القائمة الرئيسية

كيف يمكننا استخدام غاز الميثان لجعل الصناعات أكثر استدامة؟

كيف يمكننا استخدام غاز الميثان لجعل الصناعات أكثر استدامة؟
ملخص المقال

يمثل الإصلاح الجاف مسارًا واعدًا لإعادة تدوير الميثان وثاني أكسيد الكربون وتحويلهما إلى غاز التخليق، الذي يدخل في تصنيع الوقود والبلاستيك والمواد الكيميائية، خصوصًا أن الميثان، رغم قصر بقائه في الغلاف الجوي، يمتلك قدرة على احتجاز الحرارة تفوق ثاني أكسيد الكربون بنحو 80 مرة على مدى 20 عامًا، ما يجعل خفض انبعاثاته ذا أثر مناخي سريع. غير أن تطبيق الإصلاح الجاف صناعيًا يواجه تحديات رئيسية، أبرزها استهلاك الطاقة، والاعتماد على حرق الوقود الأحفوري لتسخين المفاعلات، وعدم تجانس توزيع الحرارة، وتدهور العوامل الحفازة بسبب تراكم الكربون. لمعالجة ذلك، طوّر فريق في جامعة موناش مفاعلًا يعتمد على **التسخين بالحث المغناطيسي** باستخدام الكهرباء التي يمكن توفيرها من مصادر متجددة، إلى جانب هياكل معدنية مطبوعة ثلاثيًا لتحسين انتقال الحرارة وتدفق الغازات والحد من تدهور العامل الحفاز، بما يرفع كفاءة التفاعل واستقراره. ويمكن دمج هذه التقنية مع إنتاج الغاز الحيوي من النفايات العضوية والسماد، ثم تحويله إلى غاز تخليق بالقرب من مصادره، ما يقلل الانبعاثات وتكاليف النقل والطاقة، مع إمكانية دمج المفاعل في الصناعات القائمة المعتمدة على غاز التخليق. ويكمن التحدي التالي في إثبات كفاءته ومتانته على نطاق صناعي ولساعات تشغيل طويلة، بما يمهد لكهربة العمليات الصناعية عالية الحرارة وربطها بالطاقة المتجددة ضمن نموذج أكثر كفاءة واستدامة للكربون الدائري.

يُعد ثاني أكسيد الكربون والميثان من غازات الدفيئة شديدة القوة، وهما من أبرز المحركات لتغير المناخ. ومع ذلك، يمكننا من خلال عملية تُعرف باسم الإصلاح الجاف، دمج ثاني أكسيد الكربون والميثان لإنتاج «غاز التخليق»، الذي يمكن استخدامه في تصنيع الوقود والبلاستيك. لكن للأسف، فإن أساليب الإصلاح الجاف الحالية غير فعالة وتعتمد على الوقود الأحفوري. ولمعالجة هذه المشكلة، يعمل البروفيسور أكشات تانكسالي وفريقه في مركز RECARB بجامعة موناش في أستراليا على تصميم مفاعل جديد لتحسين الكفاءة والاستدامة.

تحدّث بلغة مهندس كيميائي

الغاز الحيوي: وقود غازي، مثل الميثان، ينتج عن تخمير المواد العضوية.

العامل الحفاز: مادة تزيد من معدل التفاعل الكيميائي من دون أن تخضع هي نفسها لتغير دائم.

الإصلاح الجاف: عملية حفزية تحول الميثان وثاني أكسيد الكربون إلى غاز التخليق.

إمكانات الاحترار العالمي: مقياس لكمية الحرارة التي يحبسها غاز الدفيئة في الغلاف الجوي.

التسخين بالحث المغناطيسي: استخدام مجال مغناطيسي متناوب لتوليد الحرارة داخل المعادن الموصلة للكهرباء.

غاز التخليق: اختصار لعبارة «غاز التخليق الصناعي»، وهو مزيج من أول أكسيد الكربون والهيدروجين يُنتج على المستوى الصناعي.

من أجل الحد من آثار تغير المناخ، يجب علينا أن نعمل بسرعة على خفض مستويات غازات الدفيئة في غلافنا الجوي. وعلى الرغم من أن ثاني أكسيد الكربون هو المحرك الرئيسي لتغير المناخ، فإن غازات الدفيئة الأخرى تسهم أيضًا في تفاقم المشكلة. فعلى سبيل المثال، يُعد الميثان مسؤولًا عن نحو 30% من الارتفاع في درجات الحرارة العالمية منذ الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر.

وعلى الرغم من أن الميثان ينتج طبيعيًا عن البراكين وتحلل المواد العضوية في الأراضي الرطبة، فإن أكثر من 60% من انبعاثات الميثان إلى الغلاف الجوي تنتج عن أنشطة بشرية، مثل تربية الماشية وإدارة النفايات واستخراج الوقود الأحفوري.

وعلى عكس ثاني أكسيد الكربون، الذي يبقى في غلافنا الجوي لمئات السنين، يميل الميثان إلى البقاء لفترة أقصر بكثير، تبلغ نحو 12 عامًا. ومع ذلك، يستطيع الميثان احتجاز حرارة تزيد بنحو 80 مرة على ما يحتجزه ثاني أكسيد الكربون خلال فترة تمتد إلى 20 عامًا. وبسبب قصر فترة بقائه في الغلاف الجوي وارتفاع إمكانات احتراره العالمي، فإن خفض انبعاثات الميثان قد يكون أسرع وسيلة لإبطاء ظاهرة الاحتباس الحراري.

وهذا هو ما يحفز البروفيسور أكشات تانكسالي وفريقه في مركز الأبحاث التابع للمجلس الأسترالي للبحوث لاستخدام الكربون وإعادة تدويره، المعروف باسم مركز RECARB، في جامعة موناش. إذ يعمل الفريق على تصميم مفاعل جديد يستخدم عملية تُعرف باسم الإصلاح الجاف لتحويل الميثان وثاني أكسيد الكربون إلى منتجات مفيدة، وبذلك يسهم في الحد من تغير المناخ وتوفير موارد قيّمة في الوقت نفسه.

يقول أكشات: «في المناطق الحضرية، يمكن تجنب انبعاث الميثان الناتج عن تحلل النفايات العضوية في مواقع دفن النفايات، وذلك من خلال فصل النفايات العضوية عن النفايات الصلبة من المصدر. ويمكن بعد ذلك إرسال النفايات العضوية إلى هاضمات لاهوائية، وهي خزانات خالية من الأكسجين تستخدم الكائنات الحية الدقيقة لتفكيك النفايات العضوية وإنتاج الغاز الحيوي، وهو مزيج من الميثان وثاني أكسيد الكربون».

وبالمثل، يمكن في المناطق الريفية والزراعية إرسال السماد الطبيعي إلى الهاضمات اللاهوائية لإنتاج الغاز الحيوي. ويوضح أكشات: «يمكن بعد ذلك ترقية الغاز الحيوي وتحويله إلى غاز التخليق باستخدام التقنية التي طورناها».

الإصلاح الجاف

يواصل أكشات قائلًا: «عندما يُسخن الميثان وثاني أكسيد الكربون معًا في عملية الإصلاح الجاف، فإنهما يتفاعلان لتكوين غاز التخليق، وهو مزيج من الهيدروجين وأول أكسيد الكربون».

ويُعد غاز التخليق منتجًا ذا قيمة هائلة، إذ يمكن استخدامه في تصنيع الوقود والبلاستيك ومجموعة واسعة من المواد الكيميائية، وهو مستخدم بالفعل في العديد من الصناعات.

ويوضح أكشات: «لذلك، بدلًا من السماح للميثان وثاني أكسيد الكربون بالتسرب إلى الغلاف الجوي وتفاقم تغير المناخ، يمكننا إعادة استخدامهما بوصفهما مواد خام. إنها عملية لإعادة تدوير غازات الدفيئة وتحويلها إلى منتجات مفيدة بدلًا من التخلص منها».

لكن للأسف، فإن عمليات الإصلاح الجاف الحالية غير فعالة، وقد تؤدي إلى أضرار أكبر من فوائدها فيما يتعلق بتغير المناخ.

يقول أكشات: «يُجرى الإصلاح الجاف عادةً داخل مفاعلات صناعية كبيرة تُسخن عن طريق حرق الوقود الأحفوري. وهذا يخلق مشكلة كبيرة، فعلى الرغم من أنك تحول غازات الدفيئة، فإنك تنتج أيضًا المزيد من الانبعاثات لمجرد إبقاء المفاعل ساخنًا».

كما أن للطرق الحالية مشكلات أخرى. ويوضح أكشات: «تتعرض العوامل الحفازة داخل المفاعلات للتلف بمرور الوقت بسبب تراكم الكربون، ما يمنعها من العمل بصورة صحيحة. بالإضافة إلى ذلك، تكون الحرارة داخل هذه المفاعلات غير متوزعة بالتساوي، وهو ما يهدر الطاقة ويقصر العمر التشغيلي للنظام».

ومن الناحية النظرية، يُعد الإصلاح الجاف فكرة رائعة، لكن هذه العملية في الواقع غير فعالة وغير مستدامة.

مفاعل جديد

لتحويل الإصلاح الجاف إلى استراتيجية قابلة للتطبيق للحد من تغير المناخ، صمم أكشات وفريقه مفاعلًا جديدًا يعالج أوجه القصور الحالية.

يقول أكشات: «نُسخّن مفاعلنا باستخدام الكهرباء من خلال عملية تُعرف باسم التسخين بالحث المغناطيسي، وهي تشبه الطريقة التي تعمل بها مواقد الحث. ويمكن توليد الكهرباء التي نستخدمها من مصادر متجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما يعني أنه يمكننا تشغيل هذا التفاعل الكيميائي شديد الحرارة من دون إنتاج انبعاثات كربونية إضافية».

ويضيف أكشات: «نستخدم أيضًا هياكل معدنية مصممة بعناية ومطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، توضع داخل المفاعل. وتتيح هذه الهياكل توزيعًا أكثر تجانسًا للحرارة وتدفق الغاز، ما يجعل التفاعل أسرع وأكثر كفاءة واستقرارًا».

كما يمنع ذلك تراكم الكربون على العوامل الحفازة، وبالتالي يمكن للمفاعل أن يعمل لفترة أطول مع هدر أقل للطاقة.

الانتقال إلى القطاع الصناعي

يتمثل الهدف التالي للفريق في اختبار المفاعل في ظل الظروف الموجودة في صناعات غاز التخليق القائمة بالفعل.

يقول أكشات: «هذا يعني أنه يجب أن يكون قادرًا على العمل لفترات زمنية أطول، وإنتاج كميات أكبر من غاز التخليق، ومعالجة مخاليط غازية أقرب إلى المصادر الموجودة في العالم الحقيقي، مثل الغاز الحيوي الذي ينتج عن تخمير المواد العضوية في أنظمة النفايات والزراعة ومواقع دفن النفايات».

ويضيف: «نريد مواصلة تحسين تصميم مفاعلنا بحيث يستخدم قدرًا أقل من الطاقة ويعمل بصورة موثوقة لآلاف الساعات، ليس فقط في المختبر، بل بوصفه جزءًا مهمًا من العديد من الصناعات المختلفة».

تعتمد العديد من الصناعات، مثل الصناعات الكيميائية وصناعة البلاستيك وتصنيع الوقود، بالفعل بدرجة كبيرة على غاز التخليق، ولذلك فإن المفاعل الجديد الذي طوره الفريق يمكن دمجه مباشرة في عملياتها الحالية، ما يعني أنه بإمكانها إنتاج المنتجات نفسها بانبعاثات أقل بكثير.

يوضح أكشات: «مفاعلنا مدمج وقابل للتوسعة المعيارية، ولذلك تستطيع الشركات تركيبه بسهولة أكبر مقارنة بالأنظمة التقليدية. ويمكن حتى وضعه بالقرب من مصادر الميثان، مثل مواقع دفن النفايات ومحطات إنتاج الغاز الحيوي، ما يقلل تكاليف النقل والطاقة، ويسمح لهذه الصناعات بأن تصبح أكثر استدامة وأن توفر المال في الوقت نفسه».

ويواصل أكشات قائلًا: «من الصعب للغاية التصدي لتغير المناخ في هذه الصناعات التي تعتمد على درجات حرارة شديدة الارتفاع، لكن عملنا يوضح أنه حتى هذه العمليات يمكن تشغيلها باستخدام الكهرباء النظيفة. وهذا ليس حلًا سحريًا لتغير المناخ، لكنه سيكون خطوة كبيرة نحو صناعة أنظف ومستقبل أكثر استدامة».

حول الحد من الميثان

يشمل مجال الحد من الميثان إجراء الأبحاث حول كيفية منع انبعاثات الميثان إلى الغلاف الجوي أو الحد منها، بهدف تقليل إسهامها في ظاهرة الاحتباس الحراري.

يقول أكشات: «يجمع البحث في مجال الحد من الميثان بين الكيمياء والهندسة وعلوم المواد وأنظمة الطاقة وعلوم المناخ. إنه مجال متنامٍ يوفر فرصًا هائلة، ويمنح العلماء والمهندسين الشباب فرصة ليكونوا جزءًا من التحول العالمي نحو مستقبل منخفض الكربون».

الميثان غاز دفيئة قوي، لكنه لا يبقى في الغلاف الجوي للمدة نفسها التي تبقى فيها غازات أخرى، مثل ثاني أكسيد الكربون.

ويقول أكشات: «هذا يعني أن خفض انبعاثات الميثان يمكن أن يكون له تأثير سريع وملموس في تغير المناخ. وبصفتي باحثًا، فإن من المحفز للغاية أن أدرك أن عملي يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا خلال بضع سنوات فقط».

ومن المهم النظر إلى الميثان بوصفه موردًا ذا قيمة، إذ يمكن أن يساعد ذلك أيضًا في بناء حافز مالي لاستخدامه بدلًا من فقدانه.

يقول أكشات: «عندما نحول الميثان إلى وقود أو مواد كيميائية أو هيدروجين، فإننا نحل تحديًا بيئيًا، وفي الوقت نفسه ندعم الصناعات التي يعتمد عليها الناس. علينا أن نفكر فيما يتجاوز تأثير ذلك في المناخ، فإذا كان النظام مكلفًا للغاية، فلن يستخدمه أحد».

ومع ذلك، حتى إذا كانت النظرية سليمة، فقد يكون تطبيقها أمرًا مختلفًا.

يوضح أكشات: «التفاعلات معقدة وتنطوي على درجات حرارة مرتفعة. وهذا يعني أنها تتطلب قدرًا كبيرًا من الطاقة وتفرض إجهادًا كبيرًا على المواد المستخدمة».

ولذلك، ينصب تركيز قوي على تصميم أنظمة تتسم بالكفاءة والمتانة والأمان، فضلًا عن التعاون مع المهندسين وشركاء القطاع الصناعي لضمان إمكانية تطبيق الحلول على نطاق واسع.

وهناك الكثير من التقنيات الناشئة والمثيرة التي يمكن للجيل القادم من الباحثين العمل على تطويرها.

يقول أكشات: «سيعمل الباحثون في المستقبل على المفاعلات المكهربة، والعوامل الحفازة الجديدة، ودمج مصادر الطاقة المتجددة، وتقنيات الكربون الدائرية. ولن يقتصر دورهم على دراسة تغير المناخ، بل سيعملون بصورة فاعلة على بناء الحلول».

المصدر

مقالات ذات صلة