عندما تسمع كلمة «الذهان»، ما الذي يخطر ببالك؟
يعتقد كثير من الناس أن الذهان اضطراب يصيب الدماغ، ولا يسمعون عنه إلا في الأخبار عندما يرتبط بجريمة عنيفة أو صادمة.
لكن الذهان في الواقع ليس تشخيصًا بحد ذاته، بل هو مجموعة من الأعراض التي تؤثر في العقل وفي الطريقة التي تفسّر بها العالم من حولك. والأشخاص الذين يمرون بحالة ذهانية يكونون أكثر عرضة لأن يشكلوا خطرًا على أنفسهم من أن يشكلوا خطرًا على الآخرين.
ونحن نعرف الآن أن الصدمات النفسية يمكن أن تزيد من خطر الإصابة بالذهان. وتُظهر مجموعة متزايدة من الأبحاث أن استخدام «العلاج بالكلام» لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة، وهو حالة نفسية قد يصاب بها بعض الأشخاص بعد تعرضهم لصدمة، يمكن أن يكون فعالًا أيضًا في علاج الذهان.
ومع ذلك، فإننا لا نقيّم الصدمات النفسية ونعالجها بشكل روتيني لدى الأشخاص المصابين بالذهان. وهذا هو السبب في أنه ينبغي لنا أن نفعل ذلك.
ما الذهان؟
قد يعاني الأشخاص المصابون بالذهان من الهلاوس، مثل رؤية أو سماع أو شم أو تذوق أو الشعور بأشياء غير موجودة، ومن الأوهام، وهي معتقدات راسخة لا يشاركهم فيها الآخرون، وغالبًا ما تكون متجذرة في الخوف من تعرضهم للأذى على يد الآخرين أو في الارتياب الشديد.
بالنسبة إلى بعض الأشخاص، قد تكون الإصابة بالذهان نوبة واحدة تحدث استجابة لضغط نفسي حاد. وقد يطوّر آخرون صعوبات متكررة أو مستمرة، ويتلقون تشخيصًا بالفصام أو الاضطراب ثنائي القطب.
يمكن أن يؤثر الذهان في مهارات التفكير، ولذلك قد يجد الشخص صعوبة في التركيز، أو قد تصبح أفكاره وكلامه مشوشين. كما يمكن أن يؤثر في المشاعر والدافعية، فيجعلك تشعر بالفتور والعزلة، أو يتسبب في تقلبات مزاجية.
كيف يمكن للصدمات النفسية أن تُحفّز الذهان؟
الأشخاص الذين تعرضوا لأحداث حياتية صادمة، ولا سيما في مرحلة الطفولة، يكونون أكثر عرضة بثلاث مرات للإصابة بالذهان في وقت لاحق مقارنة بمن لم يتعرضوا لمثل هذه الأحداث. وتُعد زيادة المخاطر هذه مماثلة في حجمها للمخاطر المرتبطة بالتدخين والإصابة بسرطان الرئة في وقت لاحق.
يمكن للأحداث الصادمة أن تشكّل الطريقة التي يتصرف بها الناس من أجل التعامل مع المواقف التي يشعرون فيها بالتهديد أو البقاء على قيد الحياة خلالها. فعلى سبيل المثال، قد يطوّر بعض الأشخاص نظام إنذار مفرط الحساسية تجاه التهديد، وهو ما يُعرف بفرط اليقظة، بينما قد «ينفصل» آخرون عن التجربة أو يبتعدون عنها ذهنيًا، وهو ما يُعرف بالتفارق.
وقد تكون ذكريات الأحداث الصادمة شديدة الاقتحام والحيوية، بحيث تجعل الشخص يشعر وكأن الماضي يحدث في الوقت الحاضر.
كما يمكن للصدمة النفسية أن تؤثر في نظرة الناس إلى أنفسهم وإلى العالم وإلى الآخرين. وقد يؤدي ذلك إلى تكوّن معتقدات سلبية، مثل «أنا شخص سيئ أو مقزز»، أو «الأشياء السيئة تحدث لي دائمًا»، أو «لا يمكن الوثوق بالآخرين»، أو «إنهم يتربصون بي ويريدون إيذائي».
وتُعد هذه الأعراض من السمات الأساسية لاضطراب ما بعد الصدمة، لكننا ندرك الآن أيضًا أنها قد تتداخل مع تجارب الذهان، وقد تسهم فيها، بما في ذلك الهلاوس والأوهام.
ولا يزال الباحثون يحاولون فهم الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها هذه السلوكيات والمعتقدات والذكريات إلى الذهان. وقد يكون أحد التفسيرات أن اضطراب ما بعد الصدمة يجعل الدماغ شديد التركيز على التهديد إلى درجة تؤدي إلى تغيير الطريقة التي يختبر بها الشخص الواقع وما يؤمن به.
فكيف يمكن للعلاج أن يساعد إذن؟
غالبًا ما تكون الأدوية غير فعالة في علاج الأعراض المتداخلة لاضطراب ما بعد الصدمة والذهان، مثل الذكريات المجزأة وفرط اليقظة والتفارق.
وتُظهر أبحاث حديثة، شارك بعضنا في إجرائها، كيف يمكن للعلاج النفسي الذي يركز على علاج اضطراب ما بعد الصدمة أن يحسّن أيضًا أعراض الذهان، مثل الأوهام والارتياب والهلاوس.
ويُسمى هذا العلاج «العلاج المعرفي السلوكي المرتكز على الصدمة للذهان»، وهو يبني على علاجات أخرى.
يركز العلاج المعرفي السلوكي عمومًا على إعادة صياغة الأفكار والسلوكيات غير المفيدة. وكأسلوب معتاد في علاج اضطراب ما بعد الصدمة، يساعد المعالج الشخص على استعادة الذكريات المؤلمة والتحدث عنها بطريقة منظمة.
فعلى سبيل المثال، قد يساعد شخصًا نجا من حدث صادم ويعتقد أن «ما حدث كان خطئي» على صياغة رواية بديلة، مثل «فعلت ما استطعت في ذلك الوقت».
ويكيّف العلاج المعرفي السلوكي المرتكز على الصدمة للذهان هذه الأساليب ويدمجها مع استراتيجيات تستهدف أعراض الذهان أيضًا.
وقد يشمل ذلك كيفية التعامل مع الهلاوس والأوهام وفهمها وإضفاء معنى عليها. ويتطلب هذا العلاج عادةً فترة أطول من العلاج الموصى بها للأشخاص الذين لا يعانون من الذهان، إذ يتضمن عادةً 26 جلسة تُقدّم على مدى 6 إلى 12 شهرًا.
وتُظهر الأبحاث أن هذا النوع من العلاج المعرفي السلوكي، الذي يستهدف اضطراب ما بعد الصدمة والذهان معًا، يمكن أن يساعد الأشخاص على فهم آثار الصدمة وتعلّم طرق أفضل للتعامل معها. كما يمكن أن يجعل الذكريات أقل اقتحامًا وحيوية وتجزؤًا، وأن يقلل من أعراض أخرى مثل سماع الأصوات ورؤية الأشياء غير الموجودة والشعور بالارتياب والكوابيس والتفارق.
وقد أثيرت بعض المخاوف من أن تقنيات إعادة معالجة الذكريات المفيدة في علاج اضطراب ما بعد الصدمة قد تؤدي إلى تفاقم المشكلات لدى الأشخاص المصابين بالذهان. لكن الأبحاث تُظهر أنه رغم احتمال زيادة أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، فإن هذه الزيادة مؤقتة وتشكل جزءًا شائعًا من عملية العلاج، ولا تؤثر في تعافي الأشخاص على المدى الطويل.
وتدعم الأبحاث الحديثة هذا الاستنتاج أيضًا، إذ أظهرت عدم وجود زيادة في حالات دخول المستشفى أو محاولات الانتحار بين الأشخاص المصابين بالذهان الذين خضعوا لهذا العلاج.
ما الذي لا يزال بحاجة إلى التغيير؟
على مدى أكثر من عقد، أكدت الإرشادات الدولية والأسترالية الخاصة بالتعامل مع الذهان ضرورة تقييم الأشخاص المصابين بالذهان للكشف عن اضطراب ما بعد الصدمة وعلاجه.
ومع ذلك، لا تزال هناك عوائق تحول دون اعتماد العلاج المرتكز على الصدمة للذهان، من بينها المفاهيم الخاطئة لدى الأطباء والمختصين بشأن مصداقية هذا العلاج وسلامته، فضلًا عن افتقارهم إلى الثقة في تقديمه. وعلى مستوى النظام الصحي، حدد العاملون في مجال الرعاية الصحية أيضًا ضغوط أعباء العمل ونقص الموارد باعتبارهما من أبرز التحديات.
لذلك، نحتاج إلى توفير الموارد والتدريب والإشراف اللازمين للعلاج المرتكز على الصدمة للذهان، بما يمكّن اختصاصيي الصحة النفسية من تقديمه.
لقد جرى تجاهل الصلة الوثيقة التي لا تنفصم بين الصدمة والذهان لفترة طويلة جدًا. لكن لدينا الآن الأدلة والأدوات اللازمة لتصحيح هذا الوضع.
