القائمة الرئيسية

لماذا نتوق إلى الرفقة

لماذا نتوق إلى الرفقة
ملخص المقال

يبرز هذا المقال أن الوحدة ليست شعورًا بشريًا فحسب، بل هي حاجة بيولوجية أساسية تشترك فيها العديد من الكائنات الحية، من الفئران إلى البشر، وتُعد ضرورية للبقاء على غرار الجوع والعطش. تشير الأبحاث إلى أن الدماغ ينظم مستوى التواصل الاجتماعي من خلال نظام "اتزان اجتماعي" معقد، حيث كشفت دراسات عالمتي الأعصاب كاي تاي وكاثرين دولاك عن وجود دوائر عصبية محددة في جذع الدماغ وتحت المهاد تستشعر الحاجة إلى الصحبة وتدفع الكائن الحي لطلبها أو الشعور بالرضا عند توفرها، كما أن نقص هذا التفاعل يؤدي إلى عواقب صحية وخيمة. كما تؤكد الأبحاث أن حاسة اللمس تلعب دورًا حاسمًا في تخفيف الشعور بالوحدة، حيث توفر الراحة والأمان. ويهدف فهم هذه الآليات العصبية إلى مساعدة الأفراد الذين يعانون من الوحدة وتطوير استراتيجيات علاجية مستقبلًا.

بالنسبة إلى أعيننا البشرية، لا يكشف وجه الفأر المغطى بالفرو عن الكثير من المشاعر. لكن إذا راقبت لغة جسد فأرة تلتقي مجددًا بإحدى شقيقاتها بعد أن أمضت خمسة أيام وحيدة في قفص، فقد يخيل إليك أنك تعرف تمامًا ما تشعر به.

تبدأ الفأرة التي عاشت في عزلة بإطلاق أصوات حادة لا تستطيع الأذن البشرية سماعها. ثم تتبع شقيقتها، وتتسلل أسفل جسدها كما لو كانت تحاول احتضانها. وتبدو وكأنها تشعر بما قد نشعر به نحن عندما نلتقي بصديق غاب عنا طويلًا أو بأحد أفراد العائلة بعد فراق، مع قدر أكبر ربما من الشم والاستنشاق.

تبدو وكأنها كانت تشعر بالوحدة.

الوحدة ليست حكرًا على البشر، وكذلك الأضرار التي تترتب عليها. وخلال العقد الماضي تقريبًا، بدأ بعض الباحثين يعتقدون أن رغبة الحيوان في صحبة الآخرين ليست مجرد تفضيل، بل حاجة أساسية راسخة بعمق. فعندما لا نتواصل اجتماعيًا بالقدر الكافي، نشعر بنقص الصحبة كما نشعر بالجوع أو العطش، بحسب هؤلاء الباحثين. وعندما نحصل على ما يكفينا من التواصل مع الآخرين، نشعر بالرضا والارتواء.

وقد يختلف مقدار التواصل الاجتماعي الذي يحتاج إليه الكائن باختلاف نوعه، بل قد يختلف أيضًا بين أفراد النوع الواحد. فقد اكتشف العلماء اختلافات في السلوك الاجتماعي بين أفراد النوع نفسه لدى الطيور والقرود والأسماك وحتى الصراصير.

وبين البشر، تقول عالمة الأعصاب كاي تاي من معهد سالك للدراسات البيولوجية في كاليفورنيا: «يمكن أن تشعر بالوحدة وأنت في حفلة، أو تشعر بالارتياح وأنت وحدك في مكتبك». ومهما يكن المقدار المثالي من القرب من الآخرين، ترى تاي وباحثون آخرون أن حاجة الحيوان إلى تحقيق توازن بين الوقت الذي يقضيه وحيدًا والوقت الذي يقضيه مع الآخرين تمثل شكلًا من أشكال الاتزان الداخلي، أي حالة توازن ضرورية للبقاء. واليوم، يسعى العلماء إلى معرفة المكان الذي يتحكم فيه الدماغ بهذا التوازن، آملين أن تسهم نتائج أبحاثهم مستقبلًا في مساعدة البشر الذين يعانون من الوحدة.

درجات مختلفة من التواصل الاجتماعي

تعيش القنادس مع أسرها المباشرة، بينما تتجمع طيور الزرزور في أسراب ضخمة تتحرك معًا في تشكيلات آسرة. أما ذكور إنسان الغاب البالغة فتجوب بمفردها إلى أن يحين وقت العثور على شريك. فما الذي يحدد المقدار المثالي من التواصل الاجتماعي بالنسبة إلى الحيوان؟

يقول عالم الأحياء التطوري تيم كلوتون بروك، الذي تقاعد من جامعة كامبريدج، إن عوامل عدة يمكن أن تدفع الأنواع إلى أن تصبح أكثر اجتماعية أو أقل اجتماعية مع تطورها. أحد هذه العوامل هو الحاجة إلى الحفاظ على الدفء. وهناك أيضًا البحث عن الغذاء، فهل يجعل البحث عن الطعام في مجموعة العثور عليه وتناوله أسهل بالنسبة إلى الحيوان، أم أكثر صعوبة؟ وماذا عن خطر الافتراس؟ هل يوفر العيش في مجموعات قدرًا أكبر من الأمان، أم أن الأفضل أن يعيش الحيوان منفردًا بحيث يصعب على المفترسات ملاحظته؟ وهل تحتاج الإناث إلى مساعدة الآخرين في تربية صغارها؟

ويقول كلوتون بروك إن «التعامل مع الجيران» يمثل عاملًا مهمًا أيضًا. فعلى سبيل المثال، تعيش حيوانات السرقاط التي يدرسها في صحراء كالاهاري ضمن مجموعات إقليمية، ويعني الصراع المستمر أن العيش في جماعات أفضل لها. وعندما ينفصل سرقاط بري عن مجموعته، تظهر عليه علامات اضطراب واضحة، ويظل ينظر حوله باستمرار. ويقول الباحث: «من الواضح جدًا أنهم يشعرون بقلق شديد».

ويرى كلوتون بروك أن التطور أتاح، داخل كل نوع، مجموعة متنوعة من أنماط الشخصية تتمحور حول متوسط معين خاص بالنوع. ويقول إن «هناك تكاليف للقلق المفرط» بشأن البقاء وحيدًا، كما أن هناك «تكاليف لعدم الشعور بالقلق بما يكفي». وقد يكون من الأفضل للنوع أن يضم مزيجًا من أنماط مختلفة في التعامل مع الحياة الاجتماعية.

ومهما يكن المستوى المناسب من النشاط الاجتماعي بالنسبة إلى الحيوان، تشير الأبحاث إلى أن عدم الحصول عليه قد يؤدي إلى عواقب خطيرة على الصحة النفسية والجسدية. فالأشخاص الذين يعيشون في عزلة اجتماعية أو يشعرون بالوحدة يموتون في سن أصغر. كما يرتبط ضعف الروابط الاجتماعية بأمراض القلب والسكتة الدماغية. وحتى لدى بعض إناث الجرذان، يؤدي إيواؤها بمفردها إلى زيادة احتمال إصابتها بالسرطان.

بدأت تاي دراسة الوحدة قبل وقت طويل من أن تدفع الجائحة بهذا الموضوع إلى واجهة الاهتمام العام. ففي عام 2016، أظهرت أن بعض الخلايا العصبية في جذع الدماغ، وهو أعمق أجزاء الدماغ وأقدمها، تنشط لدى ذكور الفئران التي تعيش في عزلة لمدة يوم ثم تلتقي بفأر آخر. وعندما عطّل العلماء هذه الخلايا العصبية، أصبحت الفئران التي كانت معزولة أكثر تحفظًا وأقل ميلًا إلى الاقتراب من الآخرين. أما عندما نشّط العلماء هذه الخلايا، أصبحت الفئران أكثر رغبة في البحث عن الصحبة.

وأدرك الباحثون أنهم ربما كانوا يشاهدون، كما تقول تاي، «الأساس الخلوي للوحدة».

وفي عام 2019، اقترحت تاي والباحثة المشاركة جيليان ماثيوز أن هذه الخلايا العصبية في جذع الدماغ تشكل جزءًا من نظام للاتزان الاجتماعي. وتصور الباحثتان أن دماغ الفأر يعمل مثل منظم الحرارة، إذ يستشعر مقدار الصحبة التي يحصل عليها الحيوان ويقارنها بمستوى مثالي محدد. ويمكن تسمية هذا المستوى أيضًا بنقطة الضبط. ففي جسم الإنسان، على سبيل المثال، تبلغ نقطة ضبط درجة الحرارة نحو 37 درجة مئوية، وعندما نبتعد عنها يبدأ الجسم في الارتجاف أو التعرق. وبالمثل، اقترحت الباحثتان أن دماغ الفأر يوجه سلوكياته للحفاظ على التوازن المناسب في مستوى نشاطه الاجتماعي.

وافترض العلماء أن حيوانات أخرى، بما فيها البشر، قد تشترك في هذا النظام. ورغم صعوبة اختبار فكرة كهذه لدى البشر، تعاونت تاي مع مجموعة بحثية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لإجراء تجربة جلس فيها أشخاص بمفردهم في غرفة لمدة عشر ساعات.

وبعد ذلك، أفاد المشاركون بأنهم يشعرون برغبة شديدة في التفاعل الاجتماعي. وعندما شاهدوا صورًا لأشخاص يضحكون معًا، أضاءت أدمغتهم في المنطقة نفسها التي تنشط لدى أشخاص صائمين عندما يشاهدون صورًا للطعام. وتقع هذه المنطقة أيضًا داخل جذع الدماغ، وهي غنية بالخلايا العصبية التي تستخدم الدوبامين وتشارك في توليد الرغبات.

وللحصول على مزيد من الأدلة على أن هذه الرغبة جزء من نظام حقيقي للاتزان الداخلي، درست كاثرين دولاك، عالمة الأعصاب في جامعة هارفارد ومعهد هوارد هيوز الطبي، منطقة أخرى من الدماغ هي منطقة تحت المهاد، وهي منطقة عميقة تقع فوق جذع الدماغ مباشرة، وتضم مراكز تتحكم في الجوع والعطش والحاجة إلى النوم. وتعمل هذه المنطقة على ضبط كل واحدة من هذه الحاجات الأساسية باستخدام ما يشبه منظم الحرارة العصبي، أو ما تحب دولاك أن تسميه «عداد الفاصوليا».

ففي حالة الجوع مثلًا، اكتشف العلماء مجموعة من الخلايا العصبية داخل منطقة تحت المهاد تحفز الشهية وتخبر الحيوان بأن يأكل. وهناك مجموعة أخرى من الخلايا العصبية تحفز الشعور بالشبع، وهو ما يسميه علماء الأحياء الشبع الفسيولوجي، وتخبر الحيوان بالتوقف عن تناول الطعام. لذلك توقعت دولاك أن تجد نظامًا مشابهًا في منطقة تحت المهاد يتعلق بالوحدة، ويتكون من مجموعتين من الخلايا العصبية، إحداهما «ترمز إلى الحاجة» إلى الصحبة، بحسب قولها، والأخرى «ترمز إلى حالة الاكتفاء منها».

وفي دراسة نُشرت عام 2025، عزلت دولاك وزملاؤها إناثًا بالغة من الفئران لمدة خمسة أيام. وفي اليوم الأول والثالث والخامس، سُمح لكل فأرة معزولة بزيارة شقيقتها لمدة عشر دقائق. وعندما نظر الباحثون إلى ما يحدث داخل أدمغة الفئران أثناء فترات العزلة ثم اللقاء من جديد، وجدوا ما كانوا يبحثون عنه تمامًا. فقد بدأت مجموعة من الخلايا العصبية في منطقة تحت المهاد بإطلاق إشاراتها عندما عاشت الحيوانات في عزلة، ثم توقفت عن النشاط عندما اجتمعت الفئران مجددًا. أما مجموعة ثانية من الخلايا العصبية فكانت تفعل العكس تمامًا.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فعندما استخدم العلماء تقنية تُعرف باسم علم البصريات الوراثي لتنشيط الخلايا العصبية المرتبطة بالعزلة اصطناعيًا في كل مرة تدخل فيها الحيوانات إلى حجرة معينة، بدأت الفئران تتجنب قضاء الوقت فيها. وأشار ذلك إلى أن تنشيط هذه الخلايا العصبية يولد لدى الفئران شعورًا سلبيًا. وتقول دولاك، التي شاركت في تأليف مراجعة حول التفاعل الاجتماعي بوصفه حاجة أساسية في «المراجعة السنوية لعلم الأعصاب» لعام 2026: «أن تكون وحيدًا أمر مزعج، بالطريقة نفسها التي ثبت أن الجوع فيها أمر مزعج».

لكن تنشيط الخلايا المقابلة، وهي الخلايا العصبية المرتبطة باللقاء من جديد، دفع الفئران إلى قضاء وقت أطول في الحجرة. وترتبط هذه الخلايا بنظام الدوبامين في الدماغ، الذي يوزع مشاعر المتعة والمكافأة.

وتقول دولاك إن السمة المميزة لنظام الاتزان الداخلي، إلى جانب جعلنا نشعر بالراحة أو الانزعاج، تتمثل في تأثير «الارتداد»، أي أنه كلما زاد الحرمان من شيء ما، زادت حاجة الحيوان إلى تعويضه. فعندما نشعر بالعطش الشديد، نشرب كمية أكبر من الماء. وقد لاحظ الباحثون الشيء نفسه لدى الفئران، إذ كلما طالت فترة عزل الفأرة، زاد الوقت الذي تقضيه في تتبع الفأرة الأخرى وشمها وإطلاق الأصوات الحادة لها.

وترى دولاك أن النتائج التي توصلت إليها في منطقة تحت المهاد، وتلك التي توصلت إليها تاي في جذع الدماغ، تمثل على الأرجح مكونات مختلفة للنظام نفسه. وقد كشفت دراسات أخرى عن وجود خلايا عصبية في مناطق إضافية من الدماغ قد تشارك في هذه العملية.

وتقول تاي إن آلية الاتزان الاجتماعي، مثل الشهية للطعام، قد تكون موزعة على مناطق عديدة من الدماغ. ففي نهاية المطاف، يحتاج الدماغ إلى اكتشاف مقدار التواصل الاجتماعي الذي نحصل عليه، ومقارنته بمستوى مثالي، ثم توجيه سلوكنا بحيث نحصل على قدر أكبر أو أقل من الصحبة.

ويعتقد العلماء أيضًا أن الدوائر العصبية التي تستشعر الوحدة وتديرها لدى البشر من المرجح أن تكون شبيهة بتلك الموجودة لدى القوارض. فعلى خلاف القشرة الدماغية التي تطورت في مراحل أكثر حداثة، تبدو المناطق العميقة في أدمغتنا شديدة الشبه بما يوجد داخل رأس الفأر. وربما يشعر الإنسان الوحيد بآثار دوائر عصبية تشكلت منذ مراحل بعيدة من تاريخ تطورنا.

أهمية اللمس

بعد دراسة إناث الفئران، بدأت دولاك الآن دراسة ذكور الفئران، التي تواجه دوافع اجتماعية متعارضة بسبب سلوكها الإقليمي تجاه الذكور الأخرى.

أما تاي، فقد بدأت بدورها دراسة الإناث بعد أن ركزت أبحاثها سابقًا على الذكور. وحتى الآن، لاحظت أن الإناث تصبح أكثر اجتماعية مع مرور الوقت، على خلاف الذكور التي تصبح أكثر انعزالًا بعد أسبوعين من العزلة، ولا تبدو سعيدة عندما تجتمع مجددًا مع الفئران الأخرى. وتصف تاي الأمر بأنه يشبه «مشاعر التجنب والدفاع عن المنطقة وكأنها تقول ابتعد عن أرضي، بدلًا من مشاعر الفرح لرؤيتك مجددًا». ولا يزال العلماء غير قادرين على تفسير هذا الاختلاف الجوهري بين الجنسين.

ومن المثير للاهتمام أن الباحثين لاحظوا تأثيرًا مضادًا للمجتمع أيضًا لدى السجناء البشر الذين يخضعون للحبس الانفرادي لفترات طويلة. فإلى جانب الأضرار النفسية الأخرى، قد يتوقف السجناء عن الرغبة في التواصل الاجتماعي، بل قد يبدأون في الخوف منه.

وإلى جانب محاولة فهم الفروق بين العزلة المزمنة والعزلة قصيرة الأمد، يسعى الباحثون أيضًا إلى معرفة الطريقة التي تستخدم بها الكائنات حواسها لتقدير مقدار الصحبة التي تحصل عليها.

وفي تجارب دولاك، لم تبدُ الرؤية ضرورية لهذا الأمر، فقد استجابت الفئران العمياء للعزلة بطريقة مشابهة للفئران التي تستطيع الرؤية. كما لم يكن الشم أو السمع هو المفتاح. فعندما فُصلت الفئران جسديًا بحاجز مثقب داخل القفص نفسه، بحيث ظلت قادرة على سماع رفيقاتها وشم رائحتهن، تصرفت كما لو أنها معزولة تمامًا.

أما الحاسة الوحيدة التي بدا أنها تحدث فرقًا فكانت اللمس. إذ كانت ملامسة جسد فأر آخر تخبر الفئران بأن هناك رفيقًا قريبًا منها.

وعندما غطى الباحثون أنبوبًا بقماش ناعم لتسير الفئران داخله، وجدوا أن الحيوانات المعزولة تفضل النفق الناعم على النفق الصلب. وربما يشبه الأمر بالنسبة إلى الإنسان بطانية ثقيلة، إذ جعل ملمس الجدران المغطاة بالفرو الفئران الوحيدة تشعر بقدر أكبر قليلًا من الراحة.

ويقول إسماعيل عبد الصبور، عالم الأعصاب الحيوي في معهد زوكرمان بجامعة كولومبيا، الذي يدرس حاسة اللمس وكان أحد المشاركين في تأليف دراسة دولاك، إن هذه النتيجة لم تفاجئه. ويقول: «إنها تتوافق مع فكرة أن اللمس ربما يكون واحدًا من أهم الأحاسيس اللازمة للشعور بالعافية».

وحاسة اللمس لدينا ليست شيئًا واحدًا. فالأجسام تمتلك مسارات مختلفة لمعالجة الأحاسيس المتنوعة، مثل الألم والحكة أو اللمسات الاجتماعية. ولدى البشر، على سبيل المثال، خلايا عصبية محددة في المناطق المشعرة من الجلد تنشط عند تمرير اليد ببطء عليها. ولدى الفئران خلايا عصبية مرتبطة بهذه الوظيفة أيضًا. كما أن الضغط العميق، المشابه للعناق أو التدليك، ينشط منطقة دماغية شبيهة بتلك التي تنشط عند اللمس بالمسح البطيء.

ويعمل عبد الصبور الآن مع فئران الخلد العارية في مختبره. وهذه القوارض الغريبة التي تعيش في مستعمرات تعد من أكثر الثدييات اجتماعية في العالم، وهي أيضًا شديدة الميل إلى التقارب الجسدي. ويأمل الباحث أن تساعده دراستها على الحصول على مزيد من الإجابات حول العلاقة بين اللمس والسلوك الاجتماعي. بل إنه يعتقد أن هذه الحيوانات قد تكون نماذج أفضل من الفئران لدراسة اللمس الاجتماعي لدى البشر، لأن جلدها شبه الخالي من الشعر أكثر شبهًا بجلدنا من جلد الفأر.

وقد تنقل هذه الخلايا العصبية المسؤولة عن اللمس الاجتماعي إشارات من جلد الحيوان إلى دماغه، فتخبر «عداد الفاصوليا» الموجود فيه بأنه ليس وحيدًا، ما يجعل الحيوان يشعر بتحسن. ويقول عبد الصبور، الذي كتب مراجعة حول أبحاث اللمس الاجتماعي في «المراجعة السنوية لعلم الأعصاب» لعام 2026: «إذا استطعنا اختطاف هذا المسار، فهل يمكن استخدامه كوسيلة علاجية لتعزيز الصحة والعافية؟ أعتقد ذلك».

وحتى قبل أن يستخدم العلماء هذه النتائج لتطوير علاجات جديدة، ترى دولاك أنها تسلط الضوء على خطورة الحبس الانفرادي في السجون. وتقول: «عندما يُترك الأفراد بمفردهم، يرسل دماغهم إشارة خطر مفادها: يجب ألا تبقى وحيدًا».

وتتصور تاي أنه إذا أصبح العلماء أكثر فهمًا للطريقة التي يعمل بها «عداد» الدماغ الاجتماعي، فقد يتمكنون يومًا ما من إيجاد وسيلة لتخفيف الآثار الصحية للعزلة. وفي الوقت الحالي، تقترح هي وزملاؤها أن قضاء الوقت في مجموعة متنوعة من البيئات الاجتماعية هو أفضل وسيلة لحماية أنفسنا من الانزعاج المرتبط بالعزلة.

وتتذكر تاي أنه قبل جائحة كوفيد كانت دائمًا محاطة بالآخرين. ثم تقول: «خلال الجائحة، كنت وحيدة كثيرًا، وكان ذلك مرهقًا جدًا بالنسبة إلي». وهي ترى أن منح أنفسنا فترات منتظمة نقضيها بمفردنا، إلى جانب أوقات نقضيها ضمن مجموعات صغيرة وكبيرة، قد يجعلنا أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات.

ولأننا لسنا قوارض، فقد نتمكن من تلبية احتياجاتنا الاجتماعية، ولو جزئيًا، بطرق لا تستطيع الفئران استخدامها. فنحن قادرون على التواصل مع شخص نحبه من خلال مكالمة هاتفية أو رسالة نصية. ومع ذلك، تقول تاي إن اللمس يبدو بالغ الأهمية على نحو خاص.

أما عبد الصبور، المتزوج والأب لطفلين، فيقول إنه يتعمد «بشكل واعٍ جدًا» لمس أفراد أسرته، سواء بربتة داعمة أو بتدليك الظهر. وقد أصبح أطفاله في سن يسمح لهم بالذهاب إلى المدرسة سيرًا على الأقدام بمفردهم، لكنه يحرص على الاطمئنان إليهم قبل أن يغادروا.

ويقول: «الأمر يشبه أن أقول: دعني أحصل على ذلك العناق قبل أن تخرج».

المصدر

مقالات ذات صلة