القائمة الرئيسية

كيف تحوّل اليابان مخاطر المناخ والفيضانات إلى نمو اقتصادي عبر ابتكارات البنية التحتية

كيف تحوّل اليابان مخاطر المناخ والفيضانات إلى نمو اقتصادي عبر ابتكارات البنية التحتية
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف حوّلت اليابان مواجهة مخاطر المناخ والفيضانات من عبء مكلف إلى فرصة لتعزيز النمو الاقتصادي، من خلال مزيج مبتكر يجمع بين مشاريع هندسية ضخمة، وحلول زراعية قائمة على الطبيعة، وتقنيات ذكية وشراكات بين القطاعين العام والخاص، لتؤكد أن الاستثمار الاستباقي في بنية تحتية قادرة على الصمود لا يحمي المجتمعات والاقتصادات فحسب، بل يمكن أن يجذب الاستثمارات، ويوفر الوظائف، ويخلق فرصاً تجارية جديدة في عالم تتزايد فيه مخاطر الظواهر المناخية المتطرفة.

  • الاستجابة التفاعلية للكوارث المناخية غير مستدامة مالياً، كما أنها تشكل تهديداً كبيراً للاستقرار الاقتصادي العالمي وللقدرة التنافسية للأسواق.
  • تقدم اليابان نموذجاً قابلاً للتوسع من خلال الجمع بين الإنجازات الهندسية والحلول الزراعية اللامركزية القائمة على الطبيعة.
  • يتعين على القادة العالميين الاستثمار بشكل استباقي وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص لتحويل القدرة على الصمود أمام تغير المناخ إلى مصدر للنمو الاقتصادي.

لم تعد مخاطر الظواهر الجوية المتطرفة تحدياً عالمياً مجرداً، بل أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالمواقع والظروف المحلية، وتتراكم وتتسارع آثارها عبر المناطق الحضرية والريفية على حد سواء. ومع تفاقم الاحترار العالمي، أصبحت الفيضانات الكارثية تهديداً منهجياً يستنزف الميزانيات العامة، ويضعف سلاسل الإمداد، ويؤدي إلى نزوح الفئات السكانية الأكثر هشاشة.

وبالنسبة إلى قادة القطاعات وصانعي السياسات، فإن الواقع الاقتصادي صار واضحاً ومقلقاً. فالفيضانات لا تزال من أكثر المخاطر انتشاراً، إذ يواجه واحد من كل أربعة أشخاص حول العالم مخاطر كبيرة مرتبطة بها، فيما يقع نحو 18 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في مناطق معرضة للفيضانات. وفي عام 2025 وحده، تسببت الكوارث المرتبطة بالمياه في خسائر اقتصادية عالمية بلغت 360 مليار دولار، كما أدت إلى نزوح نحو 8 ملايين شخص.

وتسلط ورقة إحاطة حديثة أعدها المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع شركة ديلويت، بعنوان "اقتصادات قادرة على الصمود: ابتكارات البنية التحتية للتكيف مع الفيضانات من اليابان"، الضوء على رسالة أساسية مفادها أن الاستجابة للكوارث بعد وقوعها لم تعد مستدامة من الناحية المالية. ولم يعد بناء القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ مجرد مسألة تتعلق بالمسؤولية الاجتماعية للشركات أو الامتثال للمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، بل أصبح عاملاً رئيسياً في تحديد القدرة التنافسية للأسواق، وجاذبية الاستثمار، وموثوقية سلاسل الإمداد.

التكلفة المتراكمة لعدم التحرك

لفهم مدى إلحاح الوضع، يتعين على صانعي القرار النظر عن كثب في الطريقة التي تؤدي بها الظواهر الجوية المتطرفة إلى استنزاف رأس المال بصورة منهجية. فعلى مدى العقد الماضي، كلفت الكوارث المرتبطة بالمناخ الاقتصاد العالمي أكثر من تريليوني دولار. وفي عام 2025، تسببت أسوأ عشر كوارث في خسائر مباشرة قُدرت بنحو 296 مليار دولار، لكنها خلفت فجوة في الحماية التأمينية بلغت 167 مليار دولار، ما أدى إلى انتقال العبء المالي إلى الأسر والشركات والحكومات.

ومن المرجح أن تكون التكلفة الاقتصادية الحقيقية أعلى بكثير، إذ يمكن أن تستمر آثار توقف الأعمال، وطول فترات التعافي، وتراجع قيمة الأصول، واضطرابات القوى العاملة، والصدمات التي تتعرض لها سلاسل الإمداد لسنوات. وتستهلك هذه التداعيات رؤوس أموال كان يمكن توجيهها إلى الخدمات العامة. وعندما تتزامن الفيضانات مع تحديات أخرى مثل هبوط الأراضي، وارتفاع مستوى سطح البحر، أو تعطل الأنظمة الحيوية نتيجة الفيضانات نفسها، فقد تتضاعف حدة الأضرار وتكاليفها.

ويتطلب سد هذه الثغرات الانتقال بشكل حاسم من الاستجابة للكوارث بعد وقوعها إلى الاستثمار الاستباقي والمنهجي في البيئة المبنية والبنية التحتية والابتكار، بما يمكّن من امتصاص الصدمات وتسريع وتيرة التعافي.

ابتكارات البنية التحتية في اليابان

للانتقال من حالة الهشاشة إلى الاستعداد المنهجي، يمكن لصانعي القرار حول العالم الاستفادة من تجربة اليابان. وباعتبارها أرخبيلًا يتعرض سنوياً لعدة أعاصير مدارية في غرب شمال المحيط الهادئ، طورت اليابان خبرة تراكمية على مدى أجيال في مجال التكيف مع الفيضانات، وتعاملت مع الاستعداد لها باعتباره التزاماً مستمراً وليس مجرد استثمار رأسمالي لمرة واحدة. وتقدم تجربة البلاد نماذج عملية وفرصاً للتعلم في ثلاثة أنواع مختلفة من التدخلات.

1. الهندسة واسعة النطاق: قناة التصريف تحت الأرض

لحماية منطقة طوكيو الكبرى والمناطق المحيطة بها من مخاطر الفيضانات، طورت وزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل والسياحة اليابانية، بالتعاون مع حكومة مدينة طوكيو ومحافظة سايتاما، قناة التصريف الخارجية تحت الأرض لمنطقة العاصمة، المعروفة باسم "جي-كانز".

ويتمثل هذا الحل المبتكر في شبكة من الأنفاق تحت الأرض يبلغ طولها 6.3 كيلومترات، تستقبل مياه الفيضانات من الأنهار المعرضة للفيضان وتحولها إلى خزان ضخم لتنظيم الضغط يمكنه استيعاب 670 ألف متر مكعب من المياه، قبل ضخها في نهر إيدوغاوا الأكبر حجماً.

وكان العائد على الاستثمار في هذا المشروع واعداً. فقد انخفض عدد الأسر المتضررة من الفيضانات في المنطقة من أكثر من 84 ألف أسرة في ثمانينيات القرن الماضي إلى أقل من 6 آلاف أسرة خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وبحلول عام 2024، قُدر أن النظام منع أضراراً ناجمة عن الفيضانات بقيمة 148.4 مليار ين، أي ما يعادل نحو 942.7 مليون دولار.

والأهم من ذلك أنه في مدينة كاسوغابي، التي كانت تُعتبر في السابق معرضة للفيضانات بدرجة تجعلها غير جاذبة للاستثمار، انتقلت 28 شركة إلى المنطقة، ما أدى إلى توفير 3,200 وظيفة وإنعاش الإيرادات الضريبية المحلية. واليوم، أصبحت منشأة "جي-كانز" أيضاً منصة للسياحة والتثقيف المناخي، في دليل على أن الحد من المخاطر يمكن أن يساهم بصورة مباشرة في تحقيق النمو الاقتصادي.

2. البنية التحتية في المناطق المحيطة بالمدن: تطوير الممارسات التقليدية

تستخدم اليابان أيضاً حلاً منخفض التكلفة ولامركزياً يتمثل في نظام "سدود حقول الأرز" في المناطق المحيطة بالمدن والمناطق الريفية. ومن خلال تحديث منافذ تصريف المياه الزراعية القائمة وتزويدها بصمامات لتنظيم التدفق، يمكن للمجتمعات المحلية إدارة مياه الأمطار مؤقتاً داخل حقول الأرز خلال الهطولات المطرية الشديدة.

وتسهم هذه الطريقة في إبطاء تدفق مياه الجريان السطحي نحو المناطق الواقعة في اتجاه مجرى المياه، ما يحول الأراضي الزراعية إلى أصول فعالة للاحتفاظ بمياه الفيضانات.

ويمكن للمزارعين تركيب هذه المعدات، فيما يتم تشجيع مشاركتهم من خلال مدفوعات مباشرة تقدمها البلديات مقابل مساهمتهم في الحد من مخاطر الفيضانات على المستوى الإقليمي، كما يمكنهم الحصول على دعم إضافي من خلال برنامج المدفوعات متعددة الوظائف للزراعة.

وتساعد هذه الحوافز المحدودة على تعويض ما قد يراه المزارعون من إزعاج تشغيلي، كما تتيح للمجتمعات المحلية أن تصبح مساهمين فاعلين في تعزيز القدرة الإقليمية على الصمود أمام تغير المناخ، سواء في مجال التخفيف من مخاطر الفيضانات أو التكيف معها.

وخلال أحداث هطول الأمطار التي شهدتها مدينة نيغاتا عام 2021، تم تسجيل مستويات للمياه في قنوات التصريف بلغت 8 سنتيمترات في المناطق التي تستخدم سدود حقول الأرز، مقارنة بـ15 سنتيمتراً في المناطق غير المحمية.

ورغم أن حقول الأرز لا تتوفر في جميع مناطق العالم، فإن الدرس الأوسع واضح: إذ يمكن أن يوفر دمج الحلول القائمة على الطبيعة وممارسات الحفاظ التقليدية حماية منخفضة التكلفة وقابلة للتوسع.

3. الابتكارات والحلول متعددة الأغراض

يُظهر النهج الياباني كيف يمكن تعزيز التكيف مع تغير المناخ والقدرة على الصمود من خلال التعاون بين القطاعين العام والخاص، حيث يدمج رواد القطاع الخاص الحلول في البيئة المبنية والبنية التحتية.

وفي طوكيو، أعادت شركة "موري بيلدينغ" تصميم التخطيط الحضري من خلال دمج الأحزمة الخضراء وقدرات الإيواء في حالات الطوارئ مباشرة داخل العقارات التجارية، بما يسمح بإيواء 5,000 شخص عالق في منطقة روبونغي هيلز و5,200 شخص في تورانومون هيلز، مع استمرار هذه المواقع في أداء وظائفها الاعتيادية في الأيام العادية.

كما نشرت شركات مثل "ووتا" تقنيات محلية لإعادة تدوير المياه وتنقيتها بهدف ضمان استمرار الوصول إلى الموارد المائية حتى عند تعطل شبكات المياه التابعة للبلديات.

وفي الوقت نفسه، تعمل شركات التكنولوجيا على دمج أجهزة الاستشعار وكاميرات المراقبة وأنظمة التنبؤ بالفيضانات القائمة على الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية اليومية. ففي مدينة سوغينامي، أسفرت شراكة مع شركة "إن إي سي" عن نشر أعمدة إنارة ذكية مجهزة بهذه التقنيات.

وتوفر لوحة معلومات مركزية إمكانية متابعة أوضاع الأنهار وإصدار التنبيهات، كما تتيح للجمهور مشاهدة البث المباشر أثناء أحداث الفيضانات.

الدلالات بالنسبة إلى القطاعين العام والخاص

تشير فجوة الحماية العالمية إلى ضرورة تعريف القدرة الشاملة على الصمود أمام تغير المناخ باعتبارها قدرة استباقية واستراتيجية على التخفيف من المخاطر والتكيف معها وتحمل الصدمات والتعافي منها بسرعة.

وتتطلب مواجهة مخاطر الفيضانات المتصاعدة تبني تفكير منهجي يقدّر قيمة الأراضي والمياه، ويستند في القرارات إلى الأدلة، ويعطي الأولوية للوقاية والتخفيف بصورة استباقية، إلى جانب تطوير بنية تحتية قادرة على التكيف والصمود وتمكين المجتمعات المحلية.

وللتخفيف بفعالية من المخاطر المناخية المتراكمة، يتعين علينا تحليل العوامل التي تقف وراء نجاح هذه النماذج بدقة، وتبادل الحلول القابلة للتوسع، والاستفادة من الدروس الصعبة المستخلصة من حالات الفشل والنجاح السابقة على حد سواء.

وتشير الأمثلة اليابانية إلى أن بناء القدرة على الصمود لا يمكن أن يعتمد على مشروع واحد فقط، بل يحتاج إلى مجموعة متكاملة من التدابير المدعومة بالحوكمة والبيانات والحوافز الموجهة والتعاون والاستثمار المستمر.

وبالنسبة إلى قادة القطاع الخاص، لم تعد نماذج التعافي بعد وقوع الحوادث كافية لضمان استمرارية الأعمال. وبدلاً من ذلك، ينبغي على الشركات التعامل مع القدرة على الصمود باعتبارها أولوية استراتيجية أساسية، ودمجها مباشرة في استراتيجيات الأعمال، وتصميم المنتجات والخدمات، واختيار المواقع، والبحث والتطوير، والشراكات.

ولجعل هذا التحول قابلاً للاستثمار، يجب تطوير المقاييس والنماذج المالية التي تحدد العائد على الاستثمار الناتج عن التدابير الاستباقية، مثل انخفاض الاضطرابات التشغيلية واضطرابات سلاسل الإمداد بفضل الاستعداد المسبق.

وتكمن الفرص المستقبلية في الحلول ذات الاستخدام المزدوج أو المتعدد، التي تحقق قيمة تجارية في الظروف العادية وتضمن في الوقت نفسه الاستعداد للكوارث.

ولإطلاق إمكانات هذه الحلول، من الضروري الحد من المخاطر المرتبطة بالابتكار وتوسيع نطاقه من تجارب محلية محدودة إلى فرص في الأسواق العالمية. وفي نهاية المطاف، يمكن للحلول المبتكرة والموجهة أن تحول القدرة على الصمود أمام تغير المناخ من تكلفة مرتبطة بإدارة الأزمات والتعافي إلى مجموعة من المنتجات والخدمات التي تشهد طلباً مرتفعاً.

أما بالنسبة إلى قادة القطاع العام، فإن البنية التحتية القديمة التي لم تُصمم لمواجهة المخاطر المناخية المتزايدة أصبحت تشكل عبئاً متراكماً.

وتتطلب القدرة المنهجية على الصمود الانتقال من المشاريع الرأسمالية المجزأة والمنفذة لمرة واحدة إلى دورة مستمرة من التعلم الاستباقي، يتم فيها الربط بصورة مدروسة بين الأنظمة الهندسية والحلول القائمة على الطبيعة والأدوات التكيفية المستندة إلى الأدلة، والتي أثبتت قدرتها على تحقيق نتائج فعلية.

ومن الضروري أيضاً ألا تتوقف الإدارة الفعالة للمياه والفيضانات عند الحدود الإدارية للمدن. ويتعين على الحكومات اعتماد نهج شامل على مستوى أحواض الأنهار يأخذ في الاعتبار الترابط بين المناطق الحضرية والمناطق المحيطة بالمدن والمناطق الريفية.

وتتطلب إدارة هذه المخاطر المناخية المترابطة من الحكومات إزالة الحواجز المؤسسية، وبناء شراكات بين الجهات الحكومية المختلفة، ومواءمة الاستراتيجيات الوطنية مع الأولويات المحلية، وتوفير الحوافز المناسبة.

ويمكن لذلك أن يسهم في تغيير طريقة التفكير نحو اعتبار القدرة على الصمود مسؤولية مشتركة، بدلاً من كونها مهمة تقع على عاتق القطاع العام وحده.

كما يمكن أن يفتح مسارات للحد من مخاطر استثمارات القطاع الخاص، ويمنح القطاعات الاقتصادية الثقة للمشاركة في تمويل المشروعات، ويحول البنية التحتية إلى أصل مجتمعي يدعم الاقتصادات المحلية ويحميها من الصدمات البيئية المتصاعدة.

لماذا تمثل اليابان نموذجاً للاستعداد لمخاطر المناخ والفيضانات؟

يصنف تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي الظواهر الجوية المتطرفة باعتبارها واحدة من أشد التهديدات التي تواجه الاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل.

ومع تسارع حالة عدم اليقين المناخي، لم يعد بإمكان أي دولة أو شركة أو مجتمع الاعتماد على أنظمة غير مستعدة للصدمات والتكاليف الشديدة.

وتُظهر الحلول المطبقة في اليابان أن حماية مستقبلنا المشترك تتطلب ابتكارات جريئة ومبتكرة، وتعاوناً فعالاً، وتنسيقاً بين المدن، واستثمارات استباقية.

إن تكلفة بناء هذه الأنظمة القادرة على التكيف ينبغي النظر إليها باعتبارها رمزاً للنمو وليست عبئاً. ورغم أن رأس المال المطلوب في البداية قد يكون مرتفعاً، فإن البيانات تشير بوضوح إلى أن تكلفة عدم اتخاذ أي إجراء تمثل ثمناً لا تستطيع الاقتصادات والمجتمعات والأسر تحمل دفعه.

المصدر

مقالات ذات صلة