القائمة الرئيسية

كيف يمكن لأوروبا تحويل نفاياتها إلى فرصة لتعزيز أمن الطاقة؟

كيف يمكن لأوروبا تحويل نفاياتها إلى فرصة لتعزيز أمن الطاقة؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن لأوروبا تحويل النفايات غير القابلة لإعادة التدوير من عبء بيئي إلى مورد استراتيجي يعزز أمن الطاقة ويخفض الانبعاثات، من خلال تقنيات تحويل النفايات إلى كهرباء وحرارة ووقود، مع تسليط الضوء على فوائدها الاقتصادية والمناخية والتحديات المرتبطة بها، وضرورة تحقيق توازن دقيق بين إعادة التدوير والحد من النفايات واسترداد الطاقة.

  • يمكن لمحطات تحويل النفايات إلى طاقة تحويل النفايات غير القابلة لإعادة التدوير إلى كهرباء وحرارة ووقود، بدلاً من تركها في مدافن النفايات.
  • بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، يمكن أن توفر هذه التقنية وسيلة لخفض انبعاثات قطاع النفايات، مع تعزيز أمن الطاقة من خلال توفير المزيد من الوقود لإنتاج الطاقة محلياً.
  • وقد يساعد استخدام هذه التكنولوجيا لتحقيق التوازن بين إعادة التدوير، والحد من النفايات، واسترداد الطاقة، أوروبا على تحقيق أهدافها المناخية وأهدافها في مجال الطاقة.

قد يثير مصطلح «تحويل النفايات إلى طاقة» في الأذهان صوراً لمداخن المصانع، إلا أن هذه العملية التي تقوم على حرق النفايات غير القابلة لإعادة التدوير لإنتاج الكهرباء أو الحرارة أو الوقود، من دون إرسالها إلى مدافن النفايات، تكتسب زخماً متزايداً في أوروبا باعتبارها وسيلة فعالة من حيث التكلفة لخفض الانبعاثات.

وقد أدرجت خطة الطاقة الأوروبية «AccelerateEU» لعام 2026، التي أطلقتها المفوضية الأوروبية، تحويل النفايات إلى طاقة للمرة الأولى ضمن قاعدة مصادر الطاقة المحلية في أوروبا. كما يعمل المشرعون في الاتحاد الأوروبي حالياً على تحديد كيفية وتوقيت إدراج حرق النفايات ضمن سوق الكربون الأوروبية.

وفي الوقت نفسه، لا تزال نسبة كبيرة من النفايات التي يتخلص منها الأوروبيون تُرسل إلى مدافن النفايات، وذلك في وقت أصبح فيه الميثان وأمن الطاقة من أكثر القضايا إلحاحاً بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي.

ولا يعود ذلك فقط إلى صعوبة التخلص من العادات القديمة. فدفن النفايات لا يزال سياسة متعمدة، رغم أن العديد من الدول الأوروبية حددت مواعيد نهائية للتخلص التدريجي من هذه الممارسة. وفي عام 2024، أفاد مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات» بأن 49.5 مليون طن من النفايات البلدية، أي ما يعادل 22.5% من إجمالي النفايات المعالجة، أُرسلت إلى مدافن النفايات في أوروبا، رغم أن الهدف يتمثل في خفض هذه النسبة إلى 10% بحلول عام 2035. ولا تزال دول مثل رومانيا واليونان ومالطا وقبرص وبلغاريا ترسل ما بين 70% و80% من نفاياتها إلى المدافن.

وتنتج النفايات العضوية التي تتحلل من دون وجود الأكسجين داخل مدافن النفايات غاز الميثان، الذي تشير بيانات وكالة حماية البيئة الأمريكية إلى أن قدرته على حبس الحرارة تزيد بنحو 80 مرة على قدرة ثاني أكسيد الكربون خلال فترة 20 عاماً، قبل أن تنخفض إلى نحو 28 مرة على مدى قرن كامل. وتُعد مدافن النفايات بالفعل ثالث أكبر مصدر بشري لانبعاثات الميثان على مستوى العالم، بعد الوقود الأحفوري والثروة الحيوانية. كما أن كل طن من النفايات يُدفن اليوم سيستمر في إطلاق غاز الميثان طوال السنوات العشرين إلى الثلاثين المقبلة.

ومع عمل الاتحاد الأوروبي على فرض سعر على انبعاثات الكربون الصادرة عن قطاع النفايات، بالتوازي مع تقييم حجم الطاقة التي يمكن إنتاجها محلياً، يمكن لتقنيات تحويل النفايات إلى طاقة أن تساعد في معالجة القضيتين في الوقت نفسه.

تعزيز الجدوى الاقتصادية لتحويل النفايات إلى طاقة

تقدم محطة «أماجر باكي» في كوبنهاغن، التي تجمع بين إنتاج الحرارة والكهرباء من النفايات، مثالاً أقوى من أي إحصاءات على جدوى هذه التقنية. وتُعرف المحطة محلياً باسم «كوبنهيل»، وهي مملوكة ومدارة من قبل مركز أماجر للموارد، وتوفر كهرباء منخفضة الكربون لنحو 550 ألف شخص، إضافة إلى التدفئة المركزية لنحو 140 ألف منزل.

وتخفض «كوبنهيل» ما يقدر بنحو 100 ألف طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً مقارنة بالطاقة المنتجة من الوقود الأحفوري التي تحل محلها، كما تستعيد 90% من المعادن الموجودة في النفايات التي تستقبلها بهدف إعادة استخدامها. ويضم سطح المحطة أيضاً منحدراً عاماً للتزلج وجداراً للتسلق. وربما أسهم هذا الموقع الصناعي، الذي تحول إلى متنزه يقصده الناس فعلياً في عطلات نهاية الأسبوع، في تغيير الرأي العام بشأن تحويل النفايات إلى طاقة أكثر مما استطاعت أي حملة توعوية القيام به.

أما الصورة التقليدية للمداخن الملوثة، فهي تعود أساساً إلى تكنولوجيا سبعينيات القرن الماضي. فمحطات مثل «أماجر باكي» تستخدم أنظمة الغسل الرطب والترشيح التحفيزي للامتثال لمعايير الانبعاثات الصارمة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، والتي تُعد من بين الأكثر تشدداً في العالم بالنسبة إلى صناعة النفايات. كما يجري بالفعل اختبار تقنيات احتجاز الكربون في الموقع نفسه.

كيف يمكن لتحويل النفايات إلى طاقة أن يعمل في أوروبا؟

في عام 2024، أنتجت نحو 500 محطة لتحويل النفايات إلى طاقة في أوروبا كمية من الطاقة تعادل 15.7 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. ووفقاً لحساباتي، يعادل ذلك نحو 39% من كمية الغاز التي استوردها الاتحاد الأوروبي من روسيا في ذلك العام، و20% من وارداته من الغاز الأمريكي. ولو تم إنتاج الكمية نفسها من الطاقة باستخدام الوقود الأحفوري، لأدى ذلك إلى انبعاث 50 مليون طن إضافية من ثاني أكسيد الكربون.

ويمثل ذلك مؤشراً مهماً على حجم الانبعاثات التي يمكن تجنبها باستخدام تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة، حتى قبل احتساب الفائدة الإضافية الناتجة عن عدم إرسال النفايات إلى المدافن. ووفقاً لتقديرات القطاع، ستظل أوروبا بحاجة إلى نحو 40 مليون طن من قدرات إعادة التدوير الإضافية بحلول عام 2035، حتى بعد تحقيق الأهداف المحددة.

والآن، لننظر إلى 49.5 مليون طن من النفايات البلدية التي لا تزال تُرسل سنوياً إلى مدافن النفايات. وباستخدام نسب إنتاج الطاقة نفسها التي تحققها المحطات الحالية لتحويل النفايات إلى طاقة، فإن تحويل كل هذه النفايات إلى استرداد الطاقة يمكن أن يضيف ما يعادل نحو 13 مليار متر مكعب من الغاز من الطاقة سنوياً، وفقاً لحساباتي المستندة إلى نسب القطاع.

وباحتساب متوسط سعر الغاز في الاتحاد الأوروبي خلال عام 2024، والبالغ نحو 34 يورو لكل ميغاواط ساعة، يمكن أن تبلغ قيمة هذا الإنتاج الإضافي ما بين 4 و5 مليارات يورو سنوياً، إلى جانب ما بين 5 و6 مليارات يورو يولدها القطاع بالفعل.

وفي حال الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات، يمكن أن تصل القيمة الإجمالية لتحويل النفايات إلى طاقة إلى 10 مليارات يورو سنوياً من وفورات الطاقة الأحفورية في أوروبا، في حين يمكن أن توفر تخفيضات انبعاثات الميثان فوائد مناخية تعادل ما يصل إلى 50 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

وهذه تقديرات تقريبية أولية تستند إلى بيانات عام 2024، وستعتمد النتائج الفعلية على أنواع النفايات المحلية، والتكنولوجيا المستخدمة في المحطات، وظروف شبكات الطاقة. ومع ذلك، فإن الإمكانات المتاحة فورية وملموسة.

توسيع نطاق تحويل النفايات إلى طاقة

تحتاج محطات تحويل النفايات إلى طاقة إلى تدفق مستمر من النفايات حتى تظل مربحة، كما تشير مجموعة «زيرو ويست يوروب» المعنية بالدعوة إلى الحد من النفايات، وهو ما قد يثبط الجهود الرامية إلى تقليل النفايات وتعزيز إعادة تدويرها. وقد يشكل ذلك تهديداً محتملاً لهدف الاتحاد الأوروبي المتمثل في إعادة تدوير 55% من النفايات البلدية بحلول عام 2035.

وهناك أيضاً مخاوف من أن يؤدي رفع سعر الكربون المفروض على حرق النفايات إلى دفع المزيد منها نحو مدافن النفايات بدلاً من إعادة التدوير. غير أن النماذج التي أعدتها «زيرو ويست يوروب» خلصت إلى أن تسعير انبعاثات الكربون الناتجة عن الحرق من غير المرجح أن يؤدي إلى ذلك، لأن الحظر وقواعد المعالجة المسبقة تمنع بالفعل هذا المسار في معظم دول الاتحاد الأوروبي. وهذا يعني أن رفع سعر الكربون لا يجب بالضرورة أن يأتي على حساب إعادة التدوير.

ولذلك، فالحل ليس ببساطة «بناء المزيد من محارق النفايات»، كما أنه ليس «إغلاقها جميعاً». فلا تزال أوروبا تدفن نحو خُمس نفاياتها البلدية، في وقت تحتاج فيه بالفعل إلى زيادة قدرات استرداد الطاقة بحلول عام 2035 وليس تقليصها.

ويظل ضبط الحوافز بالشكل الصحيح، من خلال سوق كربون يعكس التكلفة الحقيقية للانبعاثات، وأهداف مُلزمة لإعادة التدوير، ولوائح تنظيمية محدّثة، مثل إدراج حرق النفايات ضمن نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات، أكثر أهمية من التكنولوجيا نفسها.

وسيكون تحقيق التوازن الصحيح بين إعادة التدوير، والحد من توليد النفايات، واسترداد الطاقة، عاملاً أساسياً في تمكين أوروبا من تحقيق أهدافها المناخية وأهدافها في مجال الطاقة، مع تقليل التأثيرات البيئية إلى أدنى حد ممكن، بما في ذلك الآثار الناتجة عن انبعاثات الهواء.

وهذه ليست مجرد مناقشة افتراضية حول السياسات، بل قرار يواجهه المشرعون في الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن، وستترتب عليه تداعيات حقيقية خلال العقد المقبل.

المصدر

مقالات ذات صلة