القائمة الرئيسية

كيف يعمل خيالك لمصلحتك أو ضدك؟

كيف يعمل خيالك لمصلحتك أو ضدك؟
ملخص المقال

الخيال ليس مجرد وسيلة للإبداع، بل قدرة عصبية أساسية نستخدمها يوميًا لفهم الماضي، ومحاكاة المستقبل، والتنبؤ، وحل المشكلات، وابتكار احتمالات جديدة، ويتخذ أنماطًا مختلفة تتراوح بين محاكاة الخبرات السابقة والخيال التوليدي الذي يحرر العقل من المألوف لتكوين روابط وأفكار جديدة. لكنه قد يتحول أيضًا إلى مصدر للقلق والتحيز وسوء التقدير، إذ يملأ فجوات الذاكرة والإدراك بسيناريوهات قد لا تمت للواقع بصلة. ويمكن تطوير هذه القدرة عبر فهم أنماط الخيال الخمسة: التقبل، والحضور، والتفصيل، والأصالة، والبعد الزمني، ثم تدريبها باستخدام التخيل المسبق، والعصف الذهني، واستحضار الحواس، وإعادة صياغة الأفكار، والكتابة الحرة، إلى جانب منح العقل مساحات للعزلة وأحلام اليقظة والمشي في الطبيعة. وتكمن أهمية ذلك في أن توجيه الخيال بوعي لا يعزز الإبداع والمرونة الفردية فحسب، بل يساعد أيضًا على استعادة الأمل وتصور حلول جديدة للتحديات الجماعية، إذ إن القدرة على تخيل مستقبل مختلف قد تكون الخطوة الأولى نحو بنائه.

يقدم كتاب جديد دراسة متعمقة في علم الأعصاب وراء المخيلة البشرية، متحديًا إيانا لاستغلال طاقاتها الكامنة في حياتنا اليومية.

تتأرجح مخيلتي بين النقيضين؛ فأنا أحبها حين تلهمنا ابتكار قصص أو ألحان جديدة، أو حين تسبح بالروح نحو أوقات ممتعة قادمة. غير أنها قد تقودنا في أحيان أخرى إلى الخوف والقلق، مثلما يحدث حين نتصور وقوع مكروه للأشخاص أو الأماكن التي نحبها.

فهل توجد وسيلة لرعاية الجانب المضيء من الخيال وتقليص جوانبه المزعجة؟ تؤكد كاساندرا فييتين (Cassandra Vieten)، مديرة الأبحاث في مركز آرثر سي كلارك للخيال البشري، وجود طريقة لذلك. ففي كتابها الجديد المعنون بـ «تخيل ذلك» (Imagine That)، توضح أهمية الخيال في تفاصيل حياتنا بوصفه أداة لفهم الماضي، واستيعاب الحاضر، واستكشاف الآفاق المستقبلية. وهي ترى أنه متى ما تعمقنا في فهم آلياته الداخلية، أصبحنا قادرين على توظيفه بوعي وقصد لصياغة الحياة التي نبتغيها.

تقول فييتين: «إن الخيال ملكة نمتلكها جميعًا، وممارسة يمكننا جميعًا خوض غمارها مجانًا وعلى قدم المساواة. وعندما يطور الإنسان هذه القدرة، فإنه يظفر بشيء يشبه السحر؛ ألا وهو القدرة على رؤية مستقبلات متعددة في آن واحد، والإبحار نحو المستقبل المفضّل».

الخيال كجزء أصيل من الحياة اليومية

يميل كثيرون منا إلى الخلط بين الخيال والإبداع، ظنًا بأن القدرة على تخيل أفكار جديدة تعادل بالضرورة تحويلها إلى واقع ملموس. ورغم الترابط الوثيق بين الأمرين، إلا أن هذا المنظور يظل قاصرًا للغاية أمام اتساع مفهوم الخيال، كما تكتب فييتين.

وترى أن الخيال طاقة أساسية وجوهرية تتيح لنا محاكاة الواقع وتجاوزه لاستكشاف آفاق تقع خارج نطاق المعروف.

وفي حياتنا اليومية، يمثل الخيال المحرك الذي يساعدنا على التنبؤ وابتكار أفكار جديدة (أو مبدعة). على سبيل المثال، قد نتخيل كيف أن التوقف لتناول كوب قهوة في طريقنا إلى العمل سيعزز تركيزنا (وهو ما يُعرف بخيال المحاكاة المستند إلى تجارب الماضي). لكننا قد نستخدم الخيال أيضًا لتجاوز المألوف وابتكار فكرة منتج فريد كليًا فور وصولنا إلى المكتب (وهو ما يُعرف بالخيال التوليدي).

وتضيف قائلة: «يتغلغل الخيال في نسيج حياتنا الإدراكية، والحسية، والتفاعلية؛ فنحن في حالة تأمل، وتخيل، وتدريب، وتساؤل مستمر».

تتجسد هذه الأنماط المتنوعة من الخيال في الدماغ بطرق مختلفة؛ فخيال المحاكاة يتركز أساسًا في «شبكة وضع الافتراض» (Default Mode Network - DMN)، وهي منطقة في الدماغ تظل نشطة عندما لا نكون منخرطين في مهمة محددة. وهنا نميل إلى تقليب التفاعلات المستقبلية، أو الخطط، أو الخيارات، غالبًا بصورة لاواعية (أو حتى لا شعورية).

أما الخيال التوليدي، فيتحقق عندما نتحرر من قيود هذه الشبكة (أو استبدادها كما يصفه البعض). وحين ننجو من ضجيج الحياة اليومية وندع عقولنا تهيم بحرية عبر مناطق الدماغ المختلفة لتكوين روابط عصبية جديدة، ترتفع حظوظنا في ابتكار شيء فريد حقًا.

وتوضح فييتين أن الخيال ليس رفاهية عابرة، بل هو ركيزة أساسية لوظائفنا اليومية وللتعبير الإبداعي عن الذات. فهو يعيننا على حل المشكلات، ويثري إمكانيات ما يمكن أن يكون، مانحًا إيانا «هبة الدهشة، والخيال الخلاق، والمفاجآت التي تضفي البهجة والروعة على حياتنا».

الوجه المظلم للخيال

مع ذلك، قد يتحول الخيال أحيانًا إلى مصدر للمشكلات. فعلى سبيل المثال، قد نتصور أن شريك حياتنا غاضب منا ونقلق حيال ما قد يحدث عند عودته من العمل، في حين أنه لا يشعر بأي غضب على الإطلاق. هذا الوهم يورثنا قلقًا لا طائل منه، ناهيك عن احتمالية إشعاله لخلاف غير مبرر.

كما قد ندفعنا مخيلتنا إلى تكوين انطباعات بأن الآخرين مزعجون أو حتى خطرون، بناءً على تحيزات غير مبررة تتشكل جزئيًا بفعل الخيال الذي يحاول تحضيرنا للمواجهات المجهولة، غالبًا وراء الكواليس على مستوى لاواعي.

وتكتب فييتين: «نحن نتخيل بانتظام سرديات ومشاهد وتفاعلات كاملة دون قصد أو حتى وعي منا بذلك».

تنشط مخيلتنا باستمرار لملء الفراغات في ذاكرتنا وإدراكاتنا بطبيعتها القاصرة. فالذكريات لا تُحفر صماء في عقولنا، بل تُعاد صياغتها (وغالبًا ما تتغير) مع كل مرة نستدعيها فيها. وبالمثل، تعجز حواسنا عن إدراك كل شيء في آن واحد، فتتدخل المخيلّة لتكتمل الصورة عبر إضافة تفسيرات من عندنا. وهذا يعني سهولة تلوث الذكريات أو ضياع تفاصيل الموقف، مما يؤدي لمشكلات شتى (مثل شهادات الشهود غير الدقيقة في الجرائم).

وتشير فييتين إلى أن استيعاب هذه الجوانب المظلمة يمكننا من تهذيبها وتقويمها، مضيفة: «يمكنك التدرب على توجيه انتباهك لما تتخيله، وإدراكه باعتباره مجرد خيال، ثم تقرير ما إذا كان يحمل معلومات نافعة، أم أنه مجرد هراء غير مبرر أو سبب لضرر حقيقي».

كيف تطور قدراتك التخيلية؟

رغم أن الكتاب يناقش علم الأعصاب المؤسس للخيال، إلا أنه يطرح أيضًا طرقًا عملية لتسخيره بفاعلية أكبر. قد يتأثر نمط خيالك الشخصي بجينياتك (كالتنوع العصبي)، وثقافتك، وتجاربك الحياتية. وفهم هذه المعطيات يساعدك على تحديد الجوانب التي قد تحتاج إلى تعديل أو تطوير.

ولتقييم نقاط القوة والضعف في مخيلتك، توجز فييتين خمسة أنماط رئيسية للخيال:

التقبل (Receptiveness): مدى استعدادك للتخيل ومدى انفتاحك على ما يتبادر إلى ذهنك. فمن يتمتع بدرجة عالية من التقبل يجد سهولة في التصورات الموجهة، بينما يميل ذوو التقبل المنخفض إلى الابتعاد عن استكشاف السيناريوهات غير المألوفة.

الحضور (Presence): مدى اندماجك وتفاعلك العاطفي مع خبراتك المتخيلة. من يغوص ويتأثر عاطفيًا بالسيناريوهات فهو عالٍ في الحضور، ومن يكتفي بالمراقبة من بعيد فهو دونه.

الزخرفة والتفصيل (Embellishment): مدى دقة ووفرة التفاصيل التي تصبغ بها تخيلاتك. القادرون على بناء سيناريوهات معقدة وغنية بالتفاصيل الدقيقة يتمتعون بدرجة عالية من هذا النمط، بينما يميل الآخرون إلى النظرة الشاملة.

الأصالة (Originality): مدى استناد خيالك إلى الواقع الممكن مقابل جنوحه نحو الفانتازيا والابتكار المطلق المنفصل عن الواقع.

البعد الزمني (Temporality): مدى ارتباط الخيال بالزمن (استرجاع الماضي أو استشراف المستقبل) مقابل تحرره من أي زمن محدد.

لكل نمط من هذه الأنماط إيجابياته وسلبياته. فالتقبل العالي يعزز مرونتك المعرفية وانفتاحك على التجارب، لكنه قد يجعلك عرضة للانقياد وسهولة التأثر. والأصالة المفرطة تثري الفن والعلم، لكنها قد تورث صاحبها سأمًا من روتين الحياة اليومية.

وتقترح فييتين عدة مسارات لتوسيع مدارك الخيال وتمرين المخيلة، منها: التدرب الذهني المسبق قبل الفعل، العصف الذهني، استحضار الحواس كافة عند التخيل، إعادة صياغة الأفكار من زوايا بديلة، والكتابة الحرة المتدفقة.

كما توصي بتهيئة بيئات تحفز الإبداع التلقائي؛ مثل تخصيص أوقات لأحلام اليقظة، والجلوس في عزلة تتيح للعقل الهيام، والمشي في الطبيعة لتخفيف التوتر، وكلها عوامل تساعد على كبح شبكة وضع الافتراض في الدماغ وفتح الباب للأفكار الإبداعية لترتقي بحرية.

أبعاد تتجاوز التطوير الذاتي

لا يقف كتاب "تخيل ذلك" عند حدود الإرشاد الذاتي، بل يبعث رسالة أعمق حول منافع الخيال للمجتمع بأسره. فكثير منا يرزح اليوم تحت وطأة اليأس وفقدان الأمل جراء متابعة دورات الأخبار السلبية والتركيز على مشكلات العالم، مما يصعب تصور مستقبل أفضل جماعيًا.

إن ترويض الخيال وتوظيفه بوعي يغرس روح الأمل، ويبث الحيوية والبهجة في حياتنا الفردية، ويفتح آفاقًا جديدة للابتكار وحل المعضلات المجتمعية.

تختتم فييتين بالقول: «الكثير من التحديات التي تواجهنا محليًا وعالميًا تجذر عجزنا الجماعي عن تصور حلول جديدة، ومستقبل بديل، ومسارات إبداعية تضمن الازدهار للجميع. وأعمق ما أتناهه أن تغوصوا في علم الخيال وممارسته وسحره لتدركوا كيف يمكنه إعادة السحر إلى حياتنا وعالمنا».

المصدر

مقالات ذات صلة