بعد أربع سنوات ونصف من الحرب، لا تزال مفاوضات السلام متوقفة، فيما تصعّد روسيا وأوكرانيا ضرباتهما ضد منشآت الطاقة والبنية التحتية اللوجستية وحركة الشحن في البحر الأسود، ما يجعل احتمال استمرار الحرب لفترة طويلة أكثر ترجيحاً.
بعد أربع سنوات ونصف من القتال في أوكرانيا، لا تبدو هناك أي نهاية واضحة للحرب في الأفق، في ظل عدم إحراز مفاوضات السلام أي تقدم خلال عام 2026. بل على العكس، ومع تصعيد كل من روسيا وأوكرانيا ضرباتهما ضد منشآت الطاقة والبنية التحتية اللوجستية والمستودعات، فضلاً عن الموانئ والسفن في البحر الأسود، يبدو أن احتمال استمرار الحرب لفترة طويلة آخذ في الازدياد.
لقد انتهت فعلياً ما تُسمى «صيغة أنكوريج»، أو ما يسميه الروس «روح أنكوريج»، في إشارة إلى التفاهمات التي تقول روسيا إنها تم التوصل إليها خلال قمة ترامب وبوتين التي عُقدت في ألاسكا عام 2025، في حين لم يتحدد بعد أساس جديد للمفاوضات. ولا تزال كل من موسكو وكييف واثقتين من قدرتهما على مواصلة الحرب لعدة أشهر إضافية وتحقيق تفوق في المفاوضات من خلال الضغط العسكري. ومع ذلك، لم يؤدِّ التصعيد حتى الآن إلى أي نتائج ملموسة. بل إنه يخلق وضعاً أكثر خطورة، قد تتوسع فيه الحرب إلى مناطق جديدة وتستقطب أطرافاً ومجالات أخرى.
ساحة معركة متوقفة
لم تشهد ديناميكيات القتال على طول خط التماس تغيراً جوهرياً خلال الأشهر القليلة الماضية. وتواصل القوات المسلحة الروسية التقدم ببطء، لكن لا توجد مؤشرات كثيرة تدل على أن موسكو ستتمكن من تحقيق أهدافها العسكرية في المستقبل القريب. ولا يزال الهدف الرئيسي لروسيا يتمثل في السيطرة على منطقة دونباس بأكملها، وهو ما يتطلب منها الاستيلاء على بعض أكثر المواقع تحصيناً في مقاطعة دونيتسك. وعلى الرغم من أن مجموعات القوات الروسية المتقدمة أصبحت، وفق تقديرات مختلفة، على مسافة تتراوح بين 5 و15 كيلومتراً من كراماتورسك وسلوفيانسك، فإن خطوط الدفاع الأوكرانية هناك تبدو صامدة، كما أن القرى المتناثرة والعوائق الطبيعية، مثل الأنهار والتلال، لن تؤدي إلا إلى جعل التقدم أكثر صعوبة.
ولم تتغير ديناميكيات القتال على طول خط التماس بشكل جوهري خلال الأشهر الماضية. فالقوات المسلحة الروسية تواصل التقدم ببطء، لكن لا يوجد ما يشير بقوة إلى أن موسكو ستنجح في تحقيق أهدافها العسكرية قريباً.
وأثار إعلان وزارة الدفاع الروسية فرض السيطرة الكاملة على كوستيانتينيفكا، أو كونستانتينوفكا، وهي معقل مهم في مقاطعة دونيتسك شهد قتالاً عنيفاً لأكثر من عشرة أشهر، اعتراضاً من جانب أوكرانيا. ويبدو أن الوضع نفسه ينطبق على مواقع أخرى، إذ لا تزال، على الرغم من التقدم الروسي والهجمات المضادة الأوكرانية، ضمن منطقة رمادية إلى حد كبير لم يتمكن أي من الطرفين من إخضاعها لسيطرة ثابتة.
كما تغيرت طبيعة الحرب بصورة كبيرة. فقد أصبحت أنواع مختلفة من الطائرات المسيّرة تهيمن على ما يُعرف بـ«مناطق القتل»، ما جعل تنفيذ الهجمات الواسعة النطاق أمراً غير عملي، وأصبح معظم التقدم على الأرض يتم بواسطة مجموعات تكتيكية صغيرة. وحتى عندما تنجح هذه الوحدات في التقدم ورفع أعلامها، فإن تأثير ذلك لا يدوم دائماً، إذ سرعان ما تستهدفها الطائرات المسيّرة وتُجبر على التراجع.
في الوقت نفسه، رفعت أوكرانيا تكلفة الحرب بالنسبة للكرملين من خلال تنفيذ ضربات لافتة في عمق الأراضي الروسية استهدفت مصافي النفط والمستودعات والبنية التحتية العسكرية. وردت روسيا بالمثل. وإذا كان لهذا التصعيد المتبادل من نتيجة، فهي أنه يزيد من ضبابية الحدود الفاصلة بين الأهداف المدنية والعسكرية.
وهذا الأمر ليس جديداً تماماً في الصراع الحالي، إذ سبق استهداف العديد من المنشآت الصناعية الكبرى، وخاصة مرافق الإنتاج العسكري والبنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج. وكانت روسيا لفترة طويلة الطرف الأكثر نشاطاً في هذا المجال، نظراً لقدرتها على ضرب مناطق أوكرانية بعيدة عن خطوط الجبهة. إلا أن هذا الوضع بدأ الآن يتغير.
اقتصاد تحت الضغط
في أواخر يونيو 2026، أطلقت كييف عملية استمرت 40 يوماً بهدف «الضغط على روسيا لإنهاء حربها». أولاً، حصلت أوكرانيا على طائرات مسيّرة هجومية متوسطة المدى مكّنتها من استهداف خطوط الإمداد المؤدية إلى شبه جزيرة القرم، ما أدى فعلياً إلى زيادة عزل شبه الجزيرة وتفاقم أوضاع الغذاء والطاقة فيها.
ثانياً، أحرزت أوكرانيا تقدماً في تطوير طائرات مسيّرة قادرة على ضرب منشآت في عمق الأراضي الروسية، فضلاً عن تأمين وصول مستقر إلى أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية. ويتجلى ذلك في الهجمات المتواصلة على البنية التحتية للطاقة، ولا سيما مصافي النفط. وبلغت أبعد ضربة في هذه الحملة مصفاة في مدينة أومسك، الواقعة على مسافة تقارب 2500 كيلومتر من الحدود الروسية الأوكرانية. كما شنت كييف سلسلة من الهجمات على مستودعات تابعة لأكبر شركات البيع بالتجزئة عبر الإنترنت في روسيا، موزعة على عدة مناطق روسية، وعطلت مرور ناقلات النفط وسفن نقل الحبوب وسفن الحاويات المتجهة إلى موانئ البحر الأسود والقادمة منها. وقد أثر ذلك في صادرات روسيا من النفط الخام والحبوب، وأجبرها على إعادة تنظيم سلاسل الإمداد.
وكانت نتائج عملية كييف متفاوتة. فقد فرضت بالفعل تحديات كبيرة على اقتصاد الحرب الروسي، إذ أدت الضربات المتواصلة على المصافي إلى أزمة وقود في أنحاء البلاد، مع تراجع طاقة التكرير واضطرار موسكو إلى استيراد البنزين والديزل من الخارج. كما أن تزايد عدد ضربات الطائرات المسيّرة وقدرتها على الوصول إلى مناطق بعيدة أدخلا الحرب إلى الحياة اليومية للكثير من الروس العاديين، حيث تُظهر استطلاعات حديثة ارتفاع مستويات القلق بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة من الصراع.
وإذا استمر الاتجاه الحالي نحو التصعيد من دون التوصل إلى اتفاقات جديدة، فقد تواجه روسيا وأوكرانيا شتاءً قاسياً، يتحول فيه الضغط الاقتصادي بصورة حتمية إلى أزمة إنسانية.
ومع ذلك، لم تفعل عملية الأربعين يوماً الكثير لتغيير الوضع على الأرض. فقد ألحقت أضراراً اقتصادية بروسيا، لكنها لم تزعزع تصميم موسكو على إنهاء الحرب وفق شروطها الخاصة. كما دفعت روسيا إلى تكثيف هجماتها على البنية التحتية اللوجستية الأوكرانية.
ففي الأسابيع الأخيرة، على سبيل المثال، كثفت روسيا ضرباتها ضد الموانئ الأوكرانية ومحطات الحبوب على البحر الأسود والسفن التجارية المتجهة إليها، ما وجّه ضربة قوية للصادرات الزراعية الأوكرانية، التي تمثل أحد مصادر الدخل القليلة المتبقية للبلاد. كما دمرت روسيا ما يقرب من 250 محطة وقود في مناطق مختلفة من أوكرانيا، ولا سيما المناطق القريبة من الجبهة في مقاطعات خاركيف ودنيبرو وزابوريجيا. وأخيراً، استغلت القوات الروسية النقص الأوكراني في الصواريخ الاعتراضية المخصصة لأنظمة الدفاع الجوي باتريوت، فصعّدت ضرباتها على منطقة كييف الكبرى التي تضم العديد من المنشآت العسكرية والصناعية.
وإذا استمر الاتجاه الحالي نحو التصعيد من دون التوصل إلى اتفاقات جديدة، فقد تواجه روسيا وأوكرانيا شتاءً قاسياً، يتحول فيه الضغط الاقتصادي بصورة حتمية إلى أزمة إنسانية.
نهاية محتملة للحرب
على الرغم من أن آفاق السلام لا تزال قاتمة، وبعد فشل المحاولات السابقة لصياغة إطار للسلام، فإن الخطوط العامة للطريقة التي قد تنتهي بها الحرب بدأت تصبح قابلة للتصور. أولاً، من المرجح أن تكون النهاية عبارة عن وقف لإطلاق النار على طول خط التماس، بدلاً من أي عمليات لتبادل الأراضي كان يُفترض أنها طُرحت في المناقشات الأمريكية الروسية في أنكوريج العام الماضي. وهذا لا ينفي احتمال أن تتمكن روسيا من السيطرة على مزيد من الأراضي قبل توقيع أي اتفاق. ثانياً، من المرجح أن تصبح أوكرانيا واحدة من أكثر دول أوروبا تسلحاً، وترتبط بشكل وثيق بالترتيبات الأمنية الغربية، وإن كان ذلك من دون عضوية رسمية في حلف شمال الأطلسي.
ورغم أن أياً من الطرفين لن يكون قد حقق جميع أهدافه، فإن كليهما قد يدعي تحقيق شكل من أشكال الانتصار. فقد تعتبر كييف أنها انتصرت من خلال الحفاظ على سيادتها واستقلالها وإمكان مواصلة الاندماج في الفضاء الأوروبي، في حين قد تعتبر موسكو أنها نجحت في إنشاء منطقة عازلة على حدودها ومنع انتشار قوات عسكرية غربية على الأراضي الأوكرانية. إلا أن نجاح هذا السيناريو الأخير سيعتمد على طبيعة الضمانات الأمنية التي ستُقدّم لأوكرانيا، والتي يُرجح أن تكون موضع مفاوضات شاقة.
وخارج أوكرانيا، ستحتاج روسيا والدول الأوروبية أيضاً إلى تنسيق إطار جديد للتعايش، يحدّ من العداء المتبادل ويضفي قدراً أكبر من البراغماتية على العلاقات. ومن دون اتفاق متين بشأن مستقبل الهيكل الأمني الأوروبي، وهو موضوع يُرجح أن يخضع بدوره لمفاوضات طويلة قد تنتهي بالفشل، ستظل العلاقات محفوفة بخطر اندلاع صراع جديد.
وعلى الرغم من أن الحرب الروسية الأوكرانية وصلت بوضوح إلى حالة من الجمود، فإن الظروف اللازمة للوصول إلى المرحلة النهائية من الحرب لم تنضج بعد.
ومن العوامل الإضافية التي ستجعل أي اتفاق سلام هشاً التطورات الداخلية في كل من أوكرانيا وروسيا، وهما دولتان ستواجهان تداعيات ثقيلة بعد انتهاء الحرب. وستظل خسارة الأراضي تؤرق السياسة الداخلية الأوكرانية لسنوات، ما سيغذي النزعات الثأرية لدى فئات تدفع باتجاه استعادة الأراضي المفقودة. كما أن روسيا، بعد أن تكون قد خرجت من الحرب ضعيفة اقتصادياً وأنفقت موارد هائلة فيها، ستسعى بدورها إلى الحصول على ضمانات متبادلة واضحة أو آليات ردع من الغرب.
وإلى جانب المشكلات الاقتصادية طويلة الأمد، من المرجح أن تواجه روسيا تحديات اجتماعية عميقة تتعلق بإعادة دمج جميع الجنود الذين سيتم تسريحهم من الخدمة العسكرية في المجتمع، وهي مشكلة سبق أن واجهها الاتحاد السوفييتي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي بعد الحرب في أفغانستان. بالإضافة إلى ذلك، سيتعرض العقد الاجتماعي القائم على توفير مستوى معيشي مرتفع نسبياً مقابل تقليص الحريات السياسية لمزيد من الضغوط في روسيا ما بعد الحرب.
وعلى الرغم من أن الحرب الروسية الأوكرانية وصلت بوضوح إلى حالة من الجمود، فإن الظروف اللازمة للوصول إلى نهايتها لم تنضج بعد. ولكي يسود المسار الدبلوماسي، يجب أن يصل الطرفان إلى قناعة بأن الاستمرار في الحرب، بما يحمله من خسائر في الأرواح واستنزاف للموارد الاقتصادية والعسكرية، لم يعد يخدم أي غرض استراتيجي أو سياسي. ومن الواضح أن كييف وموسكو لم تصلا إلى هذه المرحلة بعد، إذ لا يزال الطرفان يأملان في تغيير مسار الحرب لمصلحتهما.
ويبقى أن نرى ما إذا كان نهج «التصعيد من أجل خفض التصعيد» قادراً على فرض حل سلمي. لكن أمراً واحداً يبدو واضحاً: ستنتهي الحرب الروسية الأوكرانية بهدنة أو باتفاق سلام، وليس بانتصار كامل لأي من الطرفين.
ناندان أونيكريشنان زميل متميز في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث.
أليكسي زاخاروف زميل متخصص في روسيا وأوراسيا ضمن برنامج الدراسات الاستراتيجية في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث.
