القائمة الرئيسية

التاريخ مفتاح فهم الأزمات التي تواجه محيطاتنا

التاريخ مفتاح فهم الأزمات التي تواجه محيطاتنا
ملخص المقال

أزمات المحيطات الراهنة ليست مشكلات بيئية وتقنية فحسب، بل هي نتاج تاريخ طويل من الأفكار والممارسات التي جعلت البحر يبدو موردًا لا نهائيًا قابلًا للاستخراج والاستغلال. فقد أسهمت المصالح الاقتصادية والأيديولوجيات الاستعمارية وأنماط المعرفة في ترسيخ ممارسات مثل الصيد الجائر واستنزاف الموارد وتحويل السواحل، بينما أخفقت الحلول العلمية والسياساتية وحدها في منع استمرار هذه الأزمات لأنها لم تعالج جذور السلوك البشري والطلب والشرعية التي تشكلت تاريخيًا. ويكشف التاريخ أيضًا أن قدرة المجتمعات على البقاء رغم استنزاف بيئاتها لا تعني تحقيق الاستدامة، إذ يمكن أن يستمر الاستقرار الظاهري بينما تتراكم أزمات مزمنة ويجري ترحيل آثار الضرر إلى المستقبل أو إلى مجتمعات ومناطق وأنواع أخرى. لذلك فإن تحقيق استدامة حقيقية للمحيطات يتطلب فهمًا نقديًا لكيفية تشكل علاقتنا بالبحر، ومن يملك حق الوصول إلى موارده، وكيف تُوزع المخاطر والمسؤولية، وما القيم الثقافية التي تشجع الاعتدال أو الاستغلال؛ فالتاريخ لا يفسر كيف وصلنا إلى أزمات المحيطات الحالية فحسب، بل يساعد أيضًا على إعادة صياغة تصوراتنا عن البحر وبناء حلول أكثر واقعية واستدامة.

تواجه محيطات العالم أزمات بيئية متعددة. ويرى رونالد سي. بو أن التاريخ يمكن أن يؤدي دورًا حاسمًا في مساعدتنا على فهم كيفية نشوء هذه المشكلات، وكيف يمكن التعامل معها بطرق أكثر وعيًا وبراغماتية.

قبل وقت طويل من أن تصبح «الاستدامة» و«تغير المناخ» من الكلمات المفتاحية المتداولة، كانت لدى الناس في مختلف أنحاء العالم تصورات مختلفة بشأن كيفية إدارة المحيطات، وكيف ينبغي استخدام الموارد البحرية. وقد أثرت هذه الأفكار في طريقة استخدام الناس للمحيط وفي تصورهم لأوجه الاستفادة منه، ولا تزال تؤثر حتى اليوم في الافتراضات المتعلقة بما يمكن أن يقدمه البحر للبشر، وما يمكنه تحمله.

ولهذا السبب، فإن حالات الطوارئ التي تواجه المحيطات اليوم ليست مجرد قضايا بيئية أو تقنية، بل هي في جوهرها قضايا تاريخية. ويمكن للمؤرخين مساعدتنا على فهم هذه الأزمات من خلال مساءلة الماضي والكشف عن الكيفية التي أصبحت بها أساليب معينة لاستخراج الكائنات البحرية، واستهلاك الأسماك، وإدارة المساحات البحرية، ممارسات طبيعية ومألوفة.

فالمشكلات المرتبطة بالصيد الجائر، وحركة الشحن المحمومة، واستنزاف الموارد، وتحويل السواحل ليست مستجدات ظهرت في القرنين العشرين أو الحادي والعشرين. بل نشأت هذه القضايا تدريجيًا بفعل ممارسات اعتادها الناس، وأيديولوجيات استعمارية، وعوامل اقتصادية، وأنماط من المعرفة صوّرت المحيط باعتباره فضاءً لا نهائيًا، خارج نطاق الولاية البشرية، أو غير جدير بالاهتمام السياسي.

لماذا لا يزال الماضي مهمًا؟

تُعد الحلول العلمية والسياساتية ضرورية لمعالجة أزمات محيطاتنا. لكن عقودًا من حملات التوعية، والاتفاقيات السياسية، والتنبؤات العلمية، لم تنجح في منع فقدان التنوع البيولوجي، والاستغلال المفرط للموارد، وانهيار النظم البيئية، وهو ما يُعرف بما يسمى «مأساة المشاع».

ولا يمثل هذا فشلًا للعلم، بل دليلًا على وجود قطعة مفقودة في أحجية الحل. فما ينقصنا هو فهم كيفية تشكل الطلب، والشرعية، والرغبة تاريخيًا. فالسلوكيات الاجتماعية التي يُنظر إليها اليوم على نطاق واسع باعتبارها مدمرة للبيئة، بُنيت على أفكار تعود إلى قرون بشأن معنى أن يكون المرء ثريًا، ومتحضرًا، ودولة قوية، أو قوة استعمارية.

إذا فشلت حلولنا في معالجة الكيفية التي اقتنعت بها المجتمعات السابقة بهذه الأفكار، فسوف نكتفي بوضع حلول سطحية على مشكلات تحتاج إلى تدخل جذري. ويمكن للتحليل التاريخي أن يوضح لنا كيف ولماذا قللت المجتمعات في الماضي باستمرار من أهمية المخاطر البيئية، واختارت المكاسب قصيرة الأجل على حساب الاستدامة طويلة الأجل، وتجاهلت الدعوات إلى الحفاظ على البيئة.

البقاء ليس استدامة

من النقاط التي تُثار أحيانًا عند النظر إلى تاريخ الاستدامة أن الناس في الماضي تمكنوا من البقاء على قيد الحياة رغم الضغط الذي مارسوه على بيئاتهم. وقد يُغفر لنا أن نفكر بأنه إذا كانت الشعوب في الماضي قد تمكنت من تجاوز مستويات مماثلة من الضغوط البيئية التي نراها اليوم، فلا داعي إذن للقلق.

لكن البقاء ليس استدامة. فالتاريخ مليء بأمثلة على حضارات استمرت قرونًا، بينما كانت تسمم أنظمة دعم الحياة التي تعتمد عليها ببطء. وكثيرًا ما تأخر اتخاذ إجراءات الوقاية بدلًا من المبادرة إليها، بينما جرى نقل آثار السمية إلى أماكن أخرى بدلًا من القضاء عليها. ودُفعت هذه المشكلات إلى المستقبل، أو إلى هامش المجتمع، أو إلى الأطراف الاستعمارية، أو أُزيحت آثارها إلى أنواع أخرى من الكائنات.

وكان الاستقرار، عندما ننظر إليه من منظور الماضي وبفضل ما يتيحه لنا الإدراك اللاحق للأحداث، في كثير من الأحيان مجرد فترة من الأزمات المزمنة، حيث جرى تجاهل علامات التحذير لأنها اعتُبرت أمرًا طبيعيًا، أو لم يسمع بها أحد، أو تعذر التعامل معها بسبب المقايضات السياسية.

إن تناول الاستدامة بهذه الطريقة يتيح لنا أن نبدأ بطرح أسئلة جديدة حول الماضي، مثل: من كان يملك إمكانية الوصول إلى الموارد البحرية، وتحت أي شروط؟ وكيف جرى فهم الحدود، وتجاوزها، أو الاعتراض عليها؟ وما الثقافات التي كانت تقدّر الاعتدال، وأيها كان يمجّد الجشع؟ وكيف جرى توزيع المسؤولية والمخاطر بين المجتمعات والمناطق والأجيال؟

إن إدراك الكيفية التي أجابت بها المجتمعات المختلفة عن هذه الأسئلة، ونجحت أو فشلت في الحفاظ على استمراريتها، يسمح لنا بالنظر إلى الاستدامة لا باعتبارها هدفًا تقنيًا، بل باعتبارها مسعى ثقافيًا وأخلاقيًا يتطور باستمرار. وهذا يؤكد أن الاستدامة لا تتعلق فقط بإدارة الموارد، بل أيضًا بفحص الروايات التي تصوغها المجتمعات عن المحيط وإعادة صياغتها بصورة نقدية.

مبادرة الاستدامة الزرقاء والمجتمع

التاريخ مهم. ومع ذلك، تتجاهل النقاشات المتعلقة بالمشكلات البيئية البحرية والحلول الممكنة لها التاريخ في كثير من الأحيان، إذ تفترض بدلًا من ذلك أن الأحداث التاريخية ليست سوى ظروف خلفية للتحليل، وليست موضوعات أساسية لا غنى عن تحليلها في حد ذاتها. وإذا أردنا أن نفهم كيف وصلنا إلى وضعنا الحالي فيما يتعلق بأزمات المحيطات، فإن التاريخ ضروري لتفسير الكيفية التي أصبح بها الحاضر ممكنًا.

وانطلاقًا من ذلك، بدأت مبادرة جديدة تحمل اسم «مبادرة الاستدامة الزرقاء والمجتمع» (BSSI). وستبحث المبادرة في الكيفية التي نظر بها البشر إلى المحيط، واستخدموه، وقدّروا قيمته عبر التاريخ، كما ستستكشف سبب أهمية التاريخ عندما نفكر في المسارات المحتملة نحو مستقبل أكثر استدامة للبحر.

فليس من قبيل المصادفة أن كثيرًا من مشكلات اليوم هي مشكلات جرى التعرف إليها والتنبؤ بها منذ قرون. وهي مستمرة لأنها نتاج طرق راسخة منذ زمن طويل في التفكير في البحر والتعامل معه. ومن خلال الفحص الدقيق للتطور التاريخي لهذه الأفكار، يمكننا أن نفهم بصورة أفضل لماذا أمكن أن يحدث هذا الضرر رغم وفرة التحذيرات المسبقة، وكيف يمكن لتغيير نهجنا الفكري تجاه البحر أن يساعدنا على تيسير ممارسات أكثر استدامة.

مبادرة الاستدامة الزرقاء والمجتمع (BSSI) هي مبادرة جديدة مقرها كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، تبحث في كيفية فهم الناس للبحر واستخدامهم له وتقديرهم لقيمته في الماضي، ولماذا يهم هذا التاريخ بالنسبة إلى مستقبل المحيط.

المصدر

مقالات ذات صلة