القائمة الرئيسية

العلماء يدققون في أبحاث السعادة

العلماء يدققون في أبحاث السعادة
ملخص المقال

تكشف إعادة تقييم أبحاث السعادة باستخدام معايير أكثر صرامة أن بعض الممارسات الشائعة لتحسين الرفاه النفسي تحظى بدعم علمي أفضل من غيرها؛ فقد صمدت أمام الاختبارات الحديثة فوائد التعبير عن الامتنان، والتفاعل الاجتماعي والانفتاح على الآخرين، وإنفاق المال على الآخرين، كما تشير تجارب جديدة إلى أن تقليد ابتسامة طبيعية قد يحسن المزاج، بينما لم تتكرر نتائج طريقة إجبار الوجه على الابتسام عبر الإمساك بقلم بين الأسنان. في المقابل، لم تقدم الدراسات المسجلة مسبقًا أدلة حاسمة على فوائد التطوع، وأعمال اللطف العشوائية، والتأمل، كما أن بعض الأساليب الشائعة مثل ممارسة الرياضة وقضاء الوقت في الطبيعة لم تحظَ بعد بقدر كافٍ من الأبحاث المسجلة مسبقًا للحكم عليها. ولا تعني هذه النتائج أن تلك الممارسات غير مفيدة، بل تكشف محدودية الأدلة المتاحة وتبرز أهمية التسجيل المسبق للدراسات، وكِبَر عينات المشاركين وتنوعها، والحد من مرونة تحليل البيانات التي قد تسمح للباحثين بالوصول إلى نتائج قابلة للنشر. ومع استمرار تبني هذه المعايير، يتجه علم السعادة إلى مرحلة أكثر صرامة، قد تساعد على التمييز بين النصائح التي تبدو جذابة وتلك التي تصمد فعلًا أمام الاختبار العلمي.

نريد جميعًا أن نكون سعداء، ولعقود من الزمن حاول علماء النفس معرفة كيفية تحقيق هذه الحالة المفعمة بالسعادة. وقد أشارت الاستبيانات والتجارب الكثيرة في هذا المجال إلى مجموعة متنوعة من الأساليب، بدءًا من التبرع بالممتلكات للآخرين، مرورًا بالتوقف عن استخدام فيسبوك، وصولًا إلى إجبار الوجه على رسم ابتسامة عريضة تكشف الأسنان.

لكن علم النفس شهد اضطرابات كبيرة خلال العقد الماضي، بعدما أدرك الباحثون أن كثيرًا من الدراسات كانت غير موثوقة وغير قابلة للتكرار. وأدى ذلك إلى تدقيق أكبر في أساليب البحث النفسي، ولم يكن علم السعادة استثناءً من ذلك. إذن، ما الذي يجعلنا سعداء حقًا؟ في ظل التدقيق الأكثر صرامة اليوم، يبدو أن بعض الطرق المؤدية إلى السعادة تصمد أمام الاختبار، في حين لا تصمد طرق أخرى، أو أنها لم تثبت نفسها من جديد بعد. وهذا ما نعرفه حتى الآن، وما لا يزال بحاجة إلى إعادة تقييم، وفقًا لتحليل جديد في Annual Review of Psychology.

ارسم ابتسامة سعيدة على وجهك

تتمثل إحدى الفرضيات الراسخة منذ فترة طويلة في أن الابتسام يجعلك تشعر بسعادة أكبر. ففي دراسة كلاسيكية أجريت عام 1988، طلب الباحثون من 92 طالبًا جامعيًا في إلينوي أن يضعوا قلمًا ذي رأس ليفي في أفواههم، إما بين أسنانهم، ما يجبرهم على رسم ابتسامة غير طبيعية، أو بين شفاههم، ما يجعلهم يضمونهما إلى الأمام في تعبير عابس. ثم شاهد الطلاب أربعة أمثلة من الرسوم الكاريكاتورية ذات اللوحة الواحدة من سلسلة The Far Side. وفي المتوسط، وجد أولئك الذين أُجبروا على الابتسام أن الرسوم أكثر إضحاكًا قليلًا من أولئك الذين أُجبروا على اتخاذ تعبير عابس.

لكن عندما اجتمعت 17 مجموعة بحثية مختلفة لإعادة اختبار آثار الابتسام الناتج عن إمساك القلم بالأسنان لدى 1,894 مشاركًا جديدًا، لم تصمد النتيجة، وفقًا لما أفاد به الباحثون عام 2016.

وكانت دراسة التكرار هذه جزءًا من جهد أوسع لمواجهة أزمة قابلية التكرار في علم النفس، وهي أزمة عُزيت جزئيًا إلى تعدد الطرق التي كان بإمكان الباحثين من خلالها فحص بياناتهم وإعادة تحليلها إلى أن يصلوا إلى نتائج قابلة للنشر. وتقول إليزابيث دن، عالمة النفس الاجتماعي في جامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر، وأحد المشاركين في إعداد الدراسة الجديدة في Annual Review of Psychology: «الأمر يشبه نوعًا ما إطلاق مجموعة من السهام على الحائط، ثم رسم دائرة الهدف حولها بعد ذلك».

وكان أحد الحلول أن يعلن العلماء خطط تحليلهم علنًا، أو يسجلوا هذه الخطط مسبقًا، قبل إجراء تجاربهم. وبعبارة أخرى، يرسمون دائرة الهدف أولًا. وقد ركزت دن وطالب الدراسات العليا لديها، دانيغان فولك، في تحليلهما على الدراسات التي سجلت خططها مسبقًا، وهو ما قلص المجال الواسع لأبحاث السعادة إلى 48 ورقة بحثية منشورة فقط. ويقول برايان نوزيك، عالم النفس في جامعة فرجينيا في شارلوتسفيل والمدير التنفيذي لمركز العلوم المفتوحة، الذي يهدف إلى تحسين قابلية تكرار الأبحاث، إن هذا العدد الصغير بحد ذاته مشجع. ويقول: «لقد فوجئت في الواقع بوجود هذا العدد من الأوراق التي استوفت المعايير». ويضيف: «وهذا يبرهن حقًا على أن هذا المجال البحثي تبنى كثيرًا من هذه الممارسات الجديدة التي تعزز الصرامة».

ولا يضمن التسجيل المسبق وحده صحة النتائج، كما أنه لا يحل جميع مشكلات قابلية التكرار في علم النفس. فالدراسات عالية الجودة تحتاج أيضًا إلى أساليب سليمة، وإلى مجموعات كبيرة ومتنوعة من المشاركين، على سبيل المثال. وبالفعل، تقول دن إن معظم الأوراق التي راجعها الباحثون كانت عالية الجودة من حيث هذه الجوانب، وليس من حيث التسجيل المسبق وحده. وقد وجد الباحثون أن بعض الطرق المؤدية إلى السعادة صمدت أمام التدقيق المتجدد، ومن بينها ممارسة الامتنان، والتصرف بطريقة اجتماعية، وإنفاق المال على الآخرين.

لنأخذ الامتنان مثالًا. في إحدى الدراسات الحديثة، طلب الباحثون من مئات الآباء إما الكتابة عن الطريقة التي قضوا بها أسبوعهم، أو كتابة رسالة امتنان إلى شخص يعرفونه. وأدى التعبير عن الامتنان إلى مشاعر أكثر إيجابية. وفي دراسة حديثة أخرى، طلب العلماء من أكثر من 900 طالب جامعي التعبير عن امتنانهم في رسائل أو نصوص أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو أن يسجلوا أنشطتهم اليومية. وفي اليوم التالي، سجل أفراد مجموعة الامتنان مستويات أعلى من السعادة والرضا عن حياتهم. وفي كلتا الحالتين، من غير الواضح إلى أي مدى استمرت هذه الآثار.

وأشارت ثلاث دراسات مختلفة سجلت مسبقًا إلى أن التفاعل الاجتماعي مفيد. ففي إحداها، طلب العلماء من 71 بالغًا أن يتصرفوا لمدة أسبوع بطريقة منفتحة على الآخرين، أي أن يكونوا «جريئين، كثيري الحديث، اجتماعيين، نشطين وحازمين»، في حين طُلب من 76 آخرين أن يكونوا «متواضعين، حساسين، هادئين، متحفظين وقليلي الكلام». وأفاد المشاركون في المجموعة التي طُلب منها التصرف بانفتاح اجتماعي عن تحسن في مزاجهم خلال أسبوع الدراسة، رغم أن الفوائد كانت أقل لدى الأشخاص الذين يميلون بطبيعتهم إلى الانطواء.

والمفاجأة أن الابتسام لتعزيز السعادة حظي أيضًا بدعم من أبحاث جديدة سجلت مسبقًا، لكن بعد أن تحول العلماء إلى دراسة الابتسامات الطبيعية بصورة أكبر. فقد تعاون نحو عشرين مختبرًا من 19 دولة مختلفة لاختبار تعليمات تطلب من المشاركين الإمساك بقلم بين أسنانهم أو تقليد تعبير وجه شخص مبتسم، وذلك لدى نحو 4,000 شخص. ولم تنجح طريقة إمساك القلم بين الأسنان، لكن الأشخاص الذين طُلب منهم تقليد ابتسامة أفادوا بتحسن في مزاجهم. ومن اللافت أن هذا كان صحيحًا حتى عندما لم يعتقد المشاركون أن الطريقة ستنجح، وفقًا لما أفاد به فريق آخر عام 2023.

كما وجد الباحثون أن عوامل خارجية يمكن أن تعزز سعادة الناس. فقد أدى منح الناس أموالًا نقدية إلى زيادة رضاهم عن الحياة، وكذلك تدخلات في مكان العمل، مثل القيلولة.

لكن دن تحذر من أن المشاركة في الدراسات التي تسجل مسبقًا تميل إلى إحداث تأثيرات صغيرة في السعادة عمومًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن العلماء لا يستطيعون التلاعب بالبيانات للحصول على أرقام أكبر. وتقول إنه لو كانت هذه التدخلات برنامجًا لإنقاص الوزن، فقد يخسر المشاركون نحو أربعة أرطال، أي ما يقارب 1.8 كيلوغرام.

أفكار جميلة، نتائج ضعيفة

لم تصمد أساليب أخرى معروفة لتحقيق السعادة أمام معايير دن وفولك، على الأقل حتى الآن. فلم يجد الباحثون أدلة واضحة على فوائد التطوع، أو القيام بأعمال عشوائية من اللطف، أو التأمل. فعلى سبيل المثال، طلبت دراسة حديثة سجلت مسبقًا من المشاركين القيام بأعمال لطيفة للآخرين، أو لأنفسهم، أو ببساطة تسجيل ما فعلوه كل يوم. ولم يؤدِ التعامل بلطف مع الآخرين على مدى أربعة أسابيع إلى أي فرق في الرفاه.

ولم يجد دن وفولك أي دراسات مسجلة مسبقًا على الإطلاق حول ممارسة الرياضة أو قضاء الوقت في الطبيعة، وهما استراتيجيتان يوصى بهما كثيرًا. ولا يعني ذلك أن هذه الاستراتيجيات لا تعمل أو لا يمكن أن تنجح، تقول دن، بل يعني فقط أنه وفقًا للمشهد الحالي للدراسات المسجلة مسبقًا، لم تقدم الأبحاث رأيًا حاسمًا بشأنها. ولم يجد الباحثان سوى دراستين مسجلتين مسبقًا حول التأمل، كما لم يدرجا أبحاث التأمل التي أجريت على أشخاص لديهم مشكلات مشخصة في الصحة النفسية.

ويقول سايمون غولدبرغ، عالم النفس في جامعة ويسكونسن ماديسون، إن هذه الصرامة تستحق الإعجاب، لكنها تعني أيضًا أن الباحثين قد يفوتون بعض الأمور. وهو يدرس آثار التأمل، بما في ذلك الأبحاث التي أجريت على أشخاص يعانون من مشكلات نفسية مثل الاكتئاب والقلق. وأشار إلى أن المعايير الصارمة التي وضعها دن وفولك دفعتهما إلى استبعاد مئات الدراسات حول فوائد التأمل. ويقول: «إنه، بروح الصرامة، أشبه بإلقاء كثير من الأطفال مع ماء الاستحمام». ويضيف: «من الواضح جدًا أن التدريب على التأمل يقلل أعراض القلق والاكتئاب».

وتوافق دن على أن المراجعة لم تتناول سوى قمة جبل الجليد من أبحاث السعادة. لكن هذه القمة ينبغي أن تتوسع مع تسجيل مزيد من علماء النفس أبحاثهم مسبقًا، ضمن ما يصفه بعض الباحثين بأنه نهضة في هذا المجال. وكما خلصت دن وفولك إلى القول: «تقف أبحاث السعادة على أعتاب عصر جديد ومثير».

المصدر

مقالات ذات صلة