذات الصلة، لتحديد ما إذا كانت المسألة تشكل "سلوكًا تعاونيًا" بموجب المادة 33-1.
ويؤدي ذلك إلى نشوء منطقة رمادية؛ ففي حالات مثل قيام معلمين في المدارس باستقطاب الطلاب بصورة خاصة، قد لا تتمكن المدرسة، بصفتها الجهة المختصة، من اكتشاف النشاط بالسرعة المطلوبة.
وعلى الرغم من أن وزارة التعليم في تايوان أنشأت عام 2019 "منصة أنشطة التبادل التعليمي مع البر الرئيسي"، لإلزام المدارس بتسجيل رحلات التبادل التي يقوم بها الطلاب إلى البر الرئيسي، فإن المنصة لم تعمل بفاعلية، إذ لم تقدم العديد من المدارس التقارير المطلوبة.
والأهم من ذلك أن النظام يعتمد على الإبلاغ الذاتي من قبل المؤسسات، ويوفر رقابة محدودة على المشاركين الذين يُستقطبون بصورة غير رسمية من خلال المعلمين أو الجماعات المدنية أو تطبيقات المراسلة أو وسائل التواصل الاجتماعي. وقد ردت وزارة التعليم ومجلس شؤون البر الرئيسي بالتعهد بتحسين المنصة وتحذير المواطنين من مخاطر الانضمام إلى مجموعات التبادل المدعومة هذه.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات بين الحزب الشيوعي الصيني وبعض أطراف المعارضة التايوانية تحسنًا ملحوظًا. فقد زارت رئيسة حزب الكومينتانغ، تشنغ لي-وِن، الصين في أبريل 2026 في محاولة لإعادة ضبط طبيعة العلاقات بين البر الرئيسي والجزيرة. وكانت الزيارة ذات أهمية خاصة، إذ كانت المرة الأولى منذ ما يقرب من عقد التي يزور فيها رئيس قائم لحزب الكومينتانغ بكين.
وقدمت تشنغ لي-وِن مبادرتها باعتبارها "مهمة سلام"، معتبرة أن السعي المتهور من جانب الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم نحو "الاستقلال" يعرض الجزيرة للخطر.
ويبدو أن هدف الحزب الشيوعي الصيني من وراء برامج التبادل هذه مزدوج. يتمثل الهدف الأول في تعزيز علاقة مؤسسية مع حزب المعارضة الرئيسي في تايوان، مع عزل الحكومة الحاكمة. أما الثاني فهو استخدام إمكانية الوصول إلى البر الرئيسي كوسيلة ضغط لكسب القبول بالرواية السياسية لبكين، بما يوضح أن هذه التبادلات ليست محايدة سياسيًا، بل هي أدوات لتشكيل الرأي وتحديد جدول الأعمال.
وقد طرح مكتب شؤون تايوان الصيني، المسؤول عن إدارة العلاقات عبر المضيق، مجموعة من الإجراءات لتجديد التواصل. ومن بين المقترحات استكشاف إنشاء آلية حوار بين الحزب الشيوعي الصيني وحزب الكومينتانغ، على أساس معارضة الحزبين المشتركة لـ"استقلال تايوان".
كما تضمنت التصورات إنشاء منصة مؤسسية تتيح للمنظمات الشبابية التابعة للحزبين تنظيم أنشطة تبادل عبر المضيق، على أن يستضيف اتحاد عموم الصين للشباب ومنظمات أخرى في البر الرئيسي 20 مجموعة شبابية من تايوان سنويًا في زيارات تبادل.
ويبدو أن هدف الحزب الشيوعي الصيني من وراء برامج التبادل هذه مزدوج. أولًا، تعزيز علاقة مؤسسية مع حزب المعارضة الرئيسي في تايوان مع عزل الحكومة الحاكمة. وثانيًا، استخدام الوصول إلى البر الرئيسي كوسيلة ضغط لكسب القبول بالرواية السياسية لبكين، بما يدل على أن هذه التبادلات ليست محايدة سياسيًا، بل هي أدوات لتشكيل الرأي وتحديد جدول الأعمال.
وعلى المدى الطويل، يسعى الحزب الشيوعي الصيني إلى بناء شبكة من النخب التايوانية المستقبلية في مجالات مختلفة من الحياة، وهي شبكة يمكن أن تسهم في توسيع الانقسامات السياسية الداخلية في تايوان بشأن الصين.
الخلاصة
تتسم برامج التبادل الصينية الموجهة إلى الشباب التايواني بصورة متزايدة بمشاركة فئات أصغر سنًا، وبالدعم المالي الواسع، وبأساليب الاستقطاب غير الرسمية. ويثير هذا الاتجاه ثلاثة مخاوف رئيسية.
أولًا، أصبحت التبادلات عبر مضيق تايوان غير متوازنة بشكل متزايد. فعلى الرغم من تقديم هذه البرامج باعتبارها فرصًا للتبادل المتبادل، استمر عدد الطلاب الصينيين الذين يزورون تايوان في الانخفاض خلال فترة ما بعد جائحة كوفيد-19، في ظل القيود التي تفرضها الصين. ونتيجة لذلك، فإن ما يُفترض اسميًا أنه تبادل ثنائي الاتجاه يواجه خطر التحول إلى قناة أحادية الاتجاه إلى حد كبير للتعرض الثقافي والسياسي.
ثانيًا، رغم دعوة تايوان إلى إبقاء التبادلات عبر المضيق "بعيدة عن التسييس" وخالية من أنشطة الجبهة المتحدة، فإنه من الصعب عمليًا فصل السياسة تمامًا عن مثل هذه البرامج. ولذلك، قد تشكل برامج التبادل المدعومة بسخاء جزءًا من استراتيجية الصين الأوسع للتأثير الناعم وجهود الجبهة المتحدة تجاه تايوان.
ثالثًا، تواجه تايوان معضلة أساسية على مستوى السياسات. فهي لا تستطيع ببساطة الحد من التبادلات مع الصين بسبب المخاوف المتعلقة بأنشطة الجبهة المتحدة، لكن الإبقاء على هذه التبادلات مفتوحة يطرح بدوره تحديات مرتبطة بالأمن القومي والتأثير السياسي.
ولا تزال الإجراءات القائمة في تايوان ذات طبيعة تفاعلية إلى حد كبير، إذ تعتمد على التسجيل بعد وقوع الأنشطة، والتحقيقات، ووعي الجمهور بالمخاطر المحتملة. ويترك هذا النهج للحكومة قدرة محدودة على التعرف إلى عمليات الاستقطاب غير الرسمية ومعالجتها عندما تتم عبر معلمين أفراد أو منظمات مدنية أو وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن ثم، فإن التحدي الذي تواجهه تايوان لا يتمثل في تحديد ما إذا كان ينبغي إنهاء التبادلات عبر المضيق، بل في كيفية الحفاظ على التواصل المشروع بين الأفراد، مع تعزيز الشفافية والحد من فرص الاستغلال السياسي وحماية الأمن القومي.
