- يبرز الذكاء الاصطناعي كمصدر جديد لمرونة أنظمة الطاقة، إذ يمكّن شبكات الكهرباء من اكتشاف الاضطرابات والاستجابة لها والتكيف معها في الوقت الفعلي.
- يتغلغل الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة في صميم تشغيل أنظمة الطاقة، محوّلًا المنشآت والمباني وأصول التخزين إلى مديرين مستقلين للطاقة.
- تتمثل المهمة الآن في الاستعداد لعالم يصبح فيه الذكاء جزءًا من البنية التحتية، ولا تعود فيه القرارات المتعلقة بشراء تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسعة الشبكات وتخزين الطاقة تُتخذ بصورة منفصلة.
ماذا يحدث عندما تبدأ بنيتان تحتيتان بالغتا الأهمية، هما الذكاء الاصطناعي من جهة والبنية التحتية للكهرباء من جهة أخرى، في إعادة صياغة قواعد بعضهما البعض؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه اليوم مشغلو شبكات الكهرباء وشركات الحوسبة السحابية العملاقة وصنّاع سياسات الطاقة.
يغيّر الذكاء الاصطناعي الطريقة التي تُخطط بها أنظمة الكهرباء وتُبنى وتُدار. وفي المقابل، ترسم أنظمة الكهرباء الحدود التي تحدد ما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح عليه. فلم تعد الشبكة الكهربائية والخوارزمية قصتين منفصلتين.
وتكتسب هذه العلاقة المتبادلة أهمية خاصة لأن إيقاع تطورهما غير متزامن. إذ تقدّر وكالة الطاقة الدولية أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء قد يتضاعف تقريبًا بحلول عام 2030. لكن تطوير البنية التحتية لا يسير بسرعة البرمجيات؛ فخطوط نقل الكهرباء الجديدة قد تستغرق سنوات للحصول على التراخيص والتمويل واستكمال البناء، بينما يمكن أن تظهر أحمال جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال أشهر فقط. وهذا التفاوت بين الجداول الزمنية لتطوير البنية التحتية والقدرات الحاسوبية أصبح واحدًا من أبرز السمات التي ستطبع العقد المقبل.
ويوضح «دليل الابتكار لأنظمة الطاقة المستقبلية» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي هذا التحول بجلاء. وما تكشفه دراسات الحالة الواردة فيه هو صورة تقوم على ثلاثة محاور أساسية لهذا التحول المتبادل:
دخول الذكاء الاصطناعي إلى صميم تشغيل أنظمة الطاقة.
تحوّل أنظمة الطاقة إلى عامل حاسم يحدد إمكانات نشر الذكاء الاصطناعي.
بروز الذكاء الاصطناعي كآلية تساعد شبكات الكهرباء على امتصاص الصدمات.
وسيتحدد مستقبل الطاقة وفق مدى ذكاء إدارة هذا النظام الناشئ. وفيما يلي أبرز ما ينبغي معرفته عن كل محور.
الذكاء الاصطناعي في صميم تشغيل أنظمة الطاقة
أوضح دليل على انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة لخدمة شبكة الكهرباء إلى جزء فعلي من الشبكة نفسها هو تلاشي الفاصل بين منتج الطاقة ومستهلكها. فالمنشآت الصناعية والمباني التجارية وأصول تخزين الطاقة الموزعة بدأت تعتمد عمليات تحسين مستمرة تحدد بصورة متواصلة متى ينبغي توليد الكهرباء أو تخزينها أو استهلاكها أو بيعها.
وتقدم شركة «إنفيجن» الصينية، المتخصصة في توربينات الرياح وأنظمة تخزين الطاقة وبرمجيات إدارة الطاقة، مثالًا واضحًا على هذا التحول. إذ يوضح نظامها للطاقة المدعوم بالذكاء الاصطناعي والمخصص للمجمعات الصناعية كيف يمكن لهذه التقنيات أن تعمل عند أطراف شبكة الكهرباء.
وقال لي تشانغ، مؤسس شركة إنفيجن ورئيسها التنفيذي: «المنشآت الصناعية التي كانت في السابق مجرد مستخدمين سلبيين للكهرباء تتحول الآن إلى جهات مستقلة تدير الطاقة ذاتيًا، وتوازن باستمرار بين الطاقة الشمسية المنتجة في الموقع، وتخزين البطاريات، والتفاعل مع شبكة الكهرباء من دون التأثير في عمليات الإنتاج».
ولا تقتصر تداعيات هذا التحول على منشأة واحدة. فعندما يصبح المستخدمون الصناعيون مشاركين نشطين في شبكة الكهرباء، يكتسب جانب الطلب في نظام الطاقة مستوى من الذكاء كان يتركز تاريخيًا بصورة رئيسية في جانب العرض. ولا تحصل الشبكة بذلك على مزيد من الأصول فحسب، بل على مزيد من الجهات القادرة على اتخاذ القرار أيضًا؛ إذ تصبح ملايين المباني والبطاريات والمواقع الصناعية قادرة على استيعاب التقلبات والاستجابة لتغيرات الأسعار.
أنظمة الطاقة كأساس لنشر الذكاء الاصطناعي
مع ذلك، يؤدي نمو الذكاء الاصطناعي إلى ظهور فئة جديدة من الطلب على الكهرباء لم تُصمم أنظمة الطاقة الحالية أصلًا للتعامل معها، سواء من حيث حجم الطاقة المطلوبة أو طبيعة هذا الطلب. فمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كهرباء تتمتع بموثوقية عالية، وتكون نظيفة بصورة متزايدة، ومتاحة وفق جداول زمنية لا تتوافق مع الدورات التقليدية لتوسعة شبكات الكهرباء.
ولا تكمن المشكلة في ضخامة هذا الطلب فحسب، بل في أنه يتزايد بسرعة تفوق قدرة الشبكة على الاستجابة.
وتعمل شركة «هيثيوم» الصينية المتخصصة في حلول البطاريات وتخزين الطاقة على معالجة هذه الفجوة. ويقوم نهجها على الجمع بين التخزين طويل الأمد عند مصدر الطاقة ونظام يعتمد بطاريات الليثيوم والصوديوم عند جانب الحمل، بما يمنح المشغلين موثوقية على مستوى الشبكة وقدرة على الاستجابة في أجزاء من الألف من الثانية، مع إمكان تنفيذ هذه الأنظمة خلال فترة تتراوح بين عام وعامين بدلًا من خمس إلى عشر سنوات. وبالنسبة إلى شركات الحوسبة السحابية العملاقة، أصبح هذا النوع من التخزين، إلى جانب القدرة على توسيعه بسرعة، شرطًا أساسيًا لنشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
وقال الدكتور نزار يي، عضو مجلس إدارة شركة هيثيوم ونائب رئيسها: «يتوسع الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من القدرة على بناء البنية التحتية للطاقة. ويوفر التخزين سريع الاستجابة المقترن بمرونة تخزين طويلة الأمد مستوى الموثوقية الذي يحتاج إليه مشغلو مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، كما يتيح في الوقت نفسه إنشاء قدرات كبيرة من الطاقة المتجددة في المواقع نفسها، وهو أمر تطالب به بصورة متزايدة شركات الحوسبة السحابية العملاقة».
وتعكس خطط الصين الجديدة للطاقة خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة، من 2026 إلى 2030، هذا التقارب، إذ تدعو إلى تعزيز التنسيق بين البنية التحتية للحوسبة والطاقة والطاقة المتجددة، وربط مفهوم «الطاقة من أجل الذكاء الاصطناعي» بمفهوم «الذكاء الاصطناعي من أجل الطاقة».
الذكاء الاصطناعي كمصدر للمرونة
يُعد المحور الثالث الأقل ظهورًا، لكنه قد يصبح الأكثر تأثيرًا: استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة تمكّن أنظمة الطاقة من اكتشاف المشكلات واستيعابها والتعافي منها. فمع اعتماد الشبكات بصورة أكبر على مصادر الطاقة المتجددة المتقلبة، وتزايد مخاطر الظواهر الجوية المتطرفة والتهديدات السيبرانية، أصبحت استقرارية الشبكة تعتمد بدرجة أقل على مجرد وجود قدرات احتياطية، وبدرجة أكبر على سرعة الاستجابة. فالنظام الذي لا يستطيع الاستجابة بالسرعة الكافية لا يمكنه الحفاظ على استقراره.
وقال الدكتور يي: «في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد المرونة تُقاس بوجود مصادر طاقة احتياطية فقط، بل بقدرة أنظمة تخزين الطاقة على الاستشعار والاستجابة والتكيف في الوقت الفعلي، بما يضمن استمرار تشغيل البنية التحتية الحيوية حتى في ظل تحول أنظمة الطاقة إلى أنظمة أكثر ديناميكية وأقل قابلية للتنبؤ».
أما الخطوة التالية فتتمثل في بناء بنية تحتية يتغلغل الذكاء في مختلف مكوناتها. فالمشغلون البشر يعملون ضمن نطاق زمني يُقاس بالدقائق، في حين تستطيع الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي اكتشاف الحالات غير الطبيعية وإعادة توجيه تدفقات الطاقة وتنسيق عمليات التخزين خلال أجزاء من الألف من الثانية. وتغيّر هذه القدرات اقتصاديات المرونة، إذ أصبحت الحماية الذكية أكثر كفاءة في الوقت الذي تتزايد فيه تكلفة انقطاعات الكهرباء بالنسبة إلى سلاسل الإمداد ومراكز البيانات والأنظمة المالية.
الاعتماد المتبادل أصبح واقعًا بالفعل
تتفاعل هذه المحاور الثلاثة بالفعل وتتقارب بصورة متزايدة. فأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تدير استهلاك المنشآت الصناعية للطاقة بشكل مستقل هي نفسها الأصول التي يمكن لمحطات الطاقة الافتراضية تجميعها وإدارتها. كما أن أنظمة التخزين المصممة لضمان موثوقية مراكز البيانات تعمل في الوقت نفسه كوسائل امتصاص ودعم لشبكات الكهرباء التي تعتمد بكثافة على مصادر الطاقة المتجددة. أما قدرات الذكاء التي تعزز مرونة منشأة معينة، فهي تسهم كذلك في استقرار الشبكة على نطاق أوسع، وهو الاستقرار الذي يحافظ بدوره على استمرار تشغيل البنية التحتية الرقمية.
وهذا يعني أن القرارات التي كانت تُتخذ في السابق بصورة منفصلة، مثل اتفاقيات شراء الطاقة، وخطط توسعة شبكات الكهرباء، وبروتوكولات الأمن السيبراني، وقرارات شراء تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت اليوم مترابطة وتعتمد بعضها على بعض. فشركات التكنولوجيا التي تفصل قرارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي عن اعتبارات أمن الطاقة تخلق نقاط ضعف وهشاشة في أنظمتها.
أما مشغلو الشبكات الذين يخططون لتوسعة شبكات النقل من دون نمذجة سلوك الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، فهم في الواقع يخططون للتعامل مع نمط من الأحمال لم يعد موجودًا بالشكل نفسه. كما أن صنّاع السياسات الذين ينظمون تخزين الطاقة فقط من منظور استقرار الشبكة، من دون النظر إلى دوره في تعزيز القدرة التنافسية في مجال الحوسبة، يغفلون عن طبيعة النظام الذي يديرونه فعليًا.
ولم يعد السؤال الأعمق هو ما إذا كانت شبكات الكهرباء والخوارزميات ستصبح معتمدة بعضها على بعض؛ فهذا الاعتماد المتبادل قائم بالفعل. وتتمثل المهمة الآن في التكيف والاستعداد وبناء عالم يصبح فيه الذكاء جزءًا من البنية التحتية نفسها.
