القائمة الرئيسية

القنبلة الذرية، المنفى واختبار أواصر الأخوة: روبرت وفرانك أوبنهايمر

القنبلة الذرية، المنفى واختبار أواصر الأخوة: روبرت وفرانك أوبنهايمر
ملخص المقال

يتناول المقال التحدي الأخلاقي الناجم عن التقدم العلمي الهائل، لا سيما في مجالات مثل الأسلحة النووية، الذي يثير تساؤلاً جوهريًا حول: من يمتلك حق اتخاذ القرارات بشأن استخدامها أو التحكم بها؟ يستعرض المقال قصة الأخوين أوبنهايمر كحالة دراسية لهذا الصراع؛ فبينما رأى روبرت، "أبو القنبلة الذرية"، أن هذه القرارات يجب أن تُترك للخبراء وأصحاب النفوذ، آمن شقيقه فرانك بشدة بضرورة إشراك عامة الناس وتثقيفهم للمشاركة في هذه الحوارات الحاسمة. وعلى الرغم من المصاعب التي واجهها كلاهما وسقوط روبرت السياسي، إلا أن رؤية فرانك للتعليم العلمي الشعبي تجسدت في إنشاء "الإكسبلوراتوريوم" (Exploratorium)، مؤكدًا أن المجتمع قادر على اكتساب الحكمة الجماعية لمعالجة التحديات العالمية. يختتم النص بالتأكيد على أن هذه القصة التاريخية، والصراع حول دور الجمهور في توجيه العلم، لا تزال أكثر إلحاحًا اليوم من أي وقت مضى.

من حين إلى آخر، يقدم العلم ما يشبه الحبوب السامة. فالمعرفة التي نكتسبها أثناء استكشاف كيفية عمل الطبيعة قد تفتح أبوابًا نتمنى لو ظلت مغلقة. وعلى مدى جزء كبير من العام الماضي، امتلأت خلاصات أخبارنا بقصص عن قدرة القوى الحاسوبية الهائلة على إنشاء «عقول» غير بشرية تفتقر إلى الضوابط الأخلاقية، وربما تتعلم التفكير على نحو أفضل منا، ثم ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وعلى الشاشة الكبيرة، استكشف فيلم أوبنهايمر تهديدًا يعيش البشر في ظله منذ نحو 80 عامًا، وهو إمكانية إطلاق الطاقة الكامنة في الذرة لتشغيل قنابل ذات قدرة تدميرية تفوق التصور.

عندما تهدد الاختراعات التي قد تؤدي إلى كارثة البشرية جمعاء، فمن يقرر كيفية استخدامها، أو ما إذا كان ينبغي استخدامها أصلًا؟ وعندما يبدأ حتى العلماء في استخدام عبارات مثل «انقراض البشر»، فأي صوت ينبغي أن تكون له الكلمة الفصل؟

كانت هذه الأسئلة في صميم فيلم أوبنهايمر، العمل السينمائي الضخم الذي حصد ترشيحات لأكثر من اثنتي عشرة جائزة أوسكار. أما بالنسبة إليّ، فقد لامس الفيلم شيئًا مختلفًا. فقد أمضيت وقتًا طويلًا مع فرانك أوبنهايمر خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حياته. ورغم أنني لم أعرف شقيقه روبرت قط، ظل فرانك يشعر بألم عميق بسبب ما اعتبره فرصة ضائعة من جانب روبرت، إذ لم يستغل نفوذه للتحدث بصراحة مع الناس حول العالم عن كيفية حماية أنفسهم في ظل هذا التهديد الجديد.

خلال سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، تعرضت العلاقة العاطفية الوثيقة بين الأخوين، روبرت، «أبو القنبلة الذرية»، وشقيقه الأصغر فرانك، الذي كان يصف نفسه مازحًا بأنه «عم القنبلة»، لضغوط شديدة، بل انقطعت لفترة من الزمن. كان كلاهما يأمل أن تبقى التكنولوجيا النووية الناشئة خاضعة لسيطرة عالمية وسلمية. وكان كلاهما يأمل أن يؤدي الرعب الهائل للأسلحة التي أسهما في صنعها إلى عالم بلا حروب.

كانا في صف واحد، لكنهما لم يكونا متفقين على الاستراتيجية.

روبرت، الذي تصاعدت شهرته بعد الحرب، رأى أن القرارات ينبغي أن تُترك للخبراء الذين يفهمون القضايا المطروحة ويمتلكون القدرة على تحويل قراراتهم إلى واقع، أي لأشخاص من أمثاله. أما فرانك، فكان يؤمن بالقدر نفسه من الحماس بأن عامة الناس يجب أن يكون لهم دور في هذه القرارات. فقد احتاج الانتصار في الحرب إلى الجميع، على حد قوله، وكذلك يحتاج تحقيق السلام إلى الجميع.

في النهاية، خسر الاثنان. ودفع كلاهما ثمن جهوده على حساب مسيرته المهنية، وإن تمكن فرانك في نهاية المطاف من إحياء أفكاره في صورة «متحف علمي للشعب» ترك أثرًا عالميًا.

وبالنظر إلى أن سؤال «من يقرر؟» يقف خلف الكثير من العلوم التي تتطور بسرعة في عصرنا، تبدو قصة الأخوين اليوم أكثر إلحاحًا وأهمية من أي وقت مضى.

تربية أخلاقية

في نواحٍ كثيرة، كان الأخوان أوبنهايمر متشابهين إلى حد كبير. درس كلاهما الفيزياء، وكان كلاهما مدخنًا شرهًا، وأحب كلاهما الفن والأدب. وتمتع الاثنان بعينين زرقاوين نافذتين ورثاهما عن والدتهما، إيلا فريدمان أوبنهايمر، وهي فنانة كانت تخفي يدًا مشوهة داخل قفاز دائمًا. أما والدهما يوليوس، فكان عضوًا في مجلس أمناء «جمعية الثقافة الأخلاقية»، التي كرست نفسها لما وصفته بـ«محبة الصواب».

عاش الأخوان في شقة واحدة في مانهاتن، تحيط بهما الخادمات ولوحات رينوار والكتب التي تراكمت على امتداد الممرات ووصلت إلى الحمامات. وكانت إيلا تخشى الجراثيم بشدة، لذلك كان المدرسون والحلاقون يأتون إلى المنزل. حتى إن فرانك أجرى عملية استئصال اللوزتين في غرفة نومه. والتحق الشقيقان بمدارس الثقافة الأخلاقية في نيويورك، لذلك تشربا مفهوم الأخلاق منذ طفولتهما.

لكن الاختلافات بينهما كانت كبيرة أيضًا.

وصف روبرت نفسه قائلًا إنه «ولد صغير متملق، مقزز من شدة حسن سلوكه». أما فرانك، فلم يكن كذلك إطلاقًا. فقد اعتاد التسلل ليلًا لتسلق خزانات المياه فوق أسطح مباني نيويورك. وبحلول المرحلة الثانوية، أصبح يستخدم التيار الكهربائي في منزل العائلة للحام أي قطعة معدنية تقع في يده. كما فكك بيانو والده الذي يعمل بآلية ميكانيكية، ثم أمضى الليل بأكمله في إعادة تركيبه.

أنهى روبرت دراسته في جامعة هارفارد خلال ثلاث سنوات، وحصل على الدكتوراه من جامعة غوتنغن بعد عامين فقط، في عام 1927، عندما بلغ الثالثة والعشرين. أما فرانك، فلم يحصل على الدكتوراه حتى بلغ السابعة والعشرين. اتسم روبرت بالغرور، وكان شديد الانتقائية فيمن يصاحبهم. أما فرانك، فكان يتحدث مع أي شخص تقريبًا، وقد فعل ذلك فعلًا، حتى إنه أصبح لاحقًا صديقًا لأحد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي كان يتعقبه.

عندما انضم روبرت إلى هيئة التدريس في معهد كاليفورنيا للتقنية، وُصف بأنه «أشبه بقديس شفيع»، يقف دائمًا في مركز المشهد، أنيقًا، بليغًا وآسرًا. وعندما وصل فرانك إلى المعهد بعد سنوات طويلة للدراسات العليا، وُصف بأنه يقف «على الهامش، منكفئ الكتفين، بثياب مبعثرة ومهترئة، وأصابع لا تزال متسخة من المختبر».

ومع ذلك، أحب أحدهما الآخر حبًا عميقًا. بكى فرانك عندما غادر روبرت للدراسات العليا في أوروبا. وكتب روبرت إلى شقيقه فرانك أنه على استعداد للتخلي عن إجازته «من أجل قضاء أمسية واحدة معك». وكان يرسل إلى شقيقه الأصغر كتبًا في الفيزياء والكيمياء، وسدسًا، وبوصلات، وبندولًا إيقاعيًا، إلى جانب رسائل مليئة بالحكمة الأخوية. ومن العبارات التي أحبها شخصيًا: «محاولة أن تكون سعيدًا تشبه محاولة بناء آلة لا توجد لها مواصفات سوى أن تعمل من دون ضجيج».

في الصيف، كانا يلجآن إلى كوخ في جبال نيو مكسيكو، أطلق عليه روبرت اسم «بيرو كالينتي» Perro Caliente، أي «هوت دوغ» بالإسبانية. وكانا يمتطيان الخيول فوق قمم يزيد ارتفاعها على 13 ألف قدم، ويقطعان ألف ميل كل صيف. وفي إحدى جولات الركوب ليلًا، سقط روبرت عن حصانه. قال فرانك: «لقد كان نحيفًا جدًا أصلًا. وفجأة وجدت هذه الكتلة الصغيرة من البروتوبلازم على الأرض، لا تتحرك. كان الأمر مخيفًا، لكنه كان بخير».

وفي أثناء رحلة بالسيارة عائدين إلى معهد كاليفورنيا للتقنية، انحرف فرانك بالسيارة إلى خندق، فكسر ذراع روبرت. وعندما توقف روبرت في متجر ليشتري حمالة لذراعه، عاد بحمالة حمراء زاهية ليخفف عن شقيقه الأصغر الذي كان يعرف أنه يشعر بالذنب بسبب الحادث.

أما العالم من حولهما، فكان مضطربًا، مع صعود الفاشية في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. وكانت آثار الكساد الكبير لا تزال تدفع الناس إلى البطالة. ظل روبرت بعيدًا إلى حد كبير عن السياسة، بينما انغمس فرانك فيها. تزوج من طالبة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي كانت عضوًا في رابطة الشباب الشيوعي، ثم انضم إليها هو أيضًا. وأعجب بالشيوعيين بسبب تعاملهم الجاد مع البطالة، وبسبب إدراكهم للأخطار التي يمثلها هتلر وموسوليني. أما نقطة التحول الحاسمة بالنسبة إليه، فجاءت من الطريقة التي عومل بها السود في مسبح عام بمدينة باسادينا. فقد سُمح للسود باستخدام المسبح يوم الأربعاء فقط، ثم كان يُفرغ من مياهه قبل أن يعود البيض إليه يوم الخميس. وبدا أن الحزب الشيوعي وحده يهتم بهذه القضية.

لم يوافق روبرت على قرار فرانك الانضمام إلى الحزب، كما لم يوافق على زوجته جاكي، وكان يشير إليها بعبارة «تلك النادلة». واتهم فرانك بأنه «بطيء» لأن حصوله على الدكتوراه استغرق وقتًا أطول مما اعتبره روبرت مقبولًا. ووصف زواج فرانك بأنه «طفولي». وسرعان ما أصبحت المشاعر متبادلة. فقد رأت جاكي لاحقًا أن روبرت وزوجته كيتي متكلفان ومزيفان وبخيلان.

أدرك فرانك سريعًا أنه لا يصلح لأن يكون شيوعيًا، فترك الحزب. فقد رأى أنه سلطوي أكثر من اللازم، وأن اهتمامه بالعدالة الاجتماعية أقل من اهتمامه بالمشاحنات الصغيرة. أما روبرت فلم ينضم إلى الحزب قط، رغم أن كيتي كانت عضوة فيه.

من النظرية الكمية إلى مصادمات الذرات

كان الأخوان يعملان في مجال الفيزياء عندما قصفت اليابان بيرل هاربر عام 1941. كان روبرت، الفيزيائي النظري، يشارك زملاءه الأمريكيين في بيركلي ومعهد كاليفورنيا للتقنية، حيث شغل منصبين أكاديميين في الوقت نفسه، أحدث التطورات الثورية في فيزياء ميكانيكا الكم. أما فرانك، الذي امتلك موهبة فطرية في العمل التجريبي، فكان يعمل مع إرنست لورنس في بيركلي على التكنولوجيا المتسارعة لتطوير مسرعات الجسيمات، التي أطلق عليها البعض اسم «محطمات الذرات».

وبمجرد أن اتضح أن الطاقة الهائلة الموجودة داخل نواة الذرة يمكن استخدامها لصنع قنبلة، وأن ألمانيا النازية ربما تعمل بالفعل على ذلك، وافق الرئيس فرانكلين روزفلت على جهد أمريكي واسع النطاق للتفوق عليهم والوصول إلى القنبلة أولًا، وهو مشروع مانهاتن. وجاء اختيار الجنرال ليزلي غروفز لروبرت مديرًا للمشروع مفاجئًا للجميع. ففي غضون وقت قصير، تحول ذلك الشاب الحالم الذي يستمتع بقراءة الشعر باللغة السنسكريتية إلى قائد أكثر تجمع علمي كثافة من العقول اللامعة عرفه العالم حتى ذلك الوقت، حيث استُدعي علماء من مختلف أنحاء العالم إلى مختبر مؤقت أقيم فوق هضبة مقفرة في نيو مكسيكو لبناء قنبلة ذرية توقف هتلر.

في تلك الأثناء، عمل فرانك مع لورنس على ما أسماه «مضامير السباق»، وهي أجهزة عُرفت رسميًا باسم «الكاليوترونات»، واستُخدمت لاستخلاص كميات صغيرة لكنها حيوية من اليورانيوم النقي 235 من خليط ملوث من النظائر، وذلك عبر توجيهها في دوائر باستخدام المغناطيس. واليورانيوم 235، مثل البلوتونيوم 239، ينشطر بسهولة، وهو بالضبط ما يلزم لإطلاق تفاعل متسلسل. وبما أن أحدًا لم يكن يعرف كيفية جمع كتلة حرجة من هذه المادة لإحداث انفجار، جرى تطوير تصميمين في الوقت نفسه. وحصلت قنبلة البلوتونيوم على لقب «الرجل البدين»، بينما سُميت قنبلة اليورانيوم «الولد الصغير».

ساعد فرانك في الإشراف على مجمع ضخم لفصل اليورانيوم في أوك ريدج بولاية تينيسي. أحب فرانك الجنرال غروفز، وكان غروفز بدوره يحب فرانك، ودافع عنه لاحقًا عندما أُقصي من مجال الفيزياء بسبب مواقفه السياسية.

ومع اقتراب موعد اختبار القنبلة، انضم فرانك إلى شقيقه في موقع ترينيتي، وهي منطقة صحراوية جافة تكسوها الشجيرات، وكانت في السابق جزءًا من ميدان القصف في ألاموغوردو. ورأى فرانك أن مهمته، في مفارقة لافتة، تتمثل في العمل «مفتشًا للسلامة»، لذلك رسم مسارات للهروب عبر الصحراء، وتأكد من ارتداء العمال خوذات واقية.

وأخيرًا، في 16 يوليو 1945، صدر الأمر بالمضي قدمًا. وبعد ليلة طويلة عاش خلالها الجميع حالة من التوتر وهم يراقبون الأمطار الغزيرة والبرق العنيف حول «الجهاز»، وهي قنبلة بلوتونيوم من طراز «الرجل البدين» موضوعة فوق برج يبلغ ارتفاعه 100 قدم، جرى الضغط على الزر، بالمعنى الحرفي والمجازي للكلمة.

استلقى الشقيقان معًا في أقرب ملجأ، على بعد خمسة أميال، ورأسا إلى الأرض. وصف فرانك لاحقًا المشهد قائلًا: «سحابة معلقة فوق الأرض، غير دنيوية. كانت شديدة السطوع وشديدة الأرجوانية ومهيبة للغاية... وكان دوي الانفجار كله يرتد ذهابًا وإيابًا بين المنحدرات والتلال. واستمر الصدى يتردد ويتردد...». وقال إن السحابة «بدت وكأنها ستظل معلقة هناك إلى الأبد».

احتضن فرانك شقيقه، وقال: «أعتقد أننا قلنا فقط: لقد نجحت».

في 6 أغسطس 1945، أُسقطت قنبلة «الولد الصغير» على مدينة هيروشيما، المدينة التي ظلت بمنأى عمدًا عن القصف الأمريكي، حتى يمكن قياس حجم الدمار الناتج عن القنبلة بصورة أوضح. وفي لحظة واحدة تقريبًا، سُويت المدينة بالأرض، وتحول الناس إلى جثث متفحمة، بينما أخذ الناجون يعرجون وقد تقشرت جلودهم وتدلت من أجسادهم مثل الخِرَق. وتشير تقديرات السلطات اليابانية إلى مقتل نحو 140 ألف شخص جراء الهجوم وفي الأشهر التي تلته.

سمع فرانك الخبر خارج مكتب شقيقه في لوس ألاموس. وقال: «حتى ذلك الوقت، لا أعتقد أنني فكرت فعلًا في كل أولئك الناس الذين سُحقت حياتهم». وبعد أيام قليلة، أدى القصف الأمريكي لناغازاكي بقنبلة «الرجل البدين» إلى ارتفاع عدد الضحايا أكثر.

رأى بعض الفيزيائيين أن نجاحهم يمثل فشلًا أخلاقيًا. ومع ذلك، ظل كثيرون منهم، ومن بينهم فرانك وروبرت، يأملون أن تدفع هذه الأسلحة الجديدة الناس إلى رؤية العالم بطريقة مختلفة، وأن تؤدي في نهاية المطاف إلى السلام. قال روبرت: «في تلك الأيام، كنا نرفع نخبًا واحدًا فقط»، وكان ذلك النخب هو: «لا مزيد من الحروب».

سلاح لا يُحتمل

بعد الحرب، تباعدت حياة الأخوين بفعل الظروف، على نحو مؤلم لكليهما.

أصبح روبرت بطلًا، وكان يتعامل بسهولة مع أصحاب النفوذ. واشتهر بأنه كان رئيس ألبرت أينشتاين، إذ تولى إدارة معهد الدراسات المتقدمة في برينستون. وترأس لجنة لتقديم المشورة للحكومة بشأن نوع جديد وأقوى بكثير من القنابل، هو القنبلة الهيدروجينية. وبدلًا من شطر الذرات، تعتمد هذه القنبلة على دمجها، باستخدام الفيزياء نفسها التي تفسر عمل النجوم. ويمكن للقنبلة الهيدروجينية أن تبلغ قوة تعادل ألف مرة قوة «الولد الصغير».

صوتت لجنة روبرت بالإجماع ضد تطويرها. وجاء في توصيتها أن «الأخطار الهائلة التي ينطوي عليها هذا المقترح بالنسبة للبشرية تفوق بكثير أي ميزة عسكرية يمكن أن يوفرها هذا السلاح». ووصفت اللجنة القنبلة بأنها «تهديد لمستقبل الجنس البشري لا يمكن احتماله».

أما فرانك، فانضم إلى قسم الفيزياء في جامعة مينيسوتا، حيث صنع أجهزة للكشف عن الأشعة الكونية القادمة من الفضاء، مستخدمًا معدات مربوطة ببالونات كان يفقدها كثيرًا، ثم يلاحقها بحماس عبر غابات كوبا وغيرها من المناطق النائية. وشعر بحماس كبير تجاه اكتشافهم أن جسيمات الأشعة الكونية ليست مجرد بروتونات، كما كان يُعتقد، بل نوى لعناصر كثيرة، من الهيدروجين إلى الذهب، ما يشير إلى أن بعض هذه العناصر قد تشكل في انفجارات المستعرات العظمى.

وفي الوقت نفسه، كان يلقي محاضرات «في كل مكان»، بحسب تعبيره، محاولًا تثقيف الجمهور بشأن القنابل النووية، وشرح ما الذي تعنيه قوة تفوق «الولد الصغير» بألف مرة. تحدث أمام المصرفيين، والجمعيات المدنية، وطلاب المدارس. وكان يرى أن الأشخاص الذين يُوصفون بأنهم «أذكياء» ليسوا مختلفين كثيرًا عن سائر الناس. واعتقد فرانك أن عدم الثقة في «العامة» ينشأ إلى حد كبير من ميل الناس إلى إرجاع نجاحهم الشخصي إلى صفة واحدة لديهم، ثم «يؤلّهون» هذه الصفة ويستخدمونها معيارًا لقياس الآخرين جميعًا.

كان يؤمن بأن الناس سيثقفون أنفسهم إذا شعروا أن أصواتهم ذات قيمة. وقال: «لقد رأينا جميعًا، ولا سيما خلال الحرب، الزيادة الهائلة في كفاءة الناس التي تنشأ عن الشعور بالمسؤولية». فقد تطلب بناء «مضامير السباق» خلال الحرب تدريب آلاف الأشخاص «القادمين لتوهم من المزارع والغابات، لتشغيل أكثر المعدات غرابة وتعقيدًا وإصلاحها».

لكن مسيرته في الفيزياء سرعان ما توقفت. فقد ظل مكتب التحقيقات الفيدرالي يراقب الشقيقين لسنوات، ولم تتوقف مراقبتهما إلا أثناء الحرب، عندما تولت الاستخبارات العسكرية المهمة. كان العملاء يتبعونهما في كل مكان، ويتنصتون على هواتفهما، ويزرعون أجهزة تسجيل في منزليهما.

في عام 1949، تلقى فرانك استدعاء للمثول أمام لجنة الأنشطة المعادية لأمريكا في مجلس النواب، حيث رفض الاستفادة من الحق الدستوري في عدم تجريم نفسه، لكنه رفض أيضًا الإدلاء بشهادة ضد أي شخص سوى نفسه. وأُقصي عمليًا من قسم الفيزياء في جامعة مينيسوتا، وغادر مكتب رئيس القسم وهو يبكي.

تعثرت محاولاته للعثور على عمل في أماكن أخرى عند كل خطوة، رغم حصوله على دعم عدد من الحائزين على جائزة نوبل، والجنرال غروفز، وحتى إدوارد تيلر، المتحمس للقنبلة الهيدروجينية. وأخيرًا، قال له أحد عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي بصراحة: إذا أراد الحصول على وظيفة، فعليه أن يتعاون. عندها قال فرانك: «أدركت ما الذي يمثله ذلك الجدار».

بعد أن أغلقت الأبواب في وجهه، وكان قد اشترى للتو مزرعة لينتقل إليها «يومًا ما»، قرر فرانك وجاكي أن يصبحا مزارعين جادين لتربية الماشية. وتعلما من جيرانهما ومن كتب الطب البيطري. ومع ذلك، ظل مكتب التحقيقات الفيدرالي يلاحقهما، ويزعج الجيران للحصول على معلومات، بل ويوحي بأنهما يبثان أسرارًا نووية إلى المكسيك. وفي خضم ذلك كله، ظل فرانك يفكر ويكتب عن الفيزياء والسلام، والحقوق المدنية، والأخلاق، والتعليم، والدور الحاسم للصدق في العلم والحياة العامة.

لم يوافق روبرت على أي من أنشطة فرانك. فقد رأى أنه لا يوجد وقت لإشراك الجمهور في النقاش، وكان يعتقد أنه يستطيع استخدام شهرته ونفوذه للتأثير في السياسة في واشنطن ودفعها نحو أهداف سلمية. أما فرانك، فأعرب عن اشمئزازه مما اعتبره نهج شقيقه العقيم والنخبوي. وأوضح روبرت أنه يرى فكرة تحول فرانك إلى مزارع أمرًا سخيفًا بعض الشيء، فضلًا عن كونها أدنى من مستوى شقيقه.

شعر فرانك بأنه لم يعد قادرًا على الوصول إلى شقيقه. وكتب إلى صديقه المقرب روبرت ويلسون في جامعة كورنيل، في رسالة غير مؤرخة يُرجح أنها تعود إلى أوائل خمسينيات القرن العشرين: «رأيت أخي في شيكاغو. أخشى أنني لم أفعل سوى أنني أضحكته قليلًا عندما أخبرته، بدافع الحب الأخوي، أنني ما زلت واثقًا من أنه سيفعل يومًا ما شيئًا يجعلني فخورًا به».

رجل محطم

جاء سقوط روبرت، الذي أصبح لاحقًا قصة شهيرة، سريعًا. وقد كُتبت كتب كثيرة عن هذه القضية، ناهيك عن فيلم كريستوفر نولان الضخم. وباختصار، عوقب روبرت بسبب معارضته للقنبلة الهيدروجينية، وربما بسبب غروره وسذاجته أيضًا. وبعد سلسلة من جلسات الاستماع السرية، سُحبت منه تصاريح الوصول إلى المعلومات الأمنية، وأصبح، وفق جميع الروايات، رجلًا محطمًا.

لم يكن فرانك يحب الحديث عن الأمر. وقال: «لقد وثق بقدرته على التحدث إلى الناس وإقناعهم، لكنه كان يواجه أشخاصًا لم يعتادوا أن يقتنعوا بالكلام».

ومن أكثر شهادات روبرت إيلامًا خلال جلسات الاستماع تلك، ما تعلق بفرانك. فعندما سُئل عما إذا كان شقيقه قد انضم في أي وقت إلى الحزب الشيوعي، أجاب روبرت: «سيدي الرئيس... أطلب منك ألا تضغط في هذه الأسئلة المتعلقة بشقيقي. إذا كانت مهمة بالنسبة إليك، يمكنك أن تسأله هو. وسأجيب إذا سُئلت، لكنني أرجوك ألا تسألني هذه الأسئلة».

أما المأساة الأكبر التي جمعت الأخوين، فتمثلت في أن صنع أكثر أسلحة الدمار الشامل رعبًا في العالم، سلاحًا بالغ الفظاعة إلى درجة لا يمكن استخدامه، لم يغير كثيرًا الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الحرب. فقد أصبحت القنبلة الهيدروجينية مجرد سلاح آخر.

قال فرانك: «ما أسقطه لم يكن سقوطه من المكانة الرسمية فحسب، بل إن هذا السقوط مثل هزيمة لنوع السلوك المتحضر الذي كان يأمل أن تتبناه الدول».

توفي روبرت عام 1967 عن عمر ناهز 62 عامًا. أما آخر ذكرى لفرانك عن شقيقه، فكانت عائلية ومؤثرة على نحو خاص. كان روبرت مستلقيًا في السرير، يعاني ألمًا شديدًا بسبب سرطان الحلق. استلقى فرانك إلى جواره، وشاهدا معًا مسلسل «بيري ميسون» على التلفزيون.

طريق جديد

في الوقت الذي كان فيه روبرت يتعرض للتدمير السياسي، بدأ فرانك تدريس العلوم في مدرسة صغيرة مؤلفة من غرفة واحدة. وبعد فترة قصيرة، بدأ طلاب من باغوسا سبرينغز في كولورادو يفوزون في معارض العلوم على مستوى الولاية. وفي عام 1959، وبعد أن سُمح له أخيرًا بالعودة إلى الوسط الأكاديمي من خلال جامعة كولورادو، سارع فرانك إلى إنشاء «مكتبة للتجارب» باستخدام معدات جمعها من مختبرات أخرى.

كبرت تلك «المكتبة» مع مرور الوقت لتتحول إلى ساحة عامة هائلة للعلم، أقيمت داخل قصر الفنون الجميلة المهجور في سان فرانسيسكو. وكانت المعروضات، التي اتسم بعضها بالتعقيد والدقة، مصممة لكي يعبث الناس بها ويلمسوها، بل وحتى يكسروا بعضها. ولم يكن هناك حراس يمنعون الزوار من لمس الأشياء، ولا قواعد تمنع السرقة، والمثير للدهشة أن السرقات كانت شبه معدومة. أطلق فرانك على المكان اسم «إكسبلوراتوريوم» Exploratorium حتى لا يظنه الناس «متحفًا» يُتوقع فيه الالتزام بالسلوك الحسن، رغم أنه أحب فكرة أن «لا أحد يرسب في المتحف». وأسهم كبار العلماء والفنانين من مختلف أنحاء العالم بوقتهم ومواهبهم. ورسمت باربرا غاموف، زوجة الفيزيائي جورج غاموف، لافتة عُلقت فوق ورشة الآلات، جاء فيها: «هنا يجري إنشاء إكسبلوراتوريوم، متحف مجتمعي مكرس للوعي».

وفي النهاية، أحب أن أعتقد أن فرانك أثبت خطأ شقيقه، وخطأ معظم الآخرين أيضًا، بشأن استعداد الناس العاديين للمشاركة والتعلم. فقد قال إن «الجمهور الذي يوصف بأنه غير مبالٍ» سيصبح أكثر تفاعلًا إذا لم يشعر الناس بأنهم «خُدعوا وكُذب عليهم»، وإذا شعروا بأنهم محل تقدير واحترام. وإذا أصبح الناس شغوفين باكتشاف الأشياء بأنفسهم، فسيصبحون محصنين ضد الاضطرار إلى تصديق كلام أي متنمر يمتلك السلطة. وكان يرى أن المجتمع يستطيع الاستفادة من هذه الحكمة الجماعية لحل المشكلات العالمية الملحة، بل اعتبرها الطريق الوحيد القابل للنجاح.

واليوم، توجد مراكز علمية على نمط إكسبلوراتوريوم بشكل أو بآخر في مختلف أنحاء العالم.

وأعد نفسي واحدًا من آلاف الأشخاص الذين وقعوا في حب العلم بفضل فرانك، رغم أنني كنت أجد العلم موضوعًا مملًا، وذلك منذ اللحظة التي التقيته فيها عام 1971. وفي مصادفة غريبة تشبه زمننا الحالي، كانت أولى محاولاتي في الصحافة مقالًا عن الغزو السوفيتي لتشيكوسلوفاكيا لصالح مجلة نيويورك تايمز. كنت مهتمًا بالسلام، لا بالفيزياء. وأقنعني فرانك بالكتابة لصالحه، وشرح لي البصريات وميكانيكا الموجات حتى أقدمها للجمهور. وكانت جاكي أول محررة لي. وعلى مدى السنوات التالية، أمضيت مع فرانك ساعات لا حصر لها نتحدث عن الحياة والفن والعلم وعائلته، بما في ذلك شقيقه.

لا يقدم فيلم نولان أوبنهايمر الكثير من الرؤية لأفكار روبرت بشأن العلم والسلام، أو العلم والأخلاق الإنسانية. لكن روبرت فكر بالفعل في هذه القضايا وتحدث عنها، وجُمعت كثير من أفكاره في كتابه الصادر عام 1954 بعنوان العلم والفهم المشترك، إلى جانب مصادر أخرى.

ظل فرانك يشعر بالاضطراب، ويحتسي قليلًا من الكحول، في السادس من أغسطس من كل عام، ذكرى قصف هيروشيما. وكان يفرك جبهته بقوة، وكأنه يحاول محو شيء منها. وكانت لديه ردة الفعل نفسها تقريبًا تجاه العديد من الأعمال الدرامية السابقة التي تناولت قصة أوبنهايمر، لأنه رأى أنها ركزت أكثر من اللازم على سقوط شقيقه، بدلًا من التركيز على فشل المحاولات الرامية إلى استخدام رعب القنبلة لبناء عالم بلا حروب.

تخللت نزاهة فرانك الصارمة كل جوانب عملنا معًا. فقد رفض أن يصفني بأنني «كاتب ومحرر»، لأنه قال إن ذلك يعني أن الكاتب مقسوم على المحرر. وبدلًا من ذلك، أطلق عليّ لقب «مُفسّر الإكسبلوراتوريوم».

إذا قال أحدهم: «من المستحيل معرفة شيء ما، أو من المستحيل أن نشكر شخصًا شكرًا كافيًا»، كان يرد قائلًا: «ليس مستحيلًا، إنه فقط صعب جدًا، جدًا، جدًا».

ومهما كان الشيء المستحيل الذي يحاول فرانك تحقيقه، فقد رفض أن تسمح له عقبات ما يسمى بـ«العالم الحقيقي» بالتراجع. وكان يغضب ويقول: «إنه ليس العالم الحقيقي. إنه عالم اخترعناه نحن». كان يؤمن بأن بإمكاننا أن نفعل ما هو أفضل. وفي الواقع، تبدو الكثير من العبارات التي أطلقنا عليها لاحقًا اسم «فرانكيات» أكثر ارتباطًا بعصرنا من أي وقت مضى:

«الفنانون والعلماء هم الملاحظون الرسميون للمجتمع».

«إذا توقفنا عن محاولة فهم الأشياء، فسنغرق جميعًا».

وأعتقد أن التعامل مع الجانب المظلم من العلم سيتطلب منا أن نولي كل هذه الأفكار اهتمامًا وثيقًا. فـ«العالم الحقيقي» الذي يُقدم لنا على أنه أمر مفروض ليس بالضرورة الطريقة التي يجب أن تسير بها الأمور. ولا ينبغي أن نتحول إلى أوغاد. ولا يمكننا أبدًا أن نتوقف عن الملاحظة أو عن محاولة الفهم.

المصدر

مقالات ذات صلة