القائمة الرئيسية

الأسباب الحقيقية وراء تسويفك

الأسباب الحقيقية وراء تسويفك
ملخص المقال

التسويف ليس دليلاً على الكسل أو ضعف الرغبة في الإنجاز، بل ينشأ غالباً من الفجوة بين النية والفعل، عندما يحاول الدماغ تجنب مشاعر سلبية متوقعة مثل القلق أو الملل أو الخوف من الفشل والنقد، ويفضل في المقابل مكافآت فورية كوسائل التواصل الاجتماعي، وقد يتفاقم بسبب الإرهاق والتشتت وبعض العوامل المرتبطة باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة. لذلك فإن محاولة «بذل جهد أكبر» قد لا تكون حلاً، والأفضل تحديد السبب الفعلي للتأجيل في كل مرة ثم التعامل معه مباشرة؛ فالتشتت يتطلب إزالة مصادر الإلهاء، والخوف من الفشل يستدعي اختبار مدى واقعية المخاوف والتفكير في كيفية التعامل مع أسوأ الاحتمالات، بينما تساعد المهام الغامضة على تفكيكها إلى خطوات صغيرة وواضحة، كما يفيد تعزيز الثقة بالإنجازات السابقة وتنظيم العمل وفق أوقات الإنتاجية الشخصية. وبذلك يصبح التغلب على التسويف عملية لفهم العائق النفسي أو العملي الذي يقف وراء التأجيل ومعالجته، لا معركة لإجبار النفس على العمل بجهد أكبر.

عندما تواجه مهمة أو مشروعاً، هل تكرر لنفسك دائماً القول بأنك ستنجزه "غداً"، أو "قريباً"، أو "بعد مشاهدة مقاطع فيديو قليلة أخرى فقط"؟ إن كان الأمر كذلك، فبصفتي شخصاً درس علم التسويف لسنوات، أستطيع أن أطمئنك بأنك لست وحدك في هذا. فنحو 20% من البالغين يمارسون التسويف والمماطلة بانتظام. وأولئك الذين يفعلون ذلك منا، وأنا منهم، قد يواجهون أيضاً مجموعة من المشكلات والنتائج التي تظهر الأبحاث ارتباطها بالتسويف، بما في ذلك درجات تحصيل دراسي أقل في الامتحانات، ودخل مادي أدنى، وقلة النوم، وتدهور الصحة النفسية والجسدية. يمكن أن تكون المماطلة تجربة مؤلمة وصعبة التعامل بشكل محبط. والسبب الرئيسي في ذلك هو أن الكثير مما نسمعه عن هذا السلوك الشائع يُعد خاطئاً. ربما تتمثل أكبر المغالطات الشائعة في الاعتقاد بأن التسويف ينبع من عدم الاهتمام الكافي أو من الكسل. ووفقاً لهذا التفسير الخاطئ، يُفترض أن المسوفين يحتاجون فقط إلى "بذل المزيد من الجهد". ومثل هذه المفاهيم الخاطئة قد تؤدي إلى شعور عارم بالذنب والخزي. وفي واقع الأمر، عادة ما ينوي المسوفون العمل بكل جدية تماماً مثل أقرانهم، إن لم يكن أكثر منهم. لكن السمة المحددة للتسويف هي الفجوة الفاصلة بين النوايا والأفعال. ولا يقتصر الأمر على أن "مجرد بذل جهد أكبر" لا يجدي نفعاً، بل إنه غالباً ما يأتي بنتيجة عكسية من خلال صرف انتباهنا عن الحلول الفعالة بحق.

ما الذي يسبب التسويف حقاً؟

في الأساس، تتمتع أدمغتنا بتركيبة بيولوجية تجعلها تعطي الأولوية لما يمنحنا شعوراً أفضل في الوقت الحالي، على حساب ما سيجعلنا ننتعش على المدى الطويل وبشكل عام. لذلك، عندما نخشى أن يكون القيام بأمر ما مؤلماً أو صعباً، يدفعنا دماغنا للماطلة كآلية دفاعية، بهدف تأجيل الألم الذي نتوقع أن يجبه هذا العمل. يمكن أن يحدث هذا عندما نشعر أن الدراسة ستكون محبطة، أو أن الامتحان القادم سيكون مسبباً للتوتر. أو ربما نكون قلقين من ألا تكون كتابتنا أو العرض التقديمي الذي نعده مثالياً. يمكن أن تشكل المثالية والمطالبة بالكمال مشكلة خاصة عندما نخشى تعرض عملنا للنقد من قبل الآخرين، سواء كان ذلك يرجح حدوثه في الواقع أم لا. كما أن أدمغتنا قد تصاب بمزيد من التشتت عندما نواجه بدائل مغرية نعلم أنها ستمنحنا إرضاءً فورياً، مثل تغذيات وسائل التواصل الاجتماعي التي جرى تحسينها بشكل عالي الصياغة لجذب انتباهنا لأطول فترة ممكنة. وهناك مشكلات إضافية قد تجعل من الصعب علينا تعديل مسار أدمغتنا عند التسويف في موعد نهائي. وأحد أبرز هذه المشكلات هو الشعور بالتعب، أو ما هو أسوأ، الإرهاق النفسي والإنهاك التام جراء العمل الشاق لفترة طويلة في مهام تستنزف الطاقات. ويمكن أن ينتهي بنا المطاف في دورة خبيثة ومفرغة. فنكون منهكين بدرجة تمنعنا من القيام بما نحتاجه، فنماطل في إنجازه، مما يضغطنا نفسياً ويستنزفنا بدرجة أكبر، وبالتالي يشدد قبضة التسويف علينا. وربطت الدراسات أيضاً بين التسويف واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، وهو اضطراب نمائي عصبي قد يجعل من الصعب على الأفراد الالتزام بمهام محددة. ولحسن الحظ، مثلما يمكن لسوء فهم التسويف أن يضعنا على الطريق الخاطئ للتغلب عليه، فإن فهم أسبابه الحقيقية يمكن أن يساعدنا في استكشاف كيفية إيقافه.

كيف تتوقف عن التسويف

تتعدد أسباب المماطلة، وقد يتطلب كل منها حلاً مختلفاً. ابدأ بسؤال نفسك: لماذا تماطل هذه المرة تحديداً؟ إذ قد لا يكون السبب هو نفسه دائماً. هل أنت منهك؟ هل تشتت انتباهك بسبب هاتفك؟ هل تخشى ارتكاب الأخطاء؟ أم أن هناك مشكلة أخرى، أو مجموعة مشكلات مجتمعة، تقف في طريق تحقيقك للهدف أو المهمة التي عُينت لك، أو وضعتها لنفسك؟ إذا كنت غير متأكد، حاول المقارنة بين الحالات التي اتخذت فيها إجراءات فعلية وتلك التي أجلت فيها العمل بلا نهاية. ما الذي صنع الفارق؟ كبديل آخر، تظاهر بأن صديقاً لك يمر بوضع مماثل وفكر في مشكلته بدلاً منه. إن إضافة هذه المسافة النفسية قد تساعدك على رؤية الأمور بوضوح أكبر. بعد ذلك، حاول سؤال نفسك: ما التغيير الواحد الذي يمكنك إجراؤه الآن والذي سيجعل إكمال المهمة أكثر ترجيحاً؟ بصراحة، بعض التغييرات أسهل من غيرها. على سبيل المثال، إذا كان هاتفك يشتت انتباهك، فقم بإيقاف تشغيله قبل بدء المهمة. وإذا كنت تعمل في مكتبة أو مقهى، ضع هاتفك داخل حقيبتك فور جلوسك. أما إذا كانت المشكلة هي الخوف من نتيجة معينة، فهذا أمر أكثر صعوبة. لكن حاول سؤال نفسك: ما مدى احتمال حدوث ما تخشاه حقاً في الواقع؟ غالباً ما يكون الاحتمال أقل بكثير، أو أقل إخافة مما تعتقد. وهناك إستراتيجية أخرى تتمثل في تفكيك هذا السيناريو الأسوأ، والتفكير في كيفية تقليل الأثر السلبي في حال حدوثه بالفعل. أنا أقوم بمناقشة أسباب أخرى للتسويف، والمزيد من الحلول لها، في كتابي الجديد "حل مشكلة التسويف: علم أسباب التأجيل وكيف تتوقف عنه أخيرًا". وتشمل هذه الاقتراحات باختصار ما يلي:

  • تفكيك المهام الغامضة إلى خطوات صغيرة ملموسة ومقدور عليها، جعل مسارك المستقبلي يبدو واضحاً وممكناً.
  • بناء إيمانك بنفسك عن طريق تحديد وتثبيت انتصارات وإنجازات متسقة، وذلك لإسكات صوت البائس الداخلي الذي يعيقك.
  • تنظيم جدولك الزمني وفقاً لإيقاعات إنتاجيتك الفردية، للعمل مع تفضيلاتك الطبيعية وليس ضدها.

وقبل كل شيء، فإن التغلب على التسويف لا يكمن ببساطة في "مجرد بذل جهد أكبر". بل يتعلق الأمر باكتشاف الأسباب الحقيقية التي تدفعك لتأجيل الأمور، ثم معالجتها باستخدام التقنيات المناسبة لك.

المصدر

مقالات ذات صلة