القائمة الرئيسية

التصحر: ما هو ولماذا يُعد فهمه ضرورة عالمية؟

التصحر: ما هو ولماذا يُعد فهمه ضرورة عالمية؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة ظاهرة التصحر بوصفها أزمة عالمية تتجاوز حدود الصحارى لتطال التربة والمياه والتنوع البيولوجي وسبل عيش الملايين، موضحة أسبابها الرئيسية مثل تغير المناخ وإزالة الغابات والرعي الجائر والممارسات الزراعية غير المستدامة، ومستعرضة أبرز المناطق المتضررة وآثارها على الأمن الغذائي والمائي والهجرة والاستقرار الاقتصادي، كما تسلط الضوء على حلول واعدة مثل إعادة التشجير والإدارة المستدامة للأراضي والمياه ومبادرات استعادة النظم البيئية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تحرك دولي عاجل للحد من تدهور الأراضي وحماية مستقبل الإنسان والكوكب.

  • أصبحت ثلاثة أرباع الأراضي أكثر جفافًا بشكل دائم خلال العقود الثلاثة الماضية، ويهدد استمرار زحف التصحر التنوع البيولوجي وتوافر المياه، وفي نهاية المطاف صحة الإنسان.
  • في عام 2026، سيجتمع صناع القرار في منغوليا لمناقشة هذه القضية خلال مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP17).
  • في ظل اعتبار فقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظم البيئية ثاني أكثر المخاطر إلحاحًا خلال العقد المقبل، وفقًا لمسح تصورات المخاطر العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي، يتعين على الحكومات والقطاع الخاص على حد سواء التركيز على مكافحة التصحر.

عندما نفكر في الصحارى، قد تتبادر إلى أذهاننا مناطق مثل الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا أو آسيا الوسطى. لكن التصحر لا يشير إلى الصحارى فحسب، بل إلى التدهور المستمر للنظم البيئية في الأراضي الجافة نتيجة عوامل تشمل تغير المناخ والأنشطة البشرية.

إنها مشكلة عالمية لها تداعيات واسعة النطاق على التنوع البيولوجي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والتنمية المستدامة، وقد تتسبب، وفقًا للأمم المتحدة، في نزوح نحو 50 مليون شخص خلال السنوات العشر المقبلة.

وقد يكون هذا العام حاسمًا في معالجة هذه القضية. فتحت شعار «استعادة الأراضي، استعادة الأمل»، ستستضيف منغوليا في أواخر أغسطس الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP17). ويتصدر جدول الأعمال العمل على إيجاد حلول للآثار المتداخلة لتدهور الأراضي والتصحر والجفاف، وهي ظواهر تُقدَّر تكلفتها على الاقتصاد العالمي بنحو 878 مليار دولار سنويًا.

فما أبرز آثار التصحر على كوكبنا وسكانه؟ وكيف يمكن الحد منه؟

ما التصحر وما أسبابه؟

التصحر هو أحد أشكال تدهور الأراضي، ويحدث عندما تصبح منطقة جافة نسبيًا في الأصل أكثر جفافًا بصورة متزايدة، ما يؤدي إلى تدهور التربة المنتجة وفقدان المسطحات المائية والتنوع البيولوجي والغطاء النباتي.

وينجم التصحر عن مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها تغير المناخ وإزالة الغابات والرعي الجائر والممارسات الزراعية غير المستدامة.

ولا تقتصر المشكلة بأي حال من الأحوال على صحارى مثل الصحراء الكبرى أو كالاهاري أو غوبي. فقد أصبحت ثلاثة أرباع أراضي كوكب الأرض أكثر جفافًا بشكل دائم خلال العقود الثلاثة الماضية. وتقول اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إن مساحة من الأراضي السليمة والمنتجة تعادل أربعة ملاعب لكرة القدم تتعرض للتدهور كل ثانية، فيما يتدهور نحو مليون كيلومتر مربع من الأراضي سنويًا.

كما أصبحت موجات الجفاف أكثر تكرارًا وشدة، ومن المتوقع أن تؤثر في ثلاثة أرباع سكان العالم بحلول عام 2050.

وفي الوقت الحالي، يعيش أكثر من ملياري شخص في الأراضي الجافة، وهي المناطق الأكثر عرضة للتصحر، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد بحلول عام 2100.

من هم الأكثر تأثرًا بالتصحر؟

تُعد أفريقيا المنطقة الأكثر تضررًا، إذ إن ثلثي مساحة القارة عبارة عن صحارى أو أراضٍ جافة. وفي مناطق مثل الساحل الأفريقي، وهو حزام من السافانا شبه القاحلة يقطنه نحو 400 مليون شخص ويمتد من السنغال والنيجر ومالي وتشاد وصولًا إلى السودان، يتسارع انتشار التصحر بشكل كبير. وفي الوقت الحالي، يتعرض أكثر من 80% من أراضي المنطقة للتدهور.

وتُعد الأراضي الجافة في آسيا الوسطى من بين أسرع المناطق تدهورًا وأكثرها عرضة لتغير المناخ على مستوى العالم، وفقًا للبنك الدولي. كما تتأثر الصين بشدة بالتصحر، ولا سيما في مناطقها الشمالية والشمالية الشرقية والشمالية الغربية.

وعلى الرغم من أن بعض المناطق في الصين وآسيا الوسطى تُصنَّف منذ زمن طويل ضمن المناطق ذات المناخ الصحراوي، فإن التصحر استمر في التفاقم. وفي المناطق الجبلية، أدى نقص الثلوج إلى الانحسار التدريجي للأنهار الجليدية، ما يهدد الأمن المائي للسكان والقطاع الزراعي على حد سواء.

أما منغوليا، الدولة المضيفة لمؤتمر COP17، فهي أيضًا من بين أكثر البلدان تأثرًا بالتصحر، إذ تعرض بالفعل 77% من أراضيها للتدهور.

لكن المشكلة تمتد إلى العديد من المناطق الأخرى. ففي الولايات المتحدة، يتأثر أكثر من 30% من الأراضي بالتصحر، فيما تشكل الصحارى والأراضي الجافة نحو ربع مساحة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

وفي أوروبا، يتأثر نحو 12% من أراضي الاتحاد الأوروبي، وتُعد إسبانيا وقبرص واليونان من بين الدول التي تسجل أعلى نسب الأراضي المعرضة لظروف التصحر. كما حدد الاتحاد الأوروبي أكثر من مليون كيلومتر مربع باعتبارها مناطق تواجه «مخاطر مرتفعة» للتصحر، ويقع العديد منها خارج المناطق المصنفة حاليًا ضمن الأراضي الجافة.

ما آثار التصحر؟

وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، يعيش نحو 500 مليون شخص في مناطق تعرضت للتصحر. وقد يواجه هؤلاء تفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي وسوء الحالة الصحية بسبب سوء التغذية ونقص الوصول إلى المياه النظيفة.

كما أنهم أكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ والظواهر الجوية المتطرفة، مثل موجات الجفاف والكوارث الطبيعية. ومع تعرض مصادر رزقهم للخطر وازدياد احتمالات نشوب صراعات بسبب تناقص الموارد، فقد يضطرون أيضًا إلى الهجرة القسرية.

ومن أبرز الأمثلة على التصحر صحراء آرالكوم في آسيا الوسطى. ففي ستينيات القرن الماضي، كانت هذه المنطقة مغطاة ببحر آرال، الذي كان رابع أكبر بحيرة في العالم. ومنذ ذلك الحين، تقلص إلى عُشر حجمه السابق، ولم يتبق منه سوى ثلاث بحيرات صغيرة شديدة الملوحة.

وخلال الحقبة السوفيتية، استُخدمت مياهه لري منطقة شبه صحراوية بهدف زراعة القطن، ما أدى إلى انخفاض منسوب المياه. ومع مرور الوقت، زاد تغير المناخ من حدة المشكلة، فتحول قاع البحر الجاف إلى صحراء مغطاة بالملح، وباتت قوارب الصيد عالقة على اليابسة تتآكل بفعل الصدأ، فيما دُمرت مصادر رزق السكان.

كيف يمكن الحد من التصحر؟

توجد مجموعة واسعة من الأساليب لمواجهة التصحر، وتُنفَّذ حاليًا العديد من البرامج في أنحاء مختلفة من العالم.

فمن الصين إلى المملكة العربية السعودية والاتحاد الأوروبي، تعمل مناطق ودول عديدة على تكثيف إجراءاتها لمواجهة هذه المشكلة.

وعلى مستوى العالم، تحقق بعض التدخلات المحددة نتائج ملموسة. فعلى سبيل المثال، تساعد إعادة التشجير وزراعة الأشجار في المناطق التي لم تكن مغطاة بالغابات سابقًا على إحياء التربة المتدهورة.

وفي أوزبكستان، شمل أحد برامج إعادة التخضير زراعة الأشجار والشجيرات على مساحة مليون هكتار في منطقة صحراء آرال. ومن بين الأنواع المزروعة شجيرة الساكسول الأسود، التي تتميز بقدرتها الكبيرة على مقاومة الجفاف وتثبيت الأملاح والرمال، ما يمنع تطايرها وانتقالها إلى المناطق الداخلية مع العواصف الرملية.

وفي منطقة الساحل والصحراء في أفريقيا، تهدف مبادرة «الجدار الأخضر العظيم»، التي أطلقها الاتحاد الأفريقي عام 2007، إلى استعادة الغطاء النباتي في 100 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة. وتشمل المبادرة 22 دولة أفريقية، وتهدف إلى إعادة إحياء الأراضي وتخزين أكثر من 250 مليون طن من الكربون وتوفير 10 ملايين فرصة عمل بحلول عام 2030.

ويُعد إدخال ممارسات الإدارة المستدامة للأراضي جزءًا رئيسيًا آخر من جهود مكافحة تدهور الأراضي، بدءًا من الحراجة الزراعية ووصولًا إلى الرعي المستدام، وهي ممارسات يمكن أن تسهم أيضًا في زيادة إنتاجية المحاصيل وتحسين سبل العيش.

كما يمكن لممارسات إدارة المياه، مثل حصاد مياه الأمطار والري بالتنقيط وزراعة المحاصيل المقاومة للجفاف، أن تساعد في مواجهة آثار ندرة المياه. وتشمل الإجراءات العلاجية الأخرى إعادة الغطاء النباتي واستعادة الموائل الطبيعية، مثل الأراضي الرطبة ومجاري الأنهار بالكامل.

وفي ظل اعتبار فقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظم البيئية ثاني أكثر المخاطر إلحاحًا خلال العقد المقبل، وفقًا لمسح تصورات المخاطر العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي، فمن الضروري أن يؤدي القطاع الخاص دوره في مكافحة التصحر.

وقد أطلق المنتدى الاقتصادي العالمي واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر أداة تُعرف باسم «الحياد في تدهور الأراضي: خريطة المعلومات الاستراتيجية»، وتهدف إلى مساعدة الشركات في تقييم المخاطر والفرص المرتبطة بالنظم البيئية.

وتُمكّن هذه الأداة الشركات من مواءمة عملياتها مع الأهداف العالمية لاستعادة الأراضي، مع الحد في الوقت نفسه من مخاطر سلاسل التوريد وتسريع جهود حماية التنوع البيولوجي.

المصدر

مقالات ذات صلة