القائمة الرئيسية

ما بعد العمدة القوي: لماذا تحتاج البلديات إلى استقلال حقيقي

ما بعد العمدة القوي: لماذا تحتاج البلديات إلى استقلال حقيقي
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة أهمية تجاوز فكرة «العمدة القوي» وحدها نحو بناء بلديات قوية ومستقلة فعلياً، موضحة أن منح العمدة صلاحيات تنفيذية لن يحقق تغييراً حقيقياً ما دامت البلديات خاضعة لسيطرة حكومات الولايات ومقيدة مالياً وإدارياً ووظيفياً. وتكشف المقالة كيف أن القيادة المحلية الفعالة تحتاج إلى صلاحيات واضحة وموارد كافية ومساءلة حقيقية، بحيث يتمكن القادة المنتخبون من إدارة المدن واتخاذ القرارات بكفاءة بدل الاكتفاء بتغيير الأشخاص داخل منظومة تظل محدودة الصلاحيات.

ينبغي ألا يقتصر النقاش الدائر في الهند حول تبنّي نموذج العمدة القوي على غرار مدينة نيويورك على الصلاحيات التنفيذية فحسب، إذ إن القيادة الفعالة لرئيس البلدية تتطلب أيضاً بلديات تتمتع بقدر أكبر من الاستقلال الوظيفي والمالي والإداري.

يتكرر طرح مسألة القيادة البلدية في المدن الهندية ضمن النقاشات المتعلقة بالسياسات العامة والحوارات الأكاديمية على حد سواء. وقد اكتسب هذا النقاش زخماً على خلفية انتخابات عمدة مدينة نيويورك التي اختُتمت في نوفمبر 2025. وكان الرأي السائد آنذاك أن المدن الهندية، ولا سيما كبرى المدن الحضرية، تحتاج إلى عمدة قوي على غرار نموذج نيويورك. ولا تزال الحجة الداعمة لوجود عمدة منتخب يتمتع بصلاحيات تنفيذية مقنعة، إلا أن النقاش يحتاج الآن إلى تجاوز منصب العمدة نفسه والتركيز على الاستقلال المؤسسي للبلدية التي يُفترض أن يقودها.

ولا تزال الحجة الداعمة لوجود عمدة منتخب يتمتع بصلاحيات تنفيذية مقنعة، إلا أن النقاش يحتاج الآن إلى تجاوز منصب العمدة نفسه والتركيز على الاستقلال المؤسسي للبلدية التي يُفترض أن يقودها.

مبررات وجود عمدة قوي

عُرضت مختلف الأفكار التي تشكّل أساس هذا الرأي بوضوح في التقرير السادس للجنة الإصلاحات الإدارية الثانية بشأن الحكم المحلي. وقد تناول التقرير السؤال الجوهري الذي يقع في صميم النقاش الحالي: من ينبغي أن يكون الرئيس التنفيذي للهيئة المحلية الحضرية؟

وجادل التقرير بأنه، في ظل التوسع الحضري السريع والتحديات المتعددة الأبعاد التي تواجه المدن، فإن الحكم الرشيد يتطلب رؤية طويلة الأمد وقيادة مستقرة. ولذلك أوصى بأن يتولى العمدة المنتخب السلطة التنفيذية.

كما رأت لجنة الإصلاحات الإدارية الثانية أن تمكين الحكومات المحلية يستند إلى مبدأي تفريع الصلاحيات إلى أدنى مستوى مناسب ومشاركة المواطنين في العمليات الديمقراطية. وشددت على أن إسناد الصلاحيات التنفيذية إلى مسؤول غير منتخب تعيّنه حكومة الولاية ينطوي على خطر تحويل الحكم المحلي إلى مجرد ممارسة رمزية.

كما أيدت اللجنة وجود عمدة قوي يُنتخب مباشرة من جميع الناخبين داخل الهيئة المحلية الحضرية، ولا سيما في المدن الكبرى، على أن تكون مدة ولايته خمس سنوات. وأبدت تحفظاً تجاه انتخاب العمدة بصورة غير مباشرة، معتبرة أن ذلك قد يجعل النظام البلدي عرضة لعمليات المساومة السياسية وتبادل المصالح، بما يؤدي إلى إضعاف سلطة العمدة وتقويض جودة الإدارة.

وأوصت اللجنة بأن يصبح مجلس الوزراء التابع للعمدة أعلى سلطة لاتخاذ القرار في الهيئة المحلية الحضرية. وينبغي للعمدة أن يختار أعضاء هذا المجلس من بين أعضاء المجلس البلدي، وأن يعمل المجلس مباشرة تحت إشرافه. كما ينبغي أن تكون للعمدة الكلمة الفصل في أي مسألة تنفيذية.

وتناولت اللجنة أيضاً المخاوف من احتمال أن يمارس عمدة يتمتع بهذه القوة سلطاته من دون رقابة، موضحة أن المؤسسة البلدية ستواصل فرض ضوابط على العمدة. وستكون للهيئة البلدية السلطة النهائية فيما يتعلق بإقرار الميزانية، ووضع اللوائح، واتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بالسياسات، وممارسة الرقابة.

كما سيشكّل الرأي العام ووسائل الإعلام الحرة ضمانة إضافية. والأهم من ذلك أن مكتب أمين المظالم المستقل، الذي اقترحته اللجنة في تقريرها بشأن «الأخلاقيات في الحكم»، سيكون مسؤولاً عن ضمان مساءلة العمدة.

ولم تتصور لجنة الإصلاحات الإدارية الثانية مجرد استبدال المفوض البلدي بالعمدة. بل أوصت أيضاً بأن يمارس المفوض المهام التي يفوضها إليه العمدة، وأن تتولى الهيئات المحلية الحضرية تدريجياً مسؤولية تعيين مفوضيها وموظفيها.

وبالتالي، تجاوزت هذه التوصيات مسألة تغيير الشخص الذي يشغل المنصب التنفيذي، إذ تصورت منح الهيئات المحلية الحضرية قدراً أكبر من الاستقلال الوظيفي والمالي والإداري. أما التطبيق الانتقائي لتوصية اللجنة المتعلقة بالعمدة القوي، من دون تنفيذ المقترحات المصاحبة بشأن نقل الصلاحيات الوظيفية والمالية والإدارية، فلن يكون أكثر من مجرد تغيير للشخص الذي يشغل منصباً يظل مقيداً أصلاً.

لماذا يحتاج العمدة القوي إلى بلدية قوية؟

إن استبدال المفوض البلدي المعيّن في الهند بعمدة منتخب يتولى منصب الرئيس التنفيذي لن يكون أكثر من تغيير رمزي إذا استمرت الهيئات المحلية الحضرية في الخضوع لسيطرة واسعة من حكومات الولايات وظلت تتمتع باستقلال مؤسسي محدود.

ففي معظم الولايات، لا تستطيع البلديات أن تقرر بصورة مستقلة الوظائف التي ستؤديها أو الضرائب التي ستفرضها. إذ تبقى هذه القرارات في يد حكومة الولاية. كما لا تستطيع الهيئات المحلية الحضرية اعتماد المخطط الرئيسي لمدنها، لأن هذه السلطة تعود أيضاً إلى حكومة الولاية.

أما رئيسها التنفيذي فهو مسؤول تعيّنه حكومة الولاية، كما يحتاج العديد من كبار المسؤولين الآخرين إلى موافقة الولاية على تعيينهم، أو يتم انتدابهم من أجهزة الخدمة العامة التابعة للولاية.

لا يستطيع العمدة المنتخب توفير قيادة فعالة إذا كانت البلدية نفسها تفتقر إلى استقلال حقيقي وذي معنى.

وفي جوهر الأمر، لا تستطيع الهيئات المحلية الحضرية أداء سوى المهام التي تسندها إليها حكومة الولاية، وبالطريقة التي تحددها هذه الحكومة.

وفي ظل هذا الواقع، من غير المرجح أن يؤدي تعيين العمدة رئيساً تنفيذياً، سواء كان منتخباً بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تحسين جودة اتخاذ القرار أو استقلاليته داخل الهيئات المحلية الحضرية. فالعمدة المنتخب لا يستطيع تقديم قيادة فعالة إذا كانت البلدية نفسها تفتقر إلى استقلال حقيقي.

ويبرز هذا الوضع مشكلة أعمق أيضاً، وهي أن الهيئات المحلية الحضرية، في ظل الإطار القانوني السائد، لا تمتلك قيادة حقيقية ولا يبدو أنها «بحاجة» إليها وفقاً لطبيعة هذا النظام.

وقد يوفر المفوضون البلديون المعيّنون قيادة إدارية جيدة، لكنهم لا يستطيعون أن يحلوا محل القيادة السياسية الديمقراطية اللازمة لإدارة هيئات الحكم الذاتي المحلية. ففي الأنظمة الديمقراطية والهيئات المنتخبة شعبياً، يكون القادة الحقيقيون منتخبين، في حين أن المفوضين البلديين ليسوا كذلك.

أولاً، يجب أن يتمتع القادة بمدة ولاية محددة مسبقاً وينص عليها القانون، بينما تتحكم حكومة الولاية في مدة بقاء المفوضين البلديين في مناصبهم. وتشير التقارير إلى أن متوسط مدة خدمة المفوض البلدي على مستوى الهند لا يتجاوز عشرة أشهر.

ثانياً، يكون القائد مسؤولاً أمام المواطنين. أما المفوض البلدي، فهو مسؤول أمام حكومة الولاية.

وبوصفهم موظفين حكوميين محترفين، يؤدي المفوضون البلديون دوراً إدارياً. فهم يوجّهون موظفي البلدية، ويحددون المهام والأهداف، ويراقبون الأداء.

ومن شأن استبدال المفوض بالعمدة أن يغيّر حقيقة واحدة فقط، وهي أن العمدة، بخلاف المفوض، سيكون منتخباً. إلا أن حرية العمدة في أداء وظائفه ستظل مقيدة بالقدر نفسه الذي كانت عليه حرية المفوض. وقد لا يكون مثل هذا العمدة قادراً على قيادة المدينة، بل سيظل خاضعاً لتوجيهات حكومة الولاية.

الدور الدستوري والقانوني المحدود للعمدة

لسوء الحظ، لم يحاول التعديل الدستوري الرابع والسبعون معالجة هذا الوضع. فقد منح البلديات مكانة دستورية، لكنه ترك للمجالس التشريعية في الولايات مسألة تحديد إجراءات انتخاب رؤساء المجالس البلدية أو العمد، وكذلك الصلاحيات التي ستمارسها البلديات فعلياً.

ولم ينشئ التعديل منصب عمدة يتمتع بصلاحيات دستورية قوية، كما لم يفرض نقلاً جوهرياً للسلطات إلى البلديات.

وتتضح آثار هذا الإطار من خلال الطريقة التي تحدد بها قوانين الولايات دور العمدة.

فعلى سبيل المثال، يعترف قانون الهيئات المحلية الحضرية في تاميل نادو لعام 1998، الذي ألغى قانون مؤسسة بلدية مدينة تشيناي لعام 1919، بالعمدة رسمياً باعتباره إحدى السلطات البلدية، ويمنحه بعض الصلاحيات المتعلقة بالتنسيق والتفتيش والموافقة.

إلا أن القانون ينص في الوقت نفسه على تعيين المفوض من جانب حكومة الولاية، مع استمرار تمتعه بكامل السلطة التنفيذية البلدية.

ويُكلف العمدة برئاسة اجتماعات المؤسسة البلدية، كما يحق له طلب تقارير من المفوض حول المسائل البلدية، ويكون بحكم منصبه عضواً في جميع اللجان البلدية. كذلك تحتفظ حكومة الولاية بسلطة إقالة العمدة.

ومن ثم، وعلى الرغم من الاعتراف الرسمي بالعمدة داخل الهيكل القانوني، فإن دوره، في غياب الصلاحيات التنفيذية، يظل محصوراً في الحضور الشرفي والإجرائي.

وتتضح آثار هذا الإطار من خلال الطريقة التي تحدد بها قوانين الولايات دور العمدة.

ويقدم قانون مؤسسة بلدية بريهانمومباي مثالاً آخر على الدور المحدود المسند إلى العمدة.

إذ تنص المادتان 36 و37 من القانون على أن تنتخب المؤسسة البلدية، خلال أول اجتماع لها بعد الانتخابات العامة، أحد أعضاء المجلس البلدي عمدة للمدينة.

كما يكون العمدة مسؤولاً عن الدعوة إلى اجتماع شهري للمؤسسة ورئاسته، ويمكن لحكومة الولاية عزله إذا أخفق في الدعوة إلى اجتماعين متتاليين من هذا النوع.

وتوضح الأحكام المنظمة لعزل العمدة بصورة إضافية مدى محدودية السلطة الممنوحة لهذا المنصب.

وباختصار، لا يوجد في المدينة من يؤدي دور القائد الحقيقي، فلا العمدة الشرفي يؤدي هذا الدور، ولا المفوض التنفيذي يقوم به.

وغالباً ما يضع الهيكل المؤسسي الهيئة المنتخبة في موقع الطرف المقابل للمفوض، بدلاً من اعتبارها السلطة السياسية التي ينبغي للإدارة أن تكون مسؤولة أمامها.

ومن جانبه، يميل المفوض البلدي إلى النظر إلى العمدة وأعضاء المجلس البلدي والفاعلين السياسيين المحليين على أنهم يعملون لتحقيق هدف واحد، يتمثل في الحصول على مفوض يستجيب لمصالحهم، أو السعي إلى إقالته إذا لم يكن كذلك.

ويترتب على هذا الوضع عواقب خطيرة على الحكم والأداء البلدي.

وتصبح المسألة أكثر حساسية بالنسبة إلى المفوض عندما تكون الأغلبية السياسية المحلية تابعة للحزب نفسه الذي يحكم الولاية. ففي مثل هذه الحالات، قد تجد حكومة الولاية نفسها مضطرة إلى نقل المفوض من منصبه.

وفي العديد من الحالات، عُرف عن حكومات الولايات تدخلها للحفاظ على التماسك السياسي داخل الحزب. وبغض النظر عن الطريقة التي تنتهي بها هذه المواقف، فإن المدينة هي التي تتحمل العواقب في نهاية المطاف.

لا يستطيع العمدة القوي توفير قيادة سياسية فعالة إلا إذا كان مدعوماً ببلدية قوية ومستقلة تتمتع بسلطات واضحة وموارد كافية وآليات للمساءلة.

الخلاصة

يعيدنا ذلك إلى الاستنتاج المعتاد: عندما تكون الهيئة المحلية الحضرية المتعثرة بحاجة إلى تدخل هيكلي كبير من أجل إحيائها، فإن مجرد تغيير القيادة لن يحل نقاط ضعفها الأساسية.

فالمدن، التي تتحمل مسؤوليات يومية كبيرة، تحتاج إلى نظام يتيح اتخاذ قرارات سريعة وعالية الجودة. إلا أن الهيئات المحلية الحضرية لا تزال مثقلة بهياكل معقدة وبغياب الوضوح في توزيع المسؤوليات، وهو ما يؤدي إلى وجود ثغرات في المساءلة.

ولا يمكن إصلاح مثل هذا الهيكل إلا من خلال جعل الهيئات المحلية الحضرية، في المقام الأول، هيئات تتمتع بالحكم الذاتي وبالصلاحيات اللازمة.

فاستبدال مفوض مقيد بعمدة مقيد لن يعالج القيود المؤسسية الأساسية التي تعاني منها البلدية.

ولا يستطيع العمدة القوي أن يوفر قيادة سياسية فعالة إلا عندما تدعمه بلدية قوية ومستقلة تتمتع بسلطات واضحة وموارد كافية وآليات للمساءلة.

وبالتالي، لا تكمن القضية ببساطة في الحاجة إلى عمد أقوى، بل في الحاجة إلى بلديات أقوى تمكّن القادة المنتخبين من ممارسة الحكم بفعالية.

راماناث جها زميل متميز في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث.

المصدر

مقالات ذات صلة