القائمة الرئيسية

ما هي أفضل طريقة لدعم الطلاب الباحثين عن الكمال؟

ما هي أفضل طريقة لدعم الطلاب الباحثين عن الكمال؟
ملخص المقال

الكمالية لدى الطلاب ليست مجرد سعي إلى التفوق، بل قد تتحول إلى عبء نفسي يدفعهم إلى الخوف من الخطأ، والمماطلة، والمراجعة المفرطة، والانشغال بالدرجات ومعايير التقييم على حساب التعلم الحقيقي، كما قد تضعف ثقتهم بأنفسهم وتجعلهم أكثر حساسية للنقد. وتزداد المشكلة في البيئات التعليمية التي تركز بشدة على النتائج والمقارنة والقياس المستمر، لذلك يحتاج الطلاب إلى تعليم يتيح لهم التجربة والتعثر وارتكاب الأخطاء، مع تحقيق توازن بين المرونة والحدود الواضحة التي تمنع السعي إلى الكمال من التحول إلى دائرة لا تنتهي من المراجعة والقلق. فالغاية من التعليم ليست تخريج طلاب لا يخطئون، بل بناء متعلمين يمتلكون الثقة والمرونة والقدرة على التطور والتعلم من أخطائهم.

تخيل طالبًا يمضي ساعات في محو فقرة متقنة وإعادة كتابتها، أو طالبة تطلب من معلمتها مراجعة معايير التقييم بندًا بندًا قبل أن تبدأ الكتابة، أو طالبًا ينهار باكيًا لمجرد أن علامته في اختبار الرياضيات نقصت درجة واحدة.

عندما نتحدث عن الطلاب الذين يميلون إلى الكمالية، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن طلاب متفوقون، شديدو الاجتهاد والانضباط، يُتوقع لهم مستقبل مشرق. لكن أبحاثنا، التي تناولت نظرة المعلمين إلى الكمالية لدى الطلاب وكيف يفهمونها، تكشف صورة أكثر تعقيدًا، بل ومقلقة في بعض جوانبها.

ففي المقابلات التي أجريناها، كان بعض المعلمين يربطون في البداية بين الكمالية والتحصيل المرتفع. لكن عندما تحدثوا عن تجاربهم الفعلية مع الطلاب، أمضوا معظم وقتهم في وصف طلاب يعانون القلق والمماطلة والخوف الشديد من ارتكاب الأخطاء، ويواجهون ضغوطًا نفسية وعاطفية كبيرة. كما أظهرت أبحاثنا حول أساليب المعلمين أن انشغال بعض الطلاب المفرط بالتحصيل قد يصل إلى حد إزاحة التعلم نفسه من المشهد.

الكمالية ليست مجرد رغبة في النجاح

من السهل أن نخلط بين الكمالية وبين السعي إلى التميز أو وضع معايير عالية للذات.

بعد أن قدمت ورشة عمل لطلاب المرحلة الثانوية حول الكمالية، اقتربت مني إحدى الأمهات في موقف السيارات، وأعربت عن قلقها من أن تكون النصائح التي قدمتها ذات أثر عكسي. كانت تخشى أن يؤدي الحد من كمالية ابنتها إلى جعلها أقل اجتهادًا أو أكثر ميلًا إلى الكسل.

لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين السعي الصحي إلى التميز وبين الاعتقاد بضرورة الوصول إلى الكمال. فالكمالية ليست مجرد الرغبة في تقديم أفضل ما يمكن، بل هي نمط معقد يتداخل فيه السعي إلى الإنجاز مع الخوف من الخطأ والحاجة المستمرة إلى إثبات الجدارة.

وتشير أبحاثنا حول الطريقة التي ينظر بها المراهقون إلى كماليتهم إلى أنهم يعيشون هذا العبء بصورة عاطفية واضحة. فهم يصفونها بأنها صراع مستمر ومرهق لتجنب أي عيب محتمل، والحفاظ على صورة لا تشوبها شائبة أمام الآخرين. ويصفها بعضهم بأنها أشبه بـ«صوت غاضب صغير في الداخل لا يصمت أبدًا»، يدفعهم إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين باستمرار، وإلى مراجعة أعمالهم وإعادة تدقيقها مرة تلو الأخرى.

قد تساعد هذه النزعة أحيانًا في رفع الدرجات، لكنها تأتي بتكلفة كبيرة. فعندما يصبح الخوف من الخطأ مسيطرًا، قد يتحول النقد الذاتي إلى قوة تشل الطالب بدل أن تدفعه إلى الأمام. وقد يصبح مجرد البدء في مهمة أو إنهاؤها أمرًا بالغ الصعوبة.

ويرى المعلمون نتائج ذلك بوضوح. فقد وصفوا كيف يمكن لهذا الضغط المستمر أن يضعف ثقة الطلاب بأنفسهم، ويجعلهم يشكون في قدراتهم، ويجعلهم شديدي الحساسية تجاه أي ملاحظة أو نقد، مهما كان بسيطًا.

وخلال مقابلاتنا مع معلمين في المرحلتين الابتدائية والثانوية في كندا، برز نمط واضح: الضغط المستمر من أجل النجاح يغير الطريقة التي يتعامل بها الطلاب الباحثون عن الكمال مع التعلم نفسه.

فالمعلمون يلاحظون أن هؤلاء الطلاب قد ينشغلون بصورة مفرطة بتفاصيل معايير التقييم، ويطلبون باستمرار تأكيدًا من المعلم بأن عملهم يطابق تمامًا ما هو متوقع منهم، كما يترددون في خوض أي تجربة فكرية قد تنطوي على احتمال الخطأ.

ويبدو الأمر أحيانًا وكأن هؤلاء الطلاب يسعون إلى الامتثال أكثر من سعيهم إلى التعلم. فبدلًا من الانشغال بأسئلة مثل: «ماذا يعني هذا؟» أو «كيف يعمل؟»، ينصب اهتمامهم على أسئلة من قبيل: «هل سيأتي هذا في الاختبار؟» أو «كم درجة سأحصل عليها على هذا الجزء؟».

لكن التعلم الحقيقي يتطلب مساحة للتجربة والتعثر وطرح الأسئلة وارتكاب الأخطاء. والطلاب الذين يخشون الخطأ إلى هذا الحد يحرمون أنفسهم من هذه المساحة. وقد يبدون ناجحين على الورق، لكن قدرًا كبيرًا من طاقتهم ينصرف إلى حماية درجاتهم بدلًا من الانخراط الحقيقي في المادة التي يتعلمونها.

حين تزيد البيئة التعليمية المشكلة سوءًا

يرى المعلمون الذين شاركوا في دراستنا أن الكمالية لا تنشأ بمعزل عن البيئة التعليمية، بل قد تتغذى عليها الأنظمة التي تضع التقييم والمقارنة والقياس المستمر في مركز العملية التعليمية.

ففي أونتاريو، مثلًا، يمكن للتقييمات المعيارية، والتتبع الرقمي للأداء، والمنافسة الشديدة على القبول الجامعي أن تعزز التركيز على النتائج. وعندما يُختزل النجاح في رقم أو درجة، تتحول الفصول الدراسية تدريجيًا من أماكن للاستكشاف والتعلم إلى أماكن موجهة نحو تحقيق النتائج.

وهذا يبعث إلى الطلاب برسالة واضحة: الدرجة أهم من التعلم. ومع ترسخ هذه الرسالة، يصبح ارتكاب الخطأ أكثر إثارة للخوف.

كيف ينبغي للمعلمين التعامل مع الطلاب الباحثين عن الكمال؟

كشفت دراستنا عن اختلاف واضح بين المعلمين في الطريقة التي يرون بها أفضل أساليب الدعم.

النهج الأول: المرونة

يرى بعض المعلمين أن هؤلاء الطلاب يحتاجون إلى مساحة أكبر ومرونة في المواعيد، إلى جانب تخفيف الضغط المرتبط بالتقييم، بما يساعد على تقليل القلق والضغوط النفسية التي يعيشونها.

النهج الثاني: وضع حدود أكثر صرامة

يفضل معلمون آخرون أسلوبًا أكثر تنظيمًا وحزمًا. فيضعون مواعيد نهائية واضحة، ويحددون عدد المرات التي يمكن فيها إعادة مراجعة العمل، بل وقد يستخدمون مؤقتًا أثناء أداء بعض المهام مع الطلاب الأصغر سنًا.

ولا تهدف هذه الصرامة إلى استعجال الطالب أو زيادة الضغط عليه، وإنما إلى وضع حدود تمنع المراجعة التي لا تنتهي، وتمنح الطالب إذنًا واضحًا بالتوقف وتسليم عمله وقبول فكرة أن العمل يمكن أن يكون «جيدًا بما يكفي».

وقد يكون للموعد النهائي الصارم دور مهم في كسر الحلقة المرهقة من إعادة الكتابة والتفكير المفرط والمماطلة. لكن على المعلمين في الوقت نفسه أن يوازنوا بين وضع حدود واضحة ومراعاة الفروق الفردية؛ فالموعد النهائي الذي يساعد طالبًا على تجاوز كماليته قد يكون مربكًا أو مشلًا لطالب آخر.

وعلى الرغم من أن النهجين قد يبدوان متعارضين، فإنهما في جوهرهما يشتركان في الهدف نفسه: مساعدة الطلاب على الخروج من دائرة الكمالية، وبناء علاقة أكثر صحة ومرونة مع الإنجاز.

لنعيد التفكير في الغاية من التعليم

في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون هدف التعليم تخريج طلاب لا يخطئون، بل مساعدة الشباب على اكتشاف نقاط قوتهم، وفهم نقاط ضعفهم، وتجربة مسارات مختلفة حتى يجد كل منهم الطريق الذي يناسبه.

وتشير أبحاثنا إلى أن المعلمين يبذلون جهودًا كبيرة لمساعدة الطلاب الباحثين عن الكمال، لكنهم لا يستطيعون القيام بذلك بمفردهم. فإذا كنا نريد إعداد طلاب يتمتعون بالثقة والمرونة والقدرة على التعلم من أخطائهم، فعلينا أن نمنح المعلمين، ومعهم المدارس وأولياء الأمور وصناع السياسات، الدعم والموارد اللازمة.

فالهدف الأهم من التعليم ليس أن يتعلم الطلاب كيف يكونون كاملين، بل أن يتعلموا كيف ينمون ويتطورون، حتى عندما يخطئون.

المصدر

مقالات ذات صلة